Define your generation here. Generation What

عندما أتى والداي كسائحين أمريكيين إلى مصر

يعد منظر أهرامات الجيزة المطلة على ضواحي حي الهرم الفوضوي أحد أكثر المناظر المذهلة في العالم، ولكن غالباً ما تتبع فرحة رؤية هذا المنظر تحذيرات بإغلاق الأبواب والنوافذ لمنع الباعة من التسلق داخل سيارتك.

تبدو الاستماتة التي قد ينتج عنها مثل هذه التكتيكات العدوانية مفهومة، إذ تتصدر عناوين الصحف في مصر اليوم أخبار حول تفجيرات متفرقة وتظاهرات عنيفة وأجهزة دولة دموية عوضاً، عن شهرتها العتيدة كبلد جاذب للسياح. فليس أمراً مفاجئاً أن تتراجع أعداد السياح من أعلى معدل لها عام ٢٠١٠ والذي قارب ١٤ مليون سائح إلى ٥,٩ مليون سائح العام الماضي، ومعظمهم لم يتجاوز حدود منتجعات البحر الأحمر المحمية والخاضعة للسيطرة الأمنية.

أخبر وزير السياحة هشام زعزوع بعض المراسلين مؤخراً إن عام ٢٠١٣ كان أسوأ عام مر على السياحة في التاريخ الحديث. وأثر هذا بشكلٍ مدمر على ما يقارب ١٠٪ من المصريين الذين يعتمد دخلهم على السياحة بشكل مباشر أو غير مباشر.

وبالنظر للأحداث القائمة، من سيرغب في زيارة مصر الآن عوضاً عن باقي دول العالم؟

أبي وأمي بالطبع.

خلال زيارتهما التي استمرت أسبوعاً أول هذا الشهر، توفرت لدي فرصة مميزة لأراقب وأناقش تجربة أمريكيين يزوران مصر للمرة الأولى أثناء هذه الأوقات العصيبة.

وراء رحلة أهلي لمصر أسباباً شخصية بالتأكيد والتي قد لا تتوافر لدى أغلب السياح، فأنا وأهل زوجي الذين قابلوهم من قبل مقيمون هنا. بالإضافة لذلك، كان لديهم بعض التطلعات كأغلب السياح الذين يزورون مصر، فهم مهتمون بالفنون والآثار المصرية، بالإضافة لرغبتهم في اختبار الوضع الجديد والتمتع بالطقس الدافئ.

كما أن السفر لمصر في الوقت الحالي يعد فرصة مذهلة مادياً. فبحساب جميع النفقات، كلفت رحلة الذهاب والعودة بين القاهرة ونيويورك ٧٣٥ دولاراً للفرد. وبالطبع تأثرت أسعار الرحلات البحرية أيضاً، فانخفاض عدد السياح يعني أننا تمكنا من التجول في المواقع الأثرية بمفردنا تقريباً في بعض الأحيان، مما منحنا الوقت والهدوء للتأمل.

يجب أن أبدأ، بناءً على رغبتهما، بتأكيد استمتاع أبواي بالرحلة، أو على الأقل هذا ما نجحا في إقناعي به. كانت المعابد والمقابر التي زرناها “رائعة” على حد قول والدي الذي استخدم الكلمة بمعناها القديم وما تحمله من استغراب واستمتاع.

كان الجو رائعاً ودافئاً، ونجح أهل زوجي في إظهار الاحتفاء والكرم المصري المشهوريْن، وتبارى معهم في ذلك المرشدون السياحيون والسائقون وأصحاب المحلات وأمناء المعابد الذين قابلناهم أثناء الرحلة. كما التقينا غرباءً ساعدونا كمدرس اللغة الانجليزية الذي يعمل حارس بالمتحف المصري والذي أوقف حركة المرور لنتمكن من عبور شارع (ميريت باشا) بسلام. (شكراً لك سيدي الكريم!)

حتى حركة المرور المجنونة في شوارع القاهرة والتي وصفتها والدتي بـ”ظروف القيادة المجنونة”، كانت مصدراً للذهول والتعجب. اعترفت والدتي لاحقاً إنها قضت الكثير من الوقت في القلق بخصوص المشاة. (انظر أعلى)

وبالرغم من هذه المقدمات، أوضحت لي التجربة طول الطريق الذي يتوجب على مصر قطعه قبل عودة السياحة لمعدلاتها السابقة.

كان الأسبوع السابق لوصول والديّ محتقنًا وعنيفًا. كنا قد تناقشنا بخصوص الرحلة لمدة شهور، ولكننا بدأنا في التخطيط الفعلي لها عندما بدأت الأحداث في تصاعدها الجنوني. في ٢٤ يناير، انفجرت أربع قنابل في العاصمة، إحداها على بعد شارعٍ واحد من مسكني، ثم شهد اليوم اللاحق لذلك احتفالات ذكرى الثورة والتي أتت مفعمة باشتباكات الشوارع أردت عشرات القتلى. وكان هذا هو اليوم الذي حجزوا فيه التذاكر للقاهرة.

في ١٦ فبراير انفجرت قنبلة على متن أوتوبيس سياحي في مدينة طابا ليلقى ثلاثة سواح كوريون وسائق الأوتوبيس حتفهم. بعدها، أعلن حساب على موقع التواصل الاجتماعي تويتر يدعي كونه الحساب الرسمي للجماعة المسئولة عن التفجير مسئوليته عن انفجار طابا -واتضح لاحقاً إنه حساب زائف- تهديداً بالعنف ضد الأجانب الباقين في مصر بعد ٢٠ فبراير. وكانت الخطة أن يصل أبواي في ٢٧ فبراير.

كان عدم تأثرهما بالأخبار مفاجئًا، في حين اضطرب أصدقاؤهما في الولايات المتحدة. قال والدي “الناس خائفون، حقاً خائفون. إنهم يتسائلون إن كان الوضع آمناً،” لتضيف والدتي، “حذرنا العديدون وعبروا عن استغرابهم.”

وبغض النظر عن سلامتهما الشخصية، تساءل معارف والديّ حول أخلاقية زيارة مصر في هذا الوقت أيضاً. قال والدي “يفترض الجميع أنها ليست دولة ديمقراطية وأنها أصبحت تحت سطوة البلطجة العسكرية.”

“يتردد تساؤل حول إمكانية دعم النظام من خلال زيارة مصر الآن. وأنا لا أرغب في دعم النظام.”

كان العداء ضد الأجانب عاملاً آخرًا مسيطرًا على تفكيرهما، ومن ضمنها الدعاية المضادة للمواطنين الأمريكيين التي روج لها الإعلام الموالي للنظام منذ ٣٠ يونيو. فعلى سبيل المثال، أتت تصريحات الصحفى المرموق مصطفى بكري المتلفزة لتتوقع مخطط أمريكي لاغتيال وزير الدفاع المشير عبد الفتاح السيسي، والتي على حد قوله ستدفع المصريين للانتفاض وقتل الأمريكيين في الشوارع.

قال والدي “ليس أمراً مريحاً أن تشعر أن الحكومة تحاول تحريض الناس علينا باعتبارنا أعداء”. وكذوي صحفية أجنبية تعمل في مصر، هم بالطبع قلقون بخصوص عدوان قوات الأمن على الصحافة الأجنبية.

أخبرني والدي “لولا وجودك هنا، ما كنت لأزور مصر تحت ظل النظام الحالي، الأمر يشبه اعتناق وجهة نظر مؤيدة لما يحدث، وأنا لا أريد دعم ذلك.”

ولكنهما تابعا إجراءات الرحلة ليثبتا أن بعض الناس مازالوا يتمتعون بالجنون الكافي للمجيء هنا، أو على الأقل أن الحب الأبوي يطغى على العقل والمنطق.

بالإضافة إلى حالة المرور الجنونية، أثرت فيهما فور وصولهما لمصر العسكرة الشديدة للدولة بدءًا من الدبابات والأسلاك الشائكة في شوارع القاهرة وإلى المجندين المحيطين بمواقع الجذب السياحي. قالت أمي “بالنسبة لنا، نحن الأمريكان، رؤية الحضور العسكري في الشوارع أمر صادم. نحن معتادون على الشرطة وليس هذا،” وأضافت “أنا لا أشعر بالأمان وهم هنا، ولكني لم أشعر بعدم الأمان.”

المثير للأعصاب بشكل أكبر على حد قول والدي هو وجود أفراد الشرطة ذوي الزي المدني والحاملين للأسلحة الثقيلة، حيث قال “هؤلاء الرجال وأسلحتهم نصف الأوتوماتيكية موجودون بشكل دائم، إنهم يظهرون من العدم ولا يمكنك أن تعرف من المسئول بينهم.” نظرًا لأعداد السياح الضئيلة مقارنةً بأعداد أفراد الشرطة والجنود الضخمة، قال والدي أنه كثيراً ما شعر أن أعدادهم تطغى على السياح.

كان يأس العديد من العاملين بالسياحة واضحاً وموتراً أيضاً. عبرنا بمحاذاة قوارب نهرية خاوية غير معدودة وساحات توقف سيارات ضخمة لا يشغلها سوى أرقام معدودة من الأوتوبيسات الصغيرة، بالإضافة لصفوف من العربات الفارغة التي تجرها خيول متعبة، وسائقون ذوي نظرات خاوية. وعلى الرغم من تواجد قدر لا بأس به من السياح المحليين، رأينا أعدادًا قليلة من السياح الأجانب في أغلب المواقع التي زرناها، والذين اقتادتهم سريعاً قطعانًا كبيرة من المرشدين السياحيين.

وكما كان متوقعاً، وبالرغم من الحضور الأمني الطاغي، ابتلعتنا حشود البائعين الجائلين في كل مكانٍ زرناه. فقال والدي “بدلاً من إحساس الترقب الذي ينتابك عند زيارة موقع أثري يحمل أهمية تاريخية كبيرة، تشعر إنك تعبر خلال صندوق قفازات مزدحم، ولا يمكنك الاستراخاء على الإطلاق.”

وأضاف “شعرت في العديد من المرات أن الأمر كله بالنسبة لهم يشبه اصطياد الأوزة التي ترقد على بيضًا ذهبيًا.”

وكالعديد من السياح، كانت والدتي أكثر من مستعدة لإعانة الاقتصاد المحلي عبر إنفاق المال على المقتنيات التذكارية، ولكنها اكتشفت أن ضغط البائعين منعها من شراء الكثير من الأغراض، فاندفاعهم أطلق الخوف بداخلها ومنعها من الاسترخاء وإظهار الكرم الذي يجعل الناس ينفقون أموالهم بحرية على حد قولها. وأضاف والدي “شراء الأشياء يجعلك عرضةً أكثر للتحرش.”

كلا والدي أكدا بالرغم من ذلك على أنهما شعرا غالباً بالحزن على البائعين عوضاً عن التوتر. وقالت والدتي “يبدو لي أنهم بحاجة لإرشاد أكثر، لمشجعين أكثر ليتمكنوا من بيع سلع أكثر، عبر طريقة تشجيع السواح على شراء الأغراض منهم.” ثم تساءلت عن مبرر عدم وجود أبحاث سوق تدعمها الحكومة لمعرفة ما يرغب السائحون في شرائه، وعدم وجود محاولات لخلق نظام مرتب يمكن السائحين من تفحص السلع بهدوء مما يجعلهم ينفقون أموالاً أكثر ويمنع البائعين من التناحر حول الزبائن.

تساءل والدي “لماذا تدار الأمور بهذا الشكل السيء للغاية في دولة ذات كنوز سياحية كمصر؟”، وأضاف “من جانب، هناك موارد مهولة في الدولة تقبع في مكانٍ ما -على الأغلب مع الجيش- وعلى الجانب الآخر هناك أناس يعانون ويعيشون حيوات بائسة للغاية.”

على الرغم من اعترافهم بسعادتهم للقيام بتلك الزيارة العائلية النادرة ليتسنى لهم مشاهدة حياتي ومسكني وعائلتي هنا، تراجع والداي عندما سألتهم إن كانوا سيرشحون القيام برحلة مماثلة للآخرين. أوضح والدي “أنا لا أريد أن يعتقد الناس إني غير مهتم بالمذابح والاضطرابات والفساد الذي يجري هنا.”

لن أدعي أن والداي يمثلان جميع السائحين الأجانب، ولكني أعتقد أنهم مثال للسائح المطلع كثير السفر، والذي قد يتغاضى عن عناوين الصحف الساخنة ويفكر في القدوم لدولة غير مستقرة بشكل واضح.

ولكن أوضحت زيارتهم أنه إذا كانت لدى الحكومة رغبة حقيقية في إنعاش السياحة، فهي بحاجة لأكثر من بعض الإعلانات المتلفزة والحملات التسويقية التي تحاول إقناع السياح أن مصر دولةً آمنة. بدلاً من ذلك، يجب أن تجهض حملات التحريض ضد الأجانب وتعمل على حماية مواطنيها الضعفاء وتحسن من سجلها فيما يتعلق بحقوق الإنسان.

اعلان
 
 
إيزابل إيسترمن