Define your generation here. Generation What

كاشمجي

“في ناس بترقص وناس بتموت”، غنى لنا تلك المقولة أمير عيد، مغني فريق كاريوكي، انتشرت الأغنية قبل إطلاق ألبوم “السكة شمال”، آخر ألبومات الفريق والذي صدر منذ حوالي شهرين. ليس عندي مشكلة كبيرة مع تلك العبارة، فحيوات الناس الشخصية لابد أن يتخللها تحدٍ للواقع في بلد لا يفيض على سكانه بغير الاكتئاب.

شاهدت في الفترة الأخيرة أناسا يرقصون بعد أن فُضت مظاهرات شاركوا فيها وسقط فيها قتلى وجرحى، فعل الرقص لم يكن استهانة برؤية الموتى، ربما كان بدافع العجز، بدافع محاولة التعايش مع واقع أليم، يبحث كل شخص في فلكه الخاص عن ضحكة ورقصة.

أغاني فريق كايروكي كانت على ما يبدو محاولة من الفريق لوصف بؤس الواقع، حيث أبدى الفريق ضيقه من هؤلاء الذين يرقصون بينما الآخرون يموتون. لكن بعد شهرين من صدور ألبوم “السكة شمال” الذي لم يخلو من الأغاني الكئيبة، رأينا أمير عيد وفريقه مشاركين في فيديو كليب لأغنية لا تساهم فقط في تكريس بؤس الواقع وإنما تسخر منه: “كاشمجي”

لم تستفزني أي أغنية في حياتي مثلما فعلت “كاشمجي” للمطرب ذو الصوت الجميل، شادي أحمد، والكلمة جديدة تقدمها الأغنية لأول مرة وهي مشتقة من مصطلح “مكشّم”، ولكن صوت المطرب الجميل ومساهمته في إدخال مصطلح جديد للكآبة في اللغة العربية لم يغفر لكلمات الأغنية، التي تقول بكل وضوح أن المشاركين في العمل لا يفهمون كآبة الناس حولهم فقرروا أن “يطيروا”.

هذا النوع من التخلي عن حس الكآبة العام والانفصال التام عن الواقع الكئيب قد يُقبل ويسهل فهمه إذا كان قرار شخصيا، فمن حق الأشخاص أن يقرروا في لحظة ما الانسحاب من المجال العام والانفصال عن معاركه، إلى المساحات الشخصية التي يستطيع الفرد فيها أن يقتنص لحظات من السعادة تعيد إليه طاقته، قد يُقبل أيضا ويسهل فهمه إذا كان قراراً يؤخذ من أناس لم يقدموا نفسهم في لحظة ما للجمهور كمعبرين عن كآبتهم أو معاناتهم، قد يقبل أيضا إذا كان يحترم كآبة الناس تلك، التي لا ينكر أسبابها إلا أعمى، أي ينبغي أن يعلن المنسحب من المجال الكئيب أنه لم يعد يتحمل كآبته وسيبحث في مكان آخرعن سعادة بديلة، دون أن يقلل من أسباب كآبة الآخرين.

الأغنية لم تقدم نفسها على أي نحو يُقبل، أحد الأسباب التي قد تجعلني بشكل شخصي “كاشمجي” هو الاستماع إلى أغنية أمير عيد/كايروكي مع عبد الباسط حموده “غريب في بلاد غريبة“، كلمات الأغنية تحكي بكآبة عن شباب يضيع أحلامه ويكتم صوته ويشعر بالغربة في بلده، ما الذي حدث في شهرين حتى يشارك نفس الفريق في عمل يقول “الحياة مش مستحملة هسيبني منهم وأطير”.

الأمر نفسه ينطبق على الفنانة هند صبري التي قدمت نفسها في العديد من الأدوار ممثلة لفتاة الطبقة العاملة أو الوسطى، ينطبق أيضا على الستاند أب كوميديان علي قنديل الذي انتقد النظام في أيام مرسي وتأذى من ذلك بالتحقيق معه ودفع غرامة عند النائب العام، ينطبق على كل من شارك في هذا العمل بينما كان في لحظة سابقة يستعرض الواقع الكئيب ويدّعي التعبير عن مشاكل الناس.

لا أعتقد أن من حق هؤلاء “السليبرتيز” أن يدعوا الناس الآن أن “يسبوهم من اللي فات والتفاهات”. هل وجد الفنانون الذين قرروا في لحظة ما التعبير عن مشاكل الطبقات التي ادعوا تمثيلها حلا لمشاكلهم، أو وجد المطربون والمبدعون والصحفيون المشاركون في الأغنية مساحات جديدة من الحرية تفتح، ونهاية لقتل الصحفيين ومحاكمتهم بتهم إهانة السلطات وازدراء الأديان؟

وبعيداً عن فسخ تعاقد هؤلاء الفنانين مع جمهورهم من طرف واحد، وبعيداً عن أن تغير مواقف مثل هؤلاء من التطورات السياسية والمجتمعية التي اعتادوا التعبير عنها في أعمالهم يستلزم توضيحا يحترم الجمهور، تبقى أغنية “كاشمجي” تطور سيئ لأغاني الانفصال عن الواقع.

نتذكر هنا أغنية إعلان موبينيل التي أحدثت ضجة “عشان لازم نكون مع بعض” والتي جائت تتحدث عن وحدة المصريين في أقصى لحظات الاستقطاب السياسي. إلا أن انفصال تلك الأغنية عن الواقع جاء بطريقة رومانسية لم تهاجم مشاعر الناس وقتها، افترضت الأغنية وجود مساحة وهمية مازال فيها فرصة لتوحد المصريين، لا نحتاج أن نثبت سذاجة تلك الأغنية، فلقد رأينا جميعا بعدها ما أسماه البعض بدايات الحرب الأهلية.

تفترض أغان أخرى وجود مساحات للوحدة الوطنية بين المسلمين والمسيحيين، أو تتحدث عن عشق المصريين لوطنهم، ولا نحتاج أيضا أن نثبت أن تلك النوعية من الفن المنفصل عن الواقع لم تساهم في إحداث أي تقدم في أي قضية، بل قد يؤخذ عليها إقرارها واقع مزيف، ومساعدة الأنظمة الديكتاتورية في إنكار مسؤوليتها تجاه قضايا كبيرة مثل الفتنة الطائفية والانقسام الأهلي، ذلك بالاستعانة بمنظومة إعلامية تروج لهذا النوع من الفن وتصر عليه.

بمد الخط على استقامته، نرى أن التطور في أغنية “كاشمجي” وصل بهذا النوع من الفن ليس فقط إلى الإنكار الرهيب للواقع، بل وصل أيضا إلى اتهام المكتئبين من هذا الواقع بأنهم ليسوا على حق، ويرفض أن يكون هناك مبرر لوجود حزن بين الشعب المصري “اللي بيقلب أي حاجة ١٠٠ إيفيه”.

إنكار الواقع في تلك الحالة يصل إلى تطور خطير يهاجم المهتمين بالشأن العام أو المتضررين منه، بل يحاول إخفاء ذلك الواقع وزعم أن أسبابه ليست موجودة.

أتعمد هنا أن لا أتحدث عن تفاصيل الواقع الذي نعيشه، أو أبرر كئابة الناس، فلا ينكر كآبة الواقع إلا الأعمى.

ربما كانت من أهم نتائج الثورة هو تسييس قطاعات كبيرة من الشعب المصري، وكان من تلك القطاعات فنانون تغنوا بالثورة وأعلنوا إيمانهم بمبادئها، وهنا تكمن المشكله، فأنا لا أعتقد أن من حق من صدّر نفسه للحديث باسم مبادئ الثورة عندما يقرر الانسحاب من الواقع أن يُحمّل عبء كآبة الواقع على المتمسكين بمواقعهم، ومتحملين ما يخسرونه في سبيل ذلك ماديا ومعنويا.

ليس عندي مشكلة مع قرارات الأشخاص الشخصية، ولكن عندي مشكلة مع من يحاول أن يروج لفكرة أن كآبة الواقع وقبحه ليست موجودة إلا في أعين المصابين بتلك الكآبة، وهم من يتحملون مسؤوليتها. فبدلا من تحميل المسؤولين الحقيقيين عن كآبة الواقع مسؤوليتهم، يتوجه القائمون على تلك الأغنية باللوم إلى ضحايا تلك الكآبة.

تبقى نقطة سطحية أخيرة تجعل من هذا العمل شئ مستفز جدا، هو أن العمل تم تصويره فقط في الزمالك والمعادي، ويعرض بطريقة تقول ضمنيا إن “الشاب الكول” لا ينبغي أن يكون “كاشمجي”، وفي رأيي هذه نقطة ظالمة للجميع، فهناك العديد من “الشعب المصري” من سكان المعادي والزمالك ما زال يهمهم ويكئبهم الشأن العام، وتقديم هذا الفيديو كليب بهذه الطريقة يظلم تلك الطبقة، ويجعلها في عيون الطبقات الدنيا المكتئبة، طبقة فاقدة الإحساس ولا تشعر بمن دونها.

من ناحية أخرى كيف تتحدث الأغنية عن الشعب المصري ولا تبرز إلا طبقة واحدة ومن سكان حيين اثنين؟ أعلم أنه لم يكن يجرؤ أحد أن يصور مثل ذلك العمل في شارع الثلاثيني مثلاً، أو منطقة المطرية أو عزبة الصعايدة، من السهل تخيل نتيجة ذلك.

يلخص مشهد الفتاة الوحيدة ذات الوجه “الكاشمجي” في الفيديو كليب أزمته. يعبس وجه الفتاه لمرور بائع الحلوى بينها وبين الكاميرا فيجبرها على التوقف عن الرقص، وكأن العمل يقول أنه لا مكان بيننا لهؤلاء الذين يريدون أن يزعجونا بزماراتهم من أجل لقمة العيش، لا مكان بيننا لهؤلاء المصرّين على إقرار أن الواقع مليئ  بالمشاكل، بالكآبة والحزن. يقول لنا القائمين على العمل: سنخلق عالمنا السعيد بعيد عنكم، وسنعيش فيه وحدنا وسنتهمكم بالتفاهة وحب الكآبه.

لا مانع أن تعيشوا في فلك خيالي سعيد، لكن لاتسخروا من المكتئب، أو تزايدوا علينا وكأن لا شئ يجري في العالم يدعوا للكآبة.

اعلان
 
 
محمد سلامة آدم  @elsheikhadam