Define your generation here. Generation What
مطرودون بلا مأوى
 
 

انهمرت دموع نادية عبد القادر حين رأت النصف الظاهر من معلقة كانت تمتلكها وهي مدفونة في الركام الذي تبقي من المنزل الذي قضت فيه ٢٥ عاماً من عمرها.

أربعة أيام قبل ذلك، جاءت قوات الأمن بالجرافات وهدمت منزل نادية عبد القادر والكشك الصغير التي كانت تبيع فيه بعض السلع من أجل توفير لقمة العيش.

نادية هي أم لأربعة أبناء، قالت بينما تشير إلى الآثاث والأحذية والملابس التي تتوسط بقايا المنزل “جاءوا بالجرافات بدون تحذير، لم يمهلونا حتى وقتاً لكي نجمع أغرضنا.”

منذ ما يقرب من أسبوعين، قامت قوات الأمن بتنفيذ عملية إخلاء قسري وإزالة لخيام الإيواء المعروفة بـ”عشش عثمان” في منطقة عزبة النخل، ولم تمهل القوات الأهالي أكثر من دقائق ليجمعوا أغراضهم. هدمت الجرافات  المنازل التي كانت تأوي الكثير من العائلات التي قدرت عددها مجموعات حقوقية بـ ١٠٠٠ عائلة، بينما تقول الحكومة إنهم ٤٠٠ عائلة فقط.

وبعد مرور قرب أسبوعين، ظلت مئات العائلات بلا مأوى لأن الحكومة لا تعترف بأحقية جميع العائلات التي تم طردها، بل بأقل من نصف عدد تلك العائلات في الحصول على مأوى بديل.

يقول المحامي محمد عبد العظيم الذي يمثل تلك العائلات إن سياسات الإسكان الفاسدة وإجراءات الإخلاء الخاطئة كثيراً ما تسبب مثل تلك المآسي.

فقد أورد تقرير أصدرته منظمة العفو الدولية في ٢٠١١ بعنوان “نحن لسنا مهملات: عمليات الإخلاء القسري في المناطق العشوائية” أن ١٢ مليون مصري يعيشون في العشوائيات، ويوثق هذا التقرير العمليات المتكررة للإخلاء القسري من المناطق غير الآمنة في مصر والتي تقوم بها السلطات المصرية بلا سابق إنذار لهؤلاء السكان أو حتى توفير منازل بديلة لهم.

ويتتبع يحيى شوكت، المتخصص في دراسات الأرض والإسكان والباحث في منظمة المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، عمليات الإخلاء المنتظمة بدءاً من برنامج تطوير المناطق العشوائية الذي ابتكرته الحكومة في عام ١٩٩٣، وقد استبدلت تحت مظلة هذا البرنامج تلك المنازل التي هدمت خلال عمليات الإخلاء القسري بمشاريع شيدتها الحكومة مثل الحدائق أو المرائب أو المباني الحكومية.

ويقول شوكت إن البيانات المتاحة توضح أن ١٥٠٠٠ عائلة تم طردهم وإعادة تسكينهم خارج القاهرة منذ عام ١٩٩٣.

بعد أن أسفرت حادثة الانهيار الصخري التي وقعت في منطقة “منشأة ناصر” بالقاهرة في عام ٢٠٠٨ عن مقتل ما لا يقل عن ١١٩ شخصاً،  صنفت الحكومة ٤٠٤ منطقة على أنها “غير آمنة” في القاهرة الكبرى، وقد حدث العديد من عمليات الإخلاء القسري بتلك المناطق منذ ذلك الحين.

ويختتم تقرير منظمة العفو الدولية أن في بعض الحالات تجبر السلطات السكان على إخلاء المناطق بزعم  وجود مخاطر تهدد سلامتهم، إلا أن الحقيقة غير ذلك وهي أن الحكومة تهدف إلى تطوير تلك المناطق من أجل تحقيق أرباح تجارية.

يقول شوكت “الدولة تقول إن عمليات الإخلاء تتم لدواعي أمنية وهذا الأمر ليس زائف كليةً، إلا أنه هناك مناطق أخرى بنفس الظروف لكن الحكومة تتركها لحالها”.

ويضيف شوكت “ربما يعيش هؤلاء في ظروف غير مناسبة لكن طردهم يجعل ظروفهم أقل مما كانت عليه، فالسكنى في منازل عشوائية أفضل من السكنى في الشارع”.

وأوضح شوكت أن كل عمليات الإخلاء تبعتها مشاريع استفادت منها الدولة.

يعتقد بعض المحامين والنشطاء والسكان أن السبب وراء عمليات الإخلاء القسري من عشش عثمان هو مشروع لبناء كبري  يمر بالمنطقة.

وقد انهار جزء من كبري الشيخ منصور بعزبة النخل قبل عملية الإخلاء بأسبوع، وتم إخلاء الإحدى عشرة عائلة التي وجدت بالمكان المنهار، كما حصلت تلك العائلات على سكن مؤقت لكنهم وقعوا على عقود لمغادرة ذلك السكن المؤقت بعد ١٥ يوماً. ويقول عبد العظيم إن العقود امتدت لـ ١٥ يوماً أخرى، ولكن بعد هذه الفترة ستصبح العائلات بلا مأوي.

بعد أن شاهد سكان عشش عثمان المعاملة التي لاقاها جيرانهم، فقد تشككوا عندما أمرتهم قوات الشرطة بمغادرة منازلهم والذهاب إلى منطقة المرج حيث سيتم توفير منازل بديلة لهم هناك.

ويروي السكان أنهم لم يحظوا بالوقت ليعترضوا أو حتى ليجمعوا حاجياتهم من المنازل التي قضى معظمهم فيها عقوداً من الزمن، قبل أن تأتي الجرافات وتهدم المنطقة بأكملها. حتى هؤلاء الذين احتجوا تعرضوا للضرب والاعتقال في نهاية الأمر.

قال الدكتور جلال السعيد محافظ القاهرة إن الحكومة ستعقب عمليات الإخلاء بتوفير منازل بديلة للـ ٤٠٠ عائلة الذين كانوا يعيشون بالمنطقة، إلا أن السكان والمنظمات الحقوقية يؤكدون أن عدد العائلات التي تهدمت مساكنهم يتجاوز الـ ١٠٠٠ عائلة.

وعلى الرغم من أن الحكومة تعترف بحق ٤٠٠ عائلة في توفير السكن، فأقل من ١٠٠ عائلة فقط حصلوا على تلك المنازل، يقول عبد العظيم إن ٣٠ عائلة من هذه العائلات لم يحصلوا على منازلهم الا بعد مرور أسبوع من عملية الإخلاء.

في عام ٢٠١٢، أجرت المحافظة إحصاءً لسكان المنطقة في ميعاد غير معلن، معلنين أنه سيتم إخلاء المنطقة منهم في المستقبل وأن السكان الذين شملهم الإحصاء سيحصلون على منازل بديلة تصلح للمعيشة.

ويقول عبد العظيم إن توزيع المنازل اعتمد على هذا الإحصاء الذي تم منذ عامين والذي يعتبر غير شامل و غير محدث، كما أوضح أن العائلات الممتدة كانت تحصل على منزل واحد فقط.

ويقول سيد علي البالغ من العمر ٢٧ عاماً، وهو أحد أبناء العائلات التي شملها الإحصاء، إن المسئولين أخبروه أنه غير مدرج ضمن مستحقي المنازل لأن أبويه، الذين كانوا مشمولين في الحصر، قد توفيا.

وقد أصبحت عشش عثمان مجرد أرض فضاء تخلو سوى من أكوام الركام التي خلفها هدم تلك المنازل. كما امتلأت الأرض ببرك من مياه الصرف بعد هدم البئر الذي اعتاد سكان العشش استخدامه للتخلص من نفاياتهم لنقص البنى التحتية بالمنطقة.

يصطف السكان بصور من بطاقاتهم الشخصية وبيان موقع يثبت أنهم لا يملكون منازلاً، ليسلموا تلك المستندات إلى ممثل مؤسسة نبض الوطن الحقوقية، والتي تحصي عدد العائلات بالمنطقة من أجل مواجهة مزاعم الحكومة.

ويوضح عبد العظيم أن الدعوى القضائية هي دعوى مجمعة من سكان كل من عزبة النخل والدويقة والنهضة ضد كل من محافظ القاهرة ووزير الإسكان ورئيس الوزراء، وذلك بسبب سياسات الإسكان الفاسدة التي نتجت عن المزيد من عمليات الإخلاء غير القانونية تلك. وكان إبراهيم محلب يشغل منصب وزير الإسكان في الوقت الذي تمت فيه عملية الإخلاء، قبل أن يصبح رئيس الوزراء الجديد بعد استقالة حكومة الببلاوي الأسبوع الماضي.

وتواجه عائلات منطقة الدويقة التي تم نقلها إلى منازل جديدة بعد حادث الانهيار الصخري بمنطقة منشأة ناصر في عام ٢٠٠٨ مشكلة الطرد من تلك المنازل لأنهم لا يملكون حججاً قانونية تثبت ملكيتهم لها، بينما تواجه عائلات منطقة النهضة عملية وشيكة من الإخلاء القسري.

ولا يعني الحصول على مساكن بديلة نهاية المشاكل بالنسبة لهؤلاء الذين يخضعون لعمليات الإخلاء القسري.

يقول شوكت إن بعض هؤلاء حصل على منازل بالإيجار وتم طردهم فيما بعد لعدم مقدرتهم على سداد الإيجارات الباهظة، بينما حصل آخرون على ملكية تلك المنازل الجديدة.

ويضيف أن السكان الذين تم إخلائهم من عشش عزبة النخل وحصلوا على منازل جديدة لم يحصلوا بعد على عقود أو إخطار عما إذا كانت تلك المنازل تمليكاً أم إيجاراً.

ويوضح أن استبدال المساكن العشوائية بمساكن تمليك يفتح الطريق أمام الفساد.

يقول شوكت “النظام يشوبه دائرة فاسدة من المصالح في الوقت الحالي، ولهذا لا يتغير الوضع،” مقترحاً أنه بدلاً من التمليك يتم تأجير تلك المنازل ويتبع ذلك زيارات من الحكومة لتلك المنازل لتجنب عمليات الإيجار بالباطن أو أي أفعال غير قانونية.

وقد اندلعت العديد من المشاجرات بين عائلات تتهم عائلات أخرى بأنهم دخلاء يحاولون أن يحصلوا على المنازل التي خصصت للسكان المطرودين.

بعد أربعة أيام من عملية الإخلاء، عاد محمد عبد العليم إلى موقع المنزل المهدم مع زوجته الجديدة في صحبة عائلتين كانوا جيرانهم  بشاحنة صغيرة من أجل نقل الأثاث خاصتهم.

يقول عبد العليم إنه ظل يذهب ويجيء بين عشش عثمان ومنطقة الإسكان البديل بالمرج خلال الأيام الثلاثة الأخيرة في انتظار إعطائه شقة. وقد أخبره ضباط الشرطة أن يغادر المنطقة التي تقع فيها المساكن الجديدة وإلا سيحرقون الأثاث، كما قالت عائلات أخرى أنها واجهت نفس التهديد.  

وأكثر ما يعني تلك العائلات -ضحايا عمليات الإخلاء- هو تأثير الحياة في الشارع على صغارهم، فالعائلات لا تأويها سوى البطاطين التي منحتهم إياها بعض الجمعيات الخيرية. بينما يلجأون إلى المساجد القريبة للاغتسال ويتعاونون معاً لتوفير الطعام. لا يوجد أي خصوصية في مثل تلك الظروف، الأطفال ينامون على الأرض مباشرة.

تسير مروة شعبان بصغيرها البالغ من العمر ثلاث سنوات في يدها ودلو الماء على رأسها بعد أن حصلت عليه من منطقة مجاورة في ظل غياب المياه عن المنطقة.

وتتحدث مروة شعبان عن الصعوبات التي تواجهها هي وصغيرها بسبب العيش على أرصفة الطرق لخمسة أيام متواصلة.

ويؤكد عبد العظيم على غياب الإجراءات التي تسبق أي عملية قانونية للإخلاء طبقاً للمعاهدات الدولية التي وقعتها مصر وأيضاً طبقاً للدستور.

ويمنع الدستور المصري الذي تم تمريره في يناير أي عملية من الإخلاء القسري، بالإضافة إلى أن المادة ٧٨ تقول “تكفل الدولة للمواطنين الحق في السكن الملائم والآمن والصحة”، كما تنص المادة ٥٩ على أن “الحياة الآمنة حق لكل إنسان، وتلتزم الدولة بتوفير الأمن والطمأنينة لمواطنيها، ولكل مقيم على أراضيها.”

ويشير عبد العظيم إلى أن المعاهدات الدولية تنص على أن عمليات الإخلاء يجب أن تتم بعد تسكين السكان في منازل جديدة وليس العكس.

ورغم أن القانون المصري يمنع تملك أراضي ملك الدولة، فوضع سكان عشش عثمان كان رسمياً إلى حد كبير.

ويقول عبد العظيم “الناس تعيش في المنازل العشوائية لأن الدولة تفشل في توفير السكن لهم، فما داموا يعالجون أمورهم بأنفسهم ولا يسببون وجعاً في رأس الحكومة فالحكومة تتغاضي عن الوضع وتساعدهم،” ويضيف أن الحكومة عندما تحتاج الأرض فإنها تبدأ في اعتبارهم متعدين على ملكية الدولة.

وعلى الرغم من أن معظم السكان شيدوا تلك البيوت بأنفسهم، فالأغلبية لديهم عقود حق انتفاع تمكنهم من استخدام أراضي الحكومة مؤقتاً، والكثير منهم قامت الدولة بتوصيل الكهرباء إلى منازلهم.

ولا تمنح عقود حق الانتفاع الحماية للناس كما تفعل عقود الإيجار، ما يجعل احتمال طرد الدولة لهم في أي وقت قائماً.

ويقول شوكت إن من بين الـ ٢٢٠ ألف عائلة التي تسكن بالـ ٤٠٤ منطقة التي صنفت أنها غير آمنة في عام ٢٠٠٨، فقد قررت الدولة أن نصف هذه العائلات يعيش على أراض ٍ ملك الدولة.

ويوضح شوكت أن العيش على أراضي الدولة ليس جريمة في حد ذاتها، بل إن الأمر مقنن.

ويضيف أن الدولة تناقض نفسها فهي تنشأ علاقة وطيدة مع السكان الذين يعيشون بعقود حق انتفاع وفيما بعد تقرر فجأة أن تخلي المناطق من هؤلاء السكان.

بعد مرور أسبوع من عملية الإخلاء بعزبة النخل، فإن بعض العائلات تسكن في الوقت الحالي بالحديقة المحيطة بالمنازل التي وعدتهم الحكومة أن تمنحهم إياها بمنطقة المرج، في انتظار أن ينادي المسئولون على أسمائهم بأن الدور أصابهم للحصول على مأوى.

يعسكر زهران هارون في الحديقة مع عائلته ويحيطهم ما تبقى من ممتلكاتهم بعد عملية الإخلاء.

ويحتفظ هارون وسط الأرائك والخزائن والأسرّة بعداد الكهرباء الذي خلعه من الحائط قبل المغادرة ليبقيه دليلاً على أنه أحد سكان المنطقة وأن الدولة معترفة بهؤلاء السكان.

ورغم أن هارون يحتفظ بالمستندات التي تثبت حصوله على حق الانتفاع من الأرض مؤرخة بتاريخ يرجع إلى أكثر من ٢٠ سنة، فإنه لا يزال ينتظر مع عائلته أن ينادي المسئولون على أسمائهم. ويقول إنه يمكث في المكان رغم التهديدات بحدوث أعمال عنف لأنهم ببساطة ليس لديهم مكان آخر ليذهبوا إليهم.

ومعظم هؤلاء الذين ينتظرون السكن يحتفظون بفواتير الكهرباء التي احتفظوا بها لعلمهم أن هذا اليوم سيأتي. يشيرون إلى تلك الفواتير باعتبارها دليل لمواجهة ادعاءات المسئولين أنهم لم يعيشوا في المنطقة، أو أنهم دخلاء يحاولون خداع الحكومة للحصول على شقة.

تنظر عطيات عبد الفتاح التي تبلغ من العمر ٧٥ عاماً إلى ثلاجتها الفارغة في أسى. فبعد أن أصبح كل ما تملكه في هذه الدنيا ملقياً على الرصيف، تشتكي عطيات من عدم استطاعتها من الحصول على مياه للشرب أو تناول علاجها منذ عملية الإخلاء.

تقول العجوز “عمري ٧٥ عاماً، هل كثير علي أن أطلب قضاء الأيام الباقية من حياتي في مكان لائق؟”

اعلان
 
 
هبة عفيفي