Define your generation here. Generation What
“فتاة المصنع”: انتصار عذب غير مُرضي
 
 

شاهدنا “فتاة المصنع” للمخرج محمد خان، والكاتبة وسام سليمان، بنيّة الكتابة عنه، وهي الطريقة المثلى لتفسد على نفسك متعة مشاهدة أي فيلم. من السهل للغاية أن تفقد مشاعرك الإنسانية وتغرق في إغواء الحكم، والنشوة المريضة في أن يتوقع الآخرون منك أن تعرف أين المشكلة، فتتصيّد حركات الكاميرا الغير مريحة، الماكياچ السئ، أو الإضاءة الشبيهة بإضاءة المسلسلات، لذلك شهوة لا تقاوم خاصة مع مخرج بحجم محمد خان. بالرغم من ذلك كله، عند لحظة ما أصبح مستحيلاً مشاهدة “فتاة المصنع” كفيلم. الشخصيات، حيواتهم ونوع المشاعر التي يمرّون بها سيطرت علي كل شئ.

“فتاة المصنع” ليس فيلماً على حافة الموضة، وليس فيلماً لا يشبه أي شئ شاهدته من قبل. إنّه فيلم عن أقدم قصة في التاريخ. إنها ميلودراما مصرية كلاسيكية عن سندريلا وفتى الأحلام.

البطلة الفقيرة الحسناء، قامت بها باتزان مثالي ياسمين رئيس، تعمل في مصنع ملابس مع مجموعة من زميلاتها، كلهن، مثلها عازبات. يصل صلاح، المشرف الجديد (يلعب دوره المطرب هاني عادل) وهو طويل القامة، أكبر سناً، وأقل فقراً. سرعان مايكتشفن أن يده تخلو من خاتم خطبة أو زواج فيقعن في غرامه بالطبع، ويجتحنه بطوفان جماعي من المداعبات والغزل، فيجردنه من الفوقية التي له أن يتمتع بها كرجل. ولكن لدى هيام بالذات مشاعر خاصة تجاهه.

ينظم المصنع رحلة للعين السخنة في أتوبيس مدرسة أصفر. هنالك مشهد هيستيري يتجرد فيه صلاح من ملابسه على الشاطئ لينزل البحر برداء السباحة بينما تشاهده الفتيات، مصفقات ومهللات قبل أن يهجمن عليه. عاكساً الصورة الذهنية المعتادة في مخيلتنا، يبلبط صلاح في الماء عارياً بينما تتقافز حوله البنات في ملابس زاهية كاملة، يصفقن له ويتغنين بفتنته. يبدي صلاح اهتماماً بهيام، فتبادر بالسعي لكسبه. يشدّنا الفيلم إلى كل هذا قبل أن يربكنا، مثل هيام، المسار الذي تأخذه الأحداث. تنفلت إشاعة ما عن السيطرة، ويتصرف الجميع دون تفكير، وينهال الهجوم على هيام من الجميع.

تعيش هيام في منزل كله نساء والفيلم به بالكاد أي رجل. زوج أمّها صغير السن نراه بالكاد، وعشيق خالتها هو أحمق لزج. طاقم الممثلات الفتيات يظهرن في معظم مشاهد الفيلم إمّا يعملن في المصنع، يأكلن وجباتهن البائسة سريعاً، أو ينحشرن في المواصلات العامة أو طوابير الخبز. بينما الرجال يتشاجرون، يتحرشون، يرقدون كالذكائب أو يشكون من منسوب السكر في شايهم. بينما النساء تقريباً لا يتحدثن إلا عن الرجال، عندما يتحدثن عن مستقبلهن يتحدثن عن الرجال، عندما يتحدّثن عن ماضيهن يتحدثن عن الرجال، وعندما يتحدثن عن حاضرهن الكئيب يتحدثن أيضاً عن الرجال. فهن يعشن حياة الرجال فيها هم الوسيلة الوحيدة للنجاة، وفي نفس الوقت مصدراً دائماً للتهديد والمضايقة.

تراقبهم الكاميرا من أعلى معظم الوقت بينما يقرصن بعضهم بعضاً ويسخرن من بعضهن البعض في قاع عالمهن، مانعات بعضهن بعضاً من النظر لأعلى.

بالرغم من أن معظم مشاهد الفيلم مصوّرة في أحياء القاهرة الفقيرة، إلّا أن الفيلم لا يبدو مشدوهاً بها ولا ينظر لها بعين سياحية ساذجة. لم يبذل الفيلم مجهوداً لجعل الأشياء تبدو أكثر سحرًا أو أكثر واقعية مما هي عليه في الطبيعة. كما وكأن الفيلم قد تنحى جانباً وترك الأشياء تعبر عن نفسها، كما تريد.

مثل  أفلام أخري لمحمد خان مثل “أحلام هند وكاميليا” (١٩٨٨) و”مشوار عمر” (١٩٨٦)، يتناول “فتاة المصنع” النظام الطبقي القاسي. أول فيلم لخان بعد الثورة يسأل أسئلة عن واقع مصر مابعد الثورة، بشكل جزئي هنالك ثمة دور أعطاه خان ووسام سليمان للراحلة سعاد حسني يبدو وكأنّه يناقش ذلك.

يبدأ الفيلم بإهداء لسعاد حسني. ويتضمن مقاطع من أغنيات لها، ويشاهد الأبطال أجزاء من أفلامها، كما أن مشهد الرقصة العاطفي الأخير، الذي يبدو كمحاولة للمضي قدماً بوجه شجاع بالرغم من كل شئ أكثر منه احتفالاً بانتصار حقيقي من جانب هيام، هو إيماءة واضحة لسعاد. يبدو “فتاة المصنع” محملاً بحنين ونقد لأفلام قد خلت، أفلام بدت وقتئذ متحررة ومحركة لتساؤلات حول أدوار الرجال والنساء وأزمات الجندرية. أفلام خلت بالفعل من تلك الآمال الإيجابية، وفشلت في إنقاذ سعاد نفسها من براثن مجتمعها الذكوري الفاسد نفسه. عاشت سعاد تراچيديا شخصية رسمها ظلم رجال قساة، وقصتها مع رموز نظام مبارك ومن قبله من نظم تشهد بذلك.

كما يبدو من مقال شارد على موقع Variety، الفيلم ليس موجهاً لجمهورٍ أجنبي. أُسئ تفسير الإشارة لسعاد حسني وأم كلثوم على أنه نوستالجيا مجرّدة، كما ود المقال لو وجّه الفيلم مشاهديه بوضوح نحو التفكير القويم، ود المقال لو انتقد الفيلم بوضوح المفهوم الذي يعلي من شأن البكارة في المجتمع المصري، وأن يعرض الفيلم نماذج لنساء مصريات ينهضن من أجل حقوقهن بوضوح.

علي النقيض، الفيلم لديه إستراتيجية مختلفة وأكثر فاعلية: يترك الفيلم المشاهدين يراقبون الواقع ويقررون بأنفسهم ماذا يرون فيه. من خلال سرد الأحداث كما تحدث وليس كما يريد لها الفيلم أن تحدث في عالم مثالي، يريك الفيلم العالم بكل مافيه من قرف. في الفيلم، مثلما هو الحال في الواقع، النساء هن أول من يهاجمن ويتهمن بعضهن بعضاً. اللهم عندما، قرب النهاية، يقف النساء بجوار بعضهن بعضاً – فتحمي الأم ابنتها بسكّين، ثم ترمي بحنو شعرها المقصوص في النيل داعية أن ينبت من جديد. بينما هيام تواجه صلاح في جروبي في مشهد عاصف تمر في الخلفية مظاهرة نسوية تردد هتافات مناصرة للمرأة. وجود المظاهرة في الفيلم ذو أهمّية إلّا أن الفيلم يتعامل معها دون رومانسية أو مبالغة.

كل هذا الإدراك لواقع مصر الزاعق هو مايجعل مشهد النهاية قوياً للغاية، سواء ذكّرك بسعاد حسني أم لا. حتى لحظة النصر تلك غير مرضية بشكل مؤلم، عبر تظاهرها (هيام) والفيلم بأنّها ستخرج منتصرة سعيدة إلّا أنّنا نعلم جميعاً أن هذا ليس بالضرورة حقيقياً.

موّل خان فيلمه من خلال مصادر متنوعة، متعاوناً مع المنتج صغير السن محمد سمير، (يقول خان أن السينما المصرية كانت دوماً أفضل عندما كان بها منتجين أصغر لا يهتمون فقط بالربح).

بتمويل من وزارة الثقافة المصرية، منح من دبي، أبو ظبي، الولايات المتحدة وألمانيا كلها ساعدت الفيلم أن يري النور.

بهذا الفيلم مازال خان يشق طرقاً جديدة لرؤية الأفلام، ويقترب من شخوصه ومشاهديه من زوايا جديدة. وينجح في إبهارنا مجدداً في زمنٍ خدرت فيه المشاعر.


سيعرض “فتاة المصنع” في السينمات في الـ ١٩ من مارس.

اعلان