فيوتشر شورتس تعود بقوة إلى القاهرة
 
 

عانت منطقة وسط البلد يوم الأحد الماضي من انقطاع الكهرباء لمدة ساعة، إلا أن هذا الأمر لم يمنع احتفالية فيوتشر شورتس– الموسم الشتوي في فينت كايرو من أن تكون أمتع الاحتفاليات لهذا العام حتى الآن. وقد تمكنت سلمى الشافعي، طالبة الفنون بالسنة النهائية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة من أن تقدم الاحتفالية العالمية للأفلام القصيرة وتخصص لها دوراً بالجدول الاعتيادي للمكان الذي يحتضن الاحتفاليات والمعارض والأفلام المعروضة.

وقد امتلاً فينت كايرو، وهو ملتقى ثقافي في صورة حانة يقع بشارع جانبي مطل على ميدان التحرير، بهواة مشاهدة الأفلام والفنانين يوم الأحد الماضي، فقد قضى معظم الحضور وقتهم خلال انقطاع الكهرباء الذي استمر طويلاً في الثرثرة مع بعضهم البعض، كما حملت مجموعة أخرى على عاتقها تسلية الجميع وبدأوا في غناء بعض كلاسيكيات الثمانينات وسط همهمات الباقين، ليبدو الجو احتفالياً ويتحول وقت الانتظار إلى شيء ذي قيمة. كما اتسمت مجموعة الأفلام المختارة لهذا الموسم والتي تكونت من ستة أفلام من فرنسا وبولندا وصربيا وفنلندا وأفغانستان بالتنوع والإثارة.

وكانت سلمى الشافعي منبهرة ببرامج كبرى الشبكات العالمية المتخصصة في الأفلام القصيرة، ما حدا بها في بداية الأمر أن تسعى للحصول على منحة تدريبية مع عارضي وموزعي ومنظمي الأفلام الذين يتخذون لندن مقراً لنشاطهم. ومع عدم وجود منح تدريبية فقد اتخذت سلمى مساراً مختلفاً من خلال التقدم للحصول على ترخيص لإقامة عروض أفلام بالقاهرة لتتمكن بعد ذلك من إقامة أول احتفالية أفلام فيوتشر شورتس في مصر في الأول من يناير ٢٠١٢. وقد تقدمت سلمى للبرنامج الرسمي خلال هذه الاحتفالية التي تعتبر خامس احتفالية لفيوتشر شورتس بالقاهرة بعملين وذلك بغرض “عرض المواهب المحلية” وهما: “إيشارب”(Scarf)  وهو فيلم درامي أنتج في ٢٠١٣ للمخرج أحمد عماد، بالإضافة إلى فيلم وثائقي قصير عن سمات الأرز التي تزرع في الواحات المصرية. الفيلم الأخير  أنتجته في أول الأمر شركة “محصول للإنتاج” وهي شركة مستقلة تعمل على توثيق التقاليد الغذائية المتنوعة بالمطبخ المصري.

وقد كانت المجموعة الرسمية المختارة لفيوتشر شورتس أكثر تفصيلاً من العروض المصرية، فمثلاً يسافر فيلم “أرض الأرانب” (Rabbaitland, 2012) بالمشاهدين إلى بلدة لا يسكنها سوى مجموعة من الأرانب قرنفلية اللون، وتشبه تضاريس البلدة مناطق الحروب ومع هذا فإن كلمة “مبتهج” منتشرة وملصقة في كل زوايا وأركان البلدة. وفي كل صباح يذهب الأرانب، التي تحتوي رؤوس كل منها على حفرة حيث من المفترض أن تكن عقولها، في قطعان إلى آخر البلدة للإدلاء بأصواتهم. ويصف مخرجا الفيلم الصربيان آنا نيديلكوفيتش ونيكولا ماجداك الفكرة بإيجاز أنها “الديمقراطية الكاملة”. إلا أن الفكاهة القاتمة والظروف التي يدور فيها فيلم الستوب موشن بدقائقه السبعة، وليس فقط الرسالة السياسية المؤثرة، هو ما يجعل المشاهدون يشعرون بالتسلية وعدم الارتياح في آن واحد. وأفلام الستوب موشن هي عبارة عن تحضير شخصيات ذات أجزاء متحركة من الطين وغيره ومن ثم يقوم المصور بالتقاط صور ثابتة للشخصية تتناسب مع المشهد، ويقوم بعد ذلك أحدهم بتحريكها أو تحريك جزء منها.

ورغم أن مسار القصة في الفيلم الفنلندي “الموعد”(The Date, 2012)  يختلف تماماً، فإن الفكاهة تبدو إلى حد ما غير مريحة أيضاً. وفي الفيلم يبرز المخرج والمنتج جيني تويفونيمي موضوع موعد تزاوج القطط. ويدور الفيلم حول أن بطل الرواية المراهق “تينو” يُجبر على استضافة موعد “ديابلو” القط الذي تملكه العائلة حتى تنتهى أمه من أداء بعض الأمور، ومع وصول “ميكا” صاحبة القطة “نيفرتيتي” (التي سيواعدها ديابلو) مع أمها ستبدأ الأحداث في أخذ منحنى مثير. وتعتبر كوميديا الفيلم من نوع الكوميديا جامدة الوجه التي توضح التناقض بين الحياة الرومانسية التي يعيشها المراهق الذي يبلغ من العمر 16 عاماً وتلك التي يعيشها القط العشيق.

فيلم آخر تعالت معه قهقهات الحضور في فينت كايرو بعنوان “البقعة العمياء” (Blind Spot) الذي أنتجه في ٢٠٠٧ طلاب جوبلان جوهانا بيسغي، ونيكولاس شوفيلوت، وأوليفيغ كليغت، وسيسيلي ديبوس هيغي، ويفوت جاغديل، وأخيراً وليس أخراً سيمون غوبي لازاغيسكو. وتدور الثلاثة دقائق التي يتكون منها فيلم الرسوم المتحركة حول البقعة العمياء التي لا تستطيع كاميرا المراقبة بأحد محال البقالة أن تصل إليها خلال عملية سرقة. فالرسوم المتحركة والقصة يثيران الفضول كما أن النهاية تعطي المشاهدين بعضاً من الدهشة.

وكانت الأفلام الأخرى بعيدة عن الكوميديا، ومثال على ذلك فيلم الدراما الفرنسي “أنني أنهار”That I’m Falling, 2013) ) والفيلم البولندي “خارج النطاق” (Out of Reach, 2011) الذين أثارا الفضول إلى حد كبير. والفيلم الثاني هو فيلم وثائقي لجاكوب ستوزيك ويدور أحداثه حول أختين مراهقتين وهما كارولينا وناتاليا اللتين تحاولان الوصول إلى أمهما بعد أن دخلت السجن أثناء طفولتهما واختفت بعد ذلك. انسيابية الأحداث والنهاية المفتوحة هي مصدر إثارة الفيلم، فرغم أن الأحداث درامية وحزينة إلى حد ما، فالمشاهدين يستمرون في متابعة الفيلم على مدار الثلاثين دقيقة، كما أن الفيلم يفتح الأبواب أمام تساؤلات المشاهدين أكثر من أن يوفر لهم الإجابات.

ويعتبر الفيلم الأفغاني “أولاد بوزكاشي” أو (Buzkashi Boys, 2011) أفضل الأفلام المعروضة على الإطلاق من حيث جودة الصور والمقدمة المثيرة، خاصة للمشاهدين الذين لا يعرفون الكثير عن الثقافة الأفغانية. وتدور أحداث الفيلم حول الضائقة التي يعيشها أحمد ورافعي بطلا الفيلم المراهقان والذان يحاولان السعي من أجل تحقيق حلمهما ليصبحا لاعبي بوزكاشي— ويشارك في هذه اللعبة، التي تعود إلى قرون خلت، فريقان متنافسان يضم كل منهما ١٠ رجال يمتطون ظهور الخيل ويتبارون في ما بينهم من أجل الاستحواذ على جثة عجل صغير بدون رأس، أو ماعز (بما لا يزيد على ٣٠ كيلوغراماً) وحملها الي دائرة محددة في طرف الميدان، وفقط اللاعب الأفضل، أي «الشابانداز»، هو الذي يفوز بالجائزة المادية أو ما يعادلها والتي يقدمها أحد الأعيان من علية القوم— ومع هذا فإن الفيلم فقد الكثير بسبب الموسيقى التصويرية الميلودرامية التي تدور في الخلفية وكذلك المبالغة في توظيف تمثيل الشباب لأحلامهم.

ويبدو أن الشيء الأكثر إحباطاً في الليلة هو الفيلم المصري “إيشارب”، فقد أخرج أحمد عماد أجزاءً من الفيلم في صورة رسوم متحركة بينما أخرج باقي الفيلم مستخدماً ممثلين حقيقين. ولا تشوب الأجزاء التي استخدم فيها الرسوم المتحركة أي شائبة واختياره للربط بين التقنيتين معاً كان موفقاً وذلك من خلال انسياب الإيشارب- عنوان الفيلم- للفصل بين نوعي المشاهد. إلا أن ما أثر سلباً على الفيلم هو انسحاب قصة الفيلم إلى التشبيهات المبتذلة التي تعكس الصعوبات والأوهام التي تعيشها إمرأة صغيرة مضطربة نفسياً— فهي للأسف تذكرنا بالأفلام الرومانسية التي سادت بدور العرض الرئيسية المحلية في بدايات الألفينيات.

لكن المجمل أن الليلة قد نجحت بكل المقاييس، ومع الخطط المثيرة التي لدى سلمى الشافعي ، مثل احتمالية خوضها لمغامرة مبادرة السينما السرية لفيوتشر شورتس— حيث يتم اختيار أحد الأفلام وضبطها لكي تلائم عرضها من خلال أداء حي— فيبدو أن الكثير من الأشياء المثيرة ستأتي قريباً.

تم عرض مجموعة فيوتشر شورتس- الموسم الشتوي في فينت كايرو بوسط القاهرة في ٢٣ و٢٤ فبراير.

اعلان
 
 
مي الوكيل 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن