Define your generation here. Generation What
المواقع المستقلة: الحرية البديلة
 
 

مع استمرار التضييق الذي يواجهه الصحفيون في شبكات التلفزيون والصحافة المطبوعة، يفر الصحفيون المستقلون في مصر إلى شبكة الإنترنت بحثاً عن هامش أكبر من الحرية من خلال المدونات الشخصية أو وسائل الإعلام الأخرى ذات الصبغة المؤسسية.

ومع استمرار وسائل الإعلام الرئيسية -الحكومية منها والمستقلة- في استخدام نفس القوالب الخبرية، فقد اتجه القراء أيضاً إلى الإنترنت بحثاً عن التنوع.

خرجت إلى النور في الشهور الأخيرة العديد من وسائل الإعلام الجديدة مثل قل، ونون بوست وبوابة يناير وغيرها، رداً على ازدياد انصياع وسائل الإعلام الرئيسية إلى السلطات والذي جعل استقلال الصحافة يدفع فاتورة هذا الانصياع.

“قل” هي منصة على شبكة الإنترنت لنشر مقالات الرأي التي تكون في أغلب الأحوال لشباب الكتّاب. وتحاول تلك المنصة أن تخلق مساحة للأراء التحليلية الصاعدة التي تفتقر إلى وجود نافذة مفتوحة على وسائل الإعلام الرئيسية المحجوزة في العموم لآراء من هم أكبر سناً.

يقول محمد ندا مؤسس قل “بنظرة سريعة، اكتشفنا أن صفحات الرأي مخصصة لكتاب بعينهم يكتبون في الصباح للقراء وفي نفس الوقت يغزو هؤلاء الكتاب أوقات البث بشاشات التلفزيون في المساء.”

وأضاف ندا أن فكرة موقع قل تعتمد بالأساس على خلق حالة من التنوع والنقاش العميق، والتي من الممكن أن تحول حالة الاستقطاب والصراخ السائدة إلى نقاشات مثمرة.

وبالمثل، فإن نون بوست تعتبر منصة تحليلية تسلط الضوء على مصر والمنطقة، فيقول القائمون على الموقع في وصف الغرض من إنشائه أن نون بوست “تعمل على أن تكون قريبة من جمهورها وذلك من خلال موقعها الإلكتروني الذي سيكون منصة لخدماتها، وكذلك الانتشار من خلال مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة”.

ويوضح محمد بشير مؤسس نون بوست قائلاً “فكرة نون بوست نشأت بعد متابعة دقيقة للمحتوى الإخباري العربي تحديداً على شبكة الإنترنت، وخصوصاً مع انتشار المعلومات والأخبار السريعة في شبكات التواصل الاجتماعي مثل تويتر وفيسبوك. يحاول الموقع أن يدمج بين الصحافة وما يسمى وسائل الإعلام الجديد، ونحاول أن نتابع الأخبار التي تنتشر على الشبكات الاجتماعية، وتغطيتها بعمق أكثر لإضافة قيمة لها”.

إلا أن هذه المنصات الإعلامية تواجه العديد من التحديات في المناخ السياسي الحالي بمصر. فقد أعرب المدافعون عن حرية التعبير عن أسفهم من تزايد القيود المفروضة على الخطاب الحر منذ خلع الرئيس محمد مرسي وتنصيب الحكومة المؤقتة المدعومة من الجيش.

ويحاول الكثير من هذه المواقع أن يتحدى تلك القيود بما في ذلك الممارسات السائدة للرقابة الذاتية.

يوضح ندا أن موقع قل لم يسبق له أن رفض مقالة بسبب محتواها، وواقع الأمر أن فريق العمل صمم نظاماً تحريرياً كاملاً للحماية من الرقابة الذاتية.

ويقول “ليس لدينا رئيس تحرير بل مجلس تحريري مكون من ستة محررين، وحينما نختلف حول نشر مقال ما فإننا نصوت بالموافقة على نشره أم لا.”

ويضيف ندا “ليس لدينا مقرات حتى الآن، فنحن لدينا  أجهزة اللابتوب الخاصة بنا ونبقى في أي مكان يمكننا من خلاله الدخول إلى الإنترنت. لكننا نعمل على تقنين وضعنا الآن. وأعلم أننا وقتما نصبح مسجلين لدى السلطات ستتم مراقبتنا ونحن نعد أنفسنا لهذا الأمر.”

بوابة يناير هي الأخرى تخوض المغامرة في نوع مختلف من الصحافة على الرغم من المناخ المليء بالقيود، فالبوابة الرقمية تغذي محتواها من خلال مشاركات العديد من النشطاء المعروفين على شبكة الإنترنت بالإضافة إلى نشر بعض التغطيات الصحفية. وقد ركزت البوابة مؤخراً على الانتهاكات والتعذيب الذي تمارسه الشرطة ضد المعتقلين السياسيين، وهو موضوع نادراً ما وجد طريقه من خلال القنوات الإعلامية التقليدية بعد عزل مرسي.

وبعيداً عن القيود السياسية، فهناك العديد من التحديات الاقتصادية لهذه المشروعات. فبعضها تصرّف من خلال تجنب جميع نماذج الأعمال التقليدية.

يوضح ندا “أنشأنا الموقع من نفقاتنا، وجميع من يبعثون بمشاركاتهم لا يحصلون على أجر في المقابل بل يقومون بتلك المشاركات بصورة تطوعية.”

وهناك أخرون يبدأون تلك المبادرات بوثبة إيمانية وتمويل بسيط ومحدود للغاية، دون أدنى معرفة لما قد يجلبه المستقبل.

يقول بشير “نون بوست ليس له تمويل ضخم، استطعنا أن نقنع بعض الأصدقاء بتمويل أجور التشغيل للموقع فقط، ولدينا ميزانية لمدة سنة، نطمح مستقبلاً أن نحقق استقلالاً في التمويل، عن طريق تقديم بعض الخدمات، وكذلك من الإعلانات”.

وحتى تلك المشروعات المدعومة بخطة عمل تواجه صعوبة في إيجاد مستثمرين مهتمين بمشروعات الصحافة المستقلة. والبعض منهم بدأ في السعي للحصول على تمويل من المؤسسات المانحة والتي تركز على ممارسات الصحافة، لكن البعض الأخر ينتابه القلق من أن يسلك ذلك المسلك.

ويقول ندا بدون ذكر معلومات بعينها “نحن لسنا على استعداد أن يتهمنا أحد بتلقينا تمويلات أجنبية خلال في هذه المرحلة، فنحن نفكر لإيجاد أساليب أكثر إبداعاً من أجل إدرار المال، إلا أن هذا الأمر لا يزال يمثل تحدياً كبيراً.”

وبالنسبة للصحفيين الذين يعلمون أن التوعية من خلال الوسائل الرقمية محدودة مقارنة بالتلفزيون، فإن الدخول لشبكة الإنترنت يعتبر الخيار الوحيد الممكن تطبيقه في السياق السياسي الذي تتعامل فيه الدولة مع ترددات بث القنوات على أنها مسألة أمن قومي.

في ٢٠١١  فكر السيناريست والكاتب بلال فضل  مع مجموعة من الإعلاميين والشخصيات العامة لإطلاق قناة تلفزيونية مستقلة من خلال الاكتتاب العام لكي يبقيها خارج سيطرة الشركات وكذلك تحكم الدولة، لكن فضل، وفقا لتعبيره، وجد نفسه فجأة في مواجهة “الدولة العميقة” الحقيقية في مصر.

ويؤكد فضل لمدى مصر”إن هيئة السوق المالية المصرية أصدرت بياناً تحذر فيه المواطنين من أي محاولة لجمع أموال من خلال الاكتتاب العام لأن هذا الأمر ينظمه القانون المصري. ومن هنا اكتشفنا أن الدولة المصرية احتفظت لنفسها بدور الإشراف على الإعلام، فأي شيء يمكن أن يخصخص إلا الرقابة على الإعلام، فلا ينبغي لأي شخص أن يؤسس قناة تلفزيونية دون موافقة المخابرات.”

ويمنح القانون الحالي السلطة العليا والحصرية لاتحاد الإذاعة والتلفزيون المملوك للدولة لإصدار التصريحات اللازمة لإنشاء القنوات التلفزيونية الأرضية.

وفي نفس السياق بالنسبة للصحافة المطبوعة فإن الدولة تتحكم بمعظم المطابع وشبكات التوزيع الرئيسية، وهو في النهاية ما يجعل جميع وسائل الإعلام المطبوعة تابعة للحكومة بشكل مباشر في بعض الأحيان وشكل غير مباشر في أحيان أخرى.

إلا أنه على الرغم من تزايد الحرية الإبداعية على شبكة الإنترنت، فلا تكاد الشبكة تمثل ملاذاً آمناً في ظل ازدياد اهتمام الدولة باختراق الحسابات الشخصية على شبكة الإنترنت حيث وصل إلى ٣٩ بالمائة في عام ٢٠١٣ في مصر، وكذلك انتشار استخدام المساحات الرقمية في الحشد السياسي.

وقد نص الدستور الجديد على أن عملية إطلاق مواقع إلكترونية أو قنوات تلفزيونية هو أمر ينظمه القانون، على الرغم من أن الفجوة القانونية التي وجدت سابقاً سمحت لوسائل الإنترنت أن تبدأ في أعمالها خارج نطاق رقابة الدولة.

وتنص المادة ٣١ من الدستور على التالي “أمن الفضاء المعلوماتي جزء أساسي من منظومة الاقتصاد والأمن القومي، وتلتزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ عليه، على النحو الذي ينظمه القانون.”

وحذر أحمد خير مدير مركز دعم تكنولوجيا المعلومات في تصريح سابق لمدى مصر من أن هذه المادة تهدد الحرية الرقمية وتسمح للدولة بمراقبة المحتوى الرقمي باستخدام مزاعم الأمن القومي مبرراً لذلك.

إلا أن بشير وندا لا يكترثون كثيراً للأمر، ويراهنون أن معركة الإنترنت لا يمكن أن تحسمها الدولة لصالحها.

ويؤكد ندا بكل ثقة “جمهور الإنترنت سيفوز في النهاية. بالتأكيد لا يزال الإنترنت بعيداً عن الشرائح الرئيسية من المجتمع، إلا أن عدد مستخدمي الإنترنت يزداد بصورة كبيرة وأكثرهم من الشباب، وهذا بعينه هو الجمهور الذي نستهدفه.”

اعلان
 
 
مي شمس الدين