Define your generation here. Generation What

من يهين القضاء الآن؟

في إحدى الخطوات الجادة باتجاه أن تكون مصر “قد الدنيا”، أتى قضاؤها الشامخ بالأمس بحكم غير مسبوق في تاريخ القضاء المدني الحديث، حيث أحالت محكمة جنايات المنيا أوراق ٥٢٩ متهما للمفتي تمهيداً لإعدامهم على خلفية اتهامهم بالمشاركة في أحداث العنف التي أعقبت فض اعتصامي رابعة العدوية ونهضة مصر، وهي الأحداث التي أسفرت عن مقتل ضابط وإتلاف وتخريب بعض الممتلكات.

أتى هذا الحكم في ثاني جلسات المحاكمة، والتي أتت بعد أقل من أسبوع من أولى الجلسات، وهي الفترة التي ربما كانت تكفي بالكاد لقراءة أسماء المتهمين الذين يتجاوز عددهم الخمسمائة، فضلا عن دراسة القضية وإصدار مثل ذلك الحكم.

صدور مثل ذلك الحكم بمثل تلك الملابسات يجعل المخاوف القديمة من تسييس القضاء لا محل لها، فتلك المخاوف تفترض وجود مؤسسة تقوم على حفظ القانون يُخشى عليها من هيمنة الأهواء السياسية للسلطة التنفيذية. أما الآن فنستطيع أن نقول أن ذلك الحكم العبثي يجعلنا نتساءل هل هناك مؤسسة قضاء تحفظ القانون في مصر ابتداءا، أم أننا نتحدث عن فراغ وعن أشباح يرتدون أوشحة يتحدثون بلسان القضاء وهم ليسوا كذلك؟!

صحيح أنه ليس غريبا أن تأتي مثل تلك الممارسة العبثية من القضاء في دولة تعلن فيها مؤسستها العسكرية عن اعتزامها علاج الإيدز بالكفتة! غير أن الأمر لا يمكن أن يُكتفى بالسخرية منه كطريقة للتعاطي معه. فانضمام القضاء المصري إلى باقي مؤسسات الدولة في ممارستها للعبث لا يمثل انتهاكا للحقوق والحريات وفقط، بل إن مثل ذلك العبث يخل بمفهوم الدولة ذاته ويحولها من دولة إلى عصابة أو طائفة، الأمر الذي يحتم علينا العودة إلى الوراء قليلا لنناقش مبررات قيام الدولة بالأساس.

يبرر الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز – الذي عاش بين القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلادي – في أكثر النسخ يمينية وسلطوية قيام الدولة بأنها السبيل الوحيد لأن يخرج الناس من حالة ما قبل الدولة، والتي تسود فيها حالة حرب الكل ضد الكل وفيها الغلبة لمنطق القوة، إلى حالة السلام ومنطق الحق حيث يفوض الجميع الدولة للقيام بدور حماية الحقوق فيحل بذلك المجتمع بما فيه من أفراد، وما يحملون من حقوق وحريات داخل الدولة وتصبح الدولة هي المعادل الموضوعي للبشر وهي المعبر الوحيد الشرعي عنهم، وأي خروج عن قانون الدولة أو شرعيتها يُعد خروجا عن المجتمع ككل.

يستلزم تحقيق ذلك، فضلا عن استدامته، أن تحفظ مؤسسات الدولة وأذرعها المختلفة لنفسها مكاناً فوق المجتمع بأن تتعالى على الصراعات البينية داخله لتصبح ممثلة للمجتمع ككل. في ذلك الإطار وتعزيزا لنفس الهدف من قيام الدولة وهو إحلال السلام محل الاحتراب المجتمعي، فإن دور العقاب في تلك المنظومة المسماة بالدولة الحديثة تطور من كونه انتقام من المجرم، الذي لم يفضِ إلا إلى مزيد من العنف، لأن يكون ذلك الدور تأديب وتهذيب وإصلاح لذلك المجرم، بهدف إعادته إلى المجتمع فردا صالحا يستأنف القيام بدوره كمواطن في المجتمع.

غير أن ما نشاهده في الفترة الأخيرة في مصر هو النقيض. فمؤسسات الدولة المصرية تفقد ثقة المجتمع شيئا فشيئا بدخولها مؤسسة وراء الأخرى في الصراع المجتمعي، لتصبح طرفا فيه وطائفة من طوائفه وهو الأمر الذي يعيد المجتمع كله إلى حالة ما قبل الدولة، حيث يسود منطق القوة بدلاً من منطق الحق، فتفقد الدولة ميزتها الأخلاقية ويصبح المجتمع كله في خطر.

الإخلال بوظيفة الدولة ليس جديدا في مصر بل يضرب بجذوره في ماضي الدولة المصرية الحديثة، غير أن الجديد أن يشارك القضاء بهذه الفجاجة في تلك الجريمة، فالقضاء دائما ما كان المؤسسة التي من الممكن أن نتحدث عن قيامها بدور حماية المنطق في سياق يسوده العبث فتفتح بذلك الباب لإصلاح باقي مؤسسات الدولة، أو بالأحرى استعادتها لدورها كدولة ليس طائفة لذلك فنحن نذكر نضالات النشطاء السياسيين في عهد مبارك في سبيل استقلال القضاء، وكلنا نذكر الهتاف الشهير “يا قضاة يا قضاة خلصونا من الطغاة”.

لذلك فإن سقوط القضاء في فخ العبث بهذ الشكل غير المسبوق يهدم بشكل متسارع مبررات بقاء الدولة، حتى ولو كان ذلك البقاء حبرا على ورق، ويكثّف من حالة الاحتراب المجتمعي ويهدم آفاق إنهائها ويعود بنا إلى العصور الوسطى، حيث كان القانون وسيلة للانتقام من المخالفين للدولة التي لم تكن ممثلة للمجتمع، بل ممثلة لجماعة أو لطائفة حاكمة.

الأمر الآخر الملفت للنظر في الحكم هو أن أغلب المحكوم عليهم من الهاربين. والسؤال هنا، ما المُنتظر من هارب محكوم عليه بالإعدام؟ هل يعود ليمتثل للقانون أم يظل في مهربه حتى يسأم الهروب، فيقرر أن يتحول إلى انتحاري طالما أن السبيلين يؤديان إلى القتل؟

إن أردتم مكافحة الإرهاب فلا أقل من محاكمة من أصدر هذا الحكم ومن باركه ومن شارك فيه ومن سكت عليه من أي مؤسسة من مؤسسات الدولة بتهمة نشر الإرهاب وإشاعة الفوضى والدعوة إلى العنف. بدون القيام بذلك ستستمر معركة الخاسر فيها هو المجتمع، الذي لا يمتلك سلاحا يدافع به عن نفسه مثل الإرهابيين ولا يمتلك مؤسسات تحافظ على حقوقه، مثل ما تملكه تلك العصابة التي تسمي نفسها دولة.

اعلان
 
 
باسم زكريا السمرجي