Define your generation here. Generation What
اللاجئون السوريون: في انتظار ربيع آخر
 
 

في مارس ٢٠١١ كان محمد وخالد ورائد وبشار ضمن آلاف الشباب السوريين ممن تغنوا “سورية بدّها حرية” مستبشرين بأن نسائم الربيع العربي هلّت على وطنهم. اليوم، نفس هؤلاء الشباب السوريون في انتظار فصل الربيع لأسباب أخرى: سيهدأ البحر..وستكون هناك فرص للخروج على ظهر المراكب إلى أوروبا مرة أخرى.

قبل ذلك كان الجميع يتصور أن الأمر “مسألة وقت”: المعارضون كانوا يظنون أن الأمر مسألة وقت ويسقط نظام الأسد، والنظام كان يعتقد أن الأمر مسألة وقت حتى يستعيد إحكام قبضته على سوريا. أكثر المتشائمين لم يكن يتوقع أن تصير سوريا إلى “صومال أخرى”.

في يونيو ٢٠١٢ أعلنت الأمم المتحدة للمرة الأولى أن سوريا “في حالة حرب أهلية”. ووصفت مفوضية شئون اللاجئين حالة النزوح من سوريا بأنها الكبرى منذ موجة النزوح من رواندا في منتصف التسعينيات عقب تصاعد الحرب الأهلية وجرائم الإبادة في ذلك الوقت. لكن النازحون لم يجدوا ملجئاً آمنا، يحتوي على أقل متطلبات الحياة الطبيعية، في البلدان المجاورة، ولم يجدوا فراراً آمنا إلى أوروبا. الطرق الشرعية للفرار عطلتها الإجراءات واللوائح، والطرق غير الشرعية عطلها الموت غرقا.

وبينما تقدر أعداد اللاجئين السوريين الموجودين في مصر بـ ٣٠٠ إلى ٤٠٠ ألف، سجلت مفوضية الأمم المتحدة لشئون اللاجئين في القاهرة ١٣٤ ألف لاجىء سوري -طبقاً لأرقام مارس ٢٠١٤- يتمركز ٩٠٪ منهم في القاهرة الكبرى والأسكندرية ودمياط.

في البداية لم يكن هناك إقبال من اللاجئين على التسجيل لدى المفوضية في ضوء اعتقادهم أن وجودهم في مصر سيستمر لبضع أشهر فحسب، ثم بحلول صيف ٢٠١٣ كان يصل عدد الذين يتم تسجيلهم في اليوم الواحد إلى ١٠٠٠ لاجئ، كما تشير المعلومات الواردة من مفوضية شئون اللاجئين في مصر.

أسرة حسن تاجر الملابس الخمسيني الميسور الذي خرج من سوريا في أوائل ٢٠١٢ قبل تدهور الأوضاع تؤكد ذلك. “خرجنا بقدر وفير من المال وبمصوغات زوجتي الذهبية. جئنا لنقيم هنا بشكل مؤقت معتمدين على أموالنا.. كنا نظن أن الأمر سيستغرق بضعة أشهر حتى تهدأ الأوضاع ونعود إلى سوريا.. لكن الآن الأمر لم يعد كذلك”.

ألقي القبض على حسن وأولاده الثلاثة في سبمتبر الماضي قبل محاولتهم الخروج من مصر عن طريق مركب هجرة غير شرعية في محاولة للوصول إلى سواحل أوروبا ومنها إلى السويد، وأمضوا شهرا قيد الاحتجاز قبل أن يتم إطلاق سراحهم. حسن، الرجل الذي يعتبر نفسه شخص حذر بطبيعته لا يعتقد أن لديه فرص أخرى غير معاودة الكرّة ومحاولة الخروج مرة أخرى. “سواء عن طريق البحر من مصر أو من ليبيا أو عبر السودان عن طريق جوازات سفر مزورة.. سأطرق كل الأبواب للخروج من هنا”.

لا تبدو الحياة في مصر خياراً جذاباً لحسن وزوجته وأولاده الثلاثة وحفيدته. “حين ألقي القبض على حسن والأولاد، جائت مالكة الشقة التي نستأجرها وأرادت طردي منها وقالت أن زوجي وأولادي ألقي القبض عليهم لأننا إرهابيين ونقوم بادخال السلاح إلى مصر” كما تقول زوجة حسن.

“بعنا كل ذهب زوجتي ومدخراتنا نفذت، لا يوجد عمل لي ولا لابني الأكبر، ومساعدات المفوضية لا يمكن الاعتماد عليها لإعالة الأسرة، أقارب زوجتي الذين وصلوا للسويد ينعمون بحياة كريمة هناك الآن”.

حسن -الذي حين خرج للمرة الأولى من سوريا كان كل ما يخشاه أن يتم اعتقال ابنه الأكبر-لا يبدو عابئا بخطر الموت في عرض البحر، ففي أكتوبر ٢٠١٣، لقي ١٢ لاجئا سوريا مصرعهم غرقا حين تحطمت المركب التي استقلها عشرات اللاجئين من الأسكندرية. إلا أن حسن يقول “النسبة الأكبر تصل إلى أوروبا.. لم نسمع سوى عن حادثة غرق واحدة.. اللي خرجوا من المينا بعدنا بيوم وصلوا إلى وجهتهم”.

تتطابق تقييمات اللاجئين السوريين والعاملين في مجال غوث اللاجئين أنه بدخول الربيع سترتفع موجة محاولات الخروج عبر البحر المتوسط إلى سواحل أوروبا، التي يتمكن اللاجئين بعد الوصول إلى شاطئها الإيطالي من استكمال طريقهم برّا إلى دول الشمال الأوروبي: وبالأخص السويد.

وتطابق شهادات اللاجئين وتقييم المحاميين الذين تابعوا قضايا اللاجئين الذين تم احتجازهم، وتقديرات مصادر من داخل مفوضية اللاجئين، في أن تلك الرحلات التي تخرج عبر البحر للاجئين عملية منظمة وتحكمها شبكة معقدة، كما تشارك فيها سفن نقل كبيرة تكون منتظرة في المياه الدولية بعد خروج اللاجئين من المياه المحلية  في قوارب صغيرة.

“هناك تسعيرة معروفة لترتيب هذه الرحلات (٣ آلاف دولار للفرد)، وهناك نقاط خروج معروفة، ولا يتم توقيف منظمي الرحلات حين يتم إلقاء القبض على اللاجئين محاولي الخروج، بل أن الأمر بدا لي وكأن هناك نية مبيتة لتسليم مجموعتنا حين تم إلقاء القبض علينا”، يقول عماد أحد اللاجئين الذي حاول الخروج أكثر من مرة عبر البحر. “حاولت الخروج ثلاثة مرات، كل مرة كنا نذهب لنقطة التجمع فيتم إعلامنا أنه تم إلغاء الرحلة.. في المرة الأخيرة ألقي القبض على المجموعة في البحيرة، بالأحرى تم تسليمنا واختفى منظمو العملية”.

وتعرض أكثر من ١٥٠٠ لاجئًا سوريًّا وفلسطينيًّا للاحتجاز في مصر بين أغسطس ٢٠١٣ ويناير ٢٠١٤، وذلك لمدد تراوحت بين بضعة أيام وأربعة أشهر، طبقا للرقم الذي أحصاه مكتب المبادرة المصرية للحقوق الشخصية بالأسكندرية، والذي تابع قضايا احتجاز اللاجئين عن قرب.

“محاولة الخروج من البلاد عبر منفذ غير شرعي مخالفة وليست تهمة، عقوبتها الغرامة ولا يجوز فيها الحبس، لم يكن ينبغي أن يتم احتجاز اللاجئين، وجميعهم أصدرت النيابة قرارات بإخلاء سبيلهم إلا أن احتجازهم استمر بتعليمات من جهات أمنية” كما تقول هبة الله منصور المتطوعة في “حركة التضامن مع اللاجئين“.

المفارقة تكمن في أن هؤلاء الذين تم احتجازهم بتهمة محاولة الخروج من البلاد بشكل غير شرعي، تعرضوا لضغوط من أجل التعهد بمغادرة البلاد قبل إطلاق سراحهم. “بعضهم خُير بين حجز تذكرة إلى خارج البلاد وبين الترحيل إلى سجن الأجانب المركزي- ما يعني الاحتجاز المفتوح..الفلسطينيون تحديدا يتعرضوا لضغوط أكبر” طبقا لما شهدته منصور.

يبدو السؤال حول طرق الخروج المشروعة منطقي للسائل، ولكنه ليس منطقيا بالنسبة لأصحاب الشأن. “نعرف أن طريق المفوضية مسدود” هكذا يقول عماد الأب لثلاث بنات، والذي سجل أسرته لدى المفوضية. يمنح التسجيل لدى المفوضية للسوريين صفة “لاجىء” تلقائيا، وهو ما يعني حصولهم على الحماية القانونية والحق في التعليم وبعض الخدمات الصحية الأساسية.

إلا أن إعادة التوطين في الدول الغربية قصة أخرى. ففي أكتوبر ٢٠١٣، أعلنت مفوضية الأمم المتحدة لشئون اللاجئين عن خطة لإعادة توطين اللاجئين السوريين خارج دول اللجوء، بمقتضاها سيتم إعادة توطين ٣٠ ألف لاجئ بحلول نهاية ٢٠١٤. وبمقتضى هذه الخطة أعلنت ١٦ دولة غربية عن استعدادها لاستقبال أعداد متفاوتة من اللاجئين الذين ستتم إعادة توطينهم، منها ١٠ حالات تستعد المجر لاستقبالها و٥٠٠٠ تعهدت ألمانيا باستقبالها- وهو أكبر رقم تعهدت باستقباله دولة أوروبية حتى الآن.

ويشير محمد الدايري الممثل الإقليمي للمفوضية السامية لشئون اللاجئين والمتحدث باسم المفوضية في مصر إلى أن “رقم الثلاثين ألف كان رقما معقولا بالنسبة للآمال التي كانت معقودة على مؤتمر جنيف-٢ لتقديم حل سياسي للوضع في سوريا بما ينهي أسباب الأزمة الانسانية. الآن الوضع اختلف.”

ويلفت الدايري إلى أن مفوضية شئون اللاجئين في جنيف قد تعهدت في فبراير الماضي بتطوين مائة ألف لاجىء سوري آخرين خلال عامي ٢٠١٥ و٢٠١٦ لم تتحد بعد كيفية توزيعهم، ما يرفع الرقم إلى ١٣٠ ألف لاجىء. “ربما يتم إعادة النظر مستقبلا في هذا الرقم وزيادته، ولكن رقم المائة ألف هو ما قامت المفوضية سابقا بتقديم إعادة توطين له في حالة اللاجئين العراقيين”.

إلا أن رقم ١٣٠ ألف يعتبر ضئيل جدا إذا ما قورن برقم المليوني ونصف لاجىء الموجودين خارج سوريا في الوقت الحالي.

ولا توجد خطوات يمكن للاجىء اتباعها لطلب إعادة التوطين في دولة ثالثة غير دولة اللجوء- التي هي مصر في هذه الحالة. فما يحدث هو أن مكتب مفوضية اللاجئين يقوم بتقديم ترشيحات من قاعدة بيانات اللاجئين المسجلين لديها لإجراء مقابلات إعادة التوطين، وفي حالة مصر فإن أقصى عدد ممكن أن يحظى بفرص إعادة توطين في دول غربية هو ألفين أو ثلاثة من ١٣٤ ألف لاجىء مسجل لدى المفوضية، من أصل أكثر من مليوني ونصف مليون لاجىء غادورا سوريا بسبب الحرب.

“الأمر مرتبط بالأرقام التي يمكن أن تستقبلها الدول التي تعهدت بإعادة توطين لاجئين سوريين، وهي أرقام متفاوتة، ولا تتجاوز عدة آلاف، والأمر أيضا مرتبط بنسبة اللاجئين الموجودين في مصر لهؤلاء الموجودين في دول مثل لبنان والأردن وتركيا، بالتوزيع بنسب اللاجئين لو تم إعادة توطين ٩ من الموجودين في الأردن، سيتم مقابل ذلك إعادة توطين لاجىء واحد فقط من مصر” كما توضح هبة الله منصور المتطوعة في “حركة التضامن مع اللاجئين”. فبالرغم من الصعوبات التي يواجهها اللاجئون السوريون في مصر، تظل أوضاعهم أفضل إلى حد بعيد من هؤلاء الموجودين في مخيمات الأردن على سبيل المثال.

يتذكر محمد –الشاب السوري العشريني- حكاية سمعها حول خروج الفلسطينيين من وطنهم في ١٩٤٨ “أثناء خروجهم من ديارهم في فلسطين قال الأب لابنه: هات معانا كيلو سكر..فرد الابن: كفاية نص كيلو..سفرنا لن يطول”.

تبدو تلك الحكاية عن النكبة الفلسطينية وكأنها تلخص حال اللاجئين السوريون اليوم، بعد أن أصبحت العودة إلى سوريا غير ممكنة بسبب استطالة الصراع، وتبدل بحث اللاجئين السوريين عن ترتيبات مؤقتة لمعيشتهم خارج سوريا، إلى البحث عن توفيق أوضاع حياة دائمة قائمة على استحالة العودة إلى سوريا.

ومن نكبة إلى نكبة ساء حال لاجئي النكبة الأولى في بلد النكبة الثانية.

كل هذه الأرقام التي تعلنها مفوضية الأمم المتحدة لشئون اللاجئين في مصر لا تشمل اللاجئين الفلسطينيين، هؤلاء الذين نزحوا إلى سوريا منذ النكبة عام ١٩٤٨، ثم أجبرتهم الحرب على الخروج منها في النكبة الجديدة. فقد كان يوجد في سوريا ١٣ مخيمًا للاجئين الفلسطينيين يقطنها أكثر من نصف مليون فلسطيني طالما وفرت لهم سوريا من قبل خدمات ومزايا تكاد تتطابق مع الخدمات التي حظى بها المواطنيين السوريين أنفسهم. فالكثيرون من أبناء اللاجئين الفلسطينيين نشأوا وأتموا تعليمهم في سوريا دون أن تواجههم أدنى صعوبة في الاجراءات أو الاقامة.

ولا يدخل اللاجئين الفلسطينيين النازحين من سوريا في نطاق عمل مفوضية شئون اللاجئين. “الحكومة المصرية موقفها واضح في طلب عدم تعامل المفوضية مع حالات اللاجئين الفلسطينيين، ولكن في تركيا مثلا التي لا تعمل فيها وكالة الأونروا تقوم المفوضية بتسجيل اللاجئين الفلسطينيين” كما تشير مصادر المفوضية. ويقدرعدد اللاجئين الفلسطينيين الذين فروا إلى مصر من سوريا بأكثر من ٦ آلاف شخص طبقًا للأرقام المسجلة في سفارة فلسطين بالقاهرة، لا يحصل أي منهم لا على خدمات المفوضية، ولا على أي من تلك الفرص القليلة لاعادة التوطين في دول ثالثة.

هؤلاء أصحاب النكبة المضاعفة يبدون الأكثر عزما على محاولة الخروج من مصر بأي طريقة.

فؤاد المتزوج بسيدة من فلسطينيي ١٩٤٨ تحيا مع أولاده الأربعة في مدينة نابلس بالضفة الغربية لا هو يستطيع الدخول إليهم حيث أنه لاجىء فلسطيني تبقى عودته مرهونة بالحل النهائي للقضية الفلسطينية، ولا هم قادرين على الحصول على تأشيرة دخول إلى مصر. يؤمن فؤاد بأن لا أمل له سوى الوصول إلى أوروبا عبر البحر وطلب اللجوء. “الحصول على جواز سفر أوروبي هو ما سيكفينا أولًا  شر الإهانة في البلدان العربية الشقيقة، وما سيمكنني من الدخول إلى الأراضي الفلسطينية دون أن يستطيع أحد أن يمنع دخولي”.

على هذا الأمل يعيش فؤاد وآلاف أخرون.

*ينشر هذا التحقيق كجزء من حملة المبادرة المصرية للحقوق الشخصية: “ليسوا أرقاماً..للاجئين السوريين في مصر حكايات”. لزيارة صفحة الحملة اضغط هنا

اعلان
 
 
حنان البدوي