Define your generation here. Generation What

البحث عن النفوذ الاقتصادي في مصر

أصبح الحديث عن المساعدات الخارجية شقا أساسيا في التغطية الإعلامية اليومية، بين مليارات تأتي لمساندة احتياطيات النقد الأجنبي أو تغطية بعض نفقات الحكومة، وأطنان من المواد البترولية تجنبنا تكرار مشهد الطوابير الطويلة أمام محطات البنزين، وقبل أن ننشغل في تفنيد تلك المليارات، سواء التي وعُدنا بها أو حصلنا عليها بالفعل، من المهم أن نطرح سؤالا حول الدول المانحة وطبيعة مصالحها في مصر التي تحاول أن تدافع عنها بمد يد العون في وقت الأزمة.

الإمارات أحد أبرز الأسماء الأكثر تداولا بعد الثلاثين من يونيو، نظرا لضخامة التعهدات التي قدمتها للحكومة، التي تصل قيمتها إلى نحو ٧ مليارات دولار، وبالنظر إلى تاريخ تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى السوق المصري، نستطيع أن نستنتج بسهولة حجم مصالح هذا البلد في مصر.

فالإمارات عادة ما تتصدر الدول العربية من حيث صافي الاستثمارات الأجنبية المتدفقة إلى مصر، وبالرغم من ضخامة الدعم الذي قدمته الإمارات إلى الحكومة التي أتت بعد عزل محمد مرسي، إلا أن استثماراتها لم تتوقف خلال حكم الرئيس المعزول الذي امتد على مدار العام المالي ٢٠١٢ – ٢٠١٣، حيث كانت المستثمر الأكبر في مصر خلال هذا العام بتدفقات بلغت ٤٨٠,٦ مليون دولار.

من الممكن أن نعتبر أيضا أن لقطر مصالح اقتصادية في مصر دفعتها إلى مساعدة نظام محمد مرسي بثمانية مليارات دولار، فهي كانت الثانية بعد الإمارات في قائمة المستثمرين العرب من حيث حجم تدفقات الاستثمارات الأجنبية خلال ٢٠١٢ – ٢٠١٣، والتي بلغت ٣٧٥,٦ مليون دولار، ولكن بالنظر إلى السنوات الأخيرة السابقة، يتضح أن أداء قطر في عام حكم مرسي كان استثنائيا، بينما كان استثمارات الإمارات تدور حول مستوياتها المعتادة أو أقل قليلا، ففي عام ٢٠٠٨ – ٢٠٠٩ الذي كان آخر سنوات الرواج النسبي للاستثمارات الأجنبية في مصر، حيث تراجعت بعد ذلك بفعل الأزمة المالية العالمية، اقتصرت تدفقات الاستثمارات القطرية على ٥٣ مليون دولار، بينما تجاوزت تدفقات الاستثمارات الإمارتية المليار دولار.

لاشك أن السوق المصري كان مجالا خصبا للاستثمار الإماراتي، خاصة في مجالات كالعقارات الفاخرة التي تبنى للفئة العليا من الطبقة المتوسطة أو السياح الأجانب، أو في مجال استثمارات الموانيء والخدمات الملاحية، أو الاستثمار في القطاع المالي، وربما تتميز قطر أيضا في بعض هذه الاستثمارات ولكن علاقتها السياسية بنظام مبارك لم تكن على أفضل حال وهو ما قد يكون قد كبح من جماح استثماراتها على مدار السنوات الماضية.

وبالنسبة لأي مستثمر له مصالح في بلد تعيش مرحلة إعادة بناء السلطة الحاكمة مثل مصر، فإذا لم تكن السلطة الجديدة ودودة بالدرجة الكافية فإن الأمر مثير للقلق، حيث إن الوضع غير المستقر لمؤسسات الدولة قد يتيح المجال للسلطة الجديدة بأن تستغل أدواتها التنفيذية للتأثير على استثمارات معينة لتحقيق أغراض سياسية،

فهل كان لمثل هذه التصورات دافع وراء مساعدات أي من البلدين الخليجيين؟!.. ربما ستكشف لنا الأيام القادمة صحة أو خطأ هذه التصورات.

على مستوى الاستثمارات غير العربية، كان سلوك استثمارات الولايات المتحدة بعد ٣٠ يونيو أمرا ملفتا للنظر، ففي الوقت الذي توترت فيه العلاقات بين مصر وأمريكا بسبب التشكك في شرعية السلطة الجديدة للبلاد والممارسات المتعدية على الحريات وحقوق الانسان، كانت تدفقات الاستثمارات الأمريكية في مصر ترتفع، فخلال الأشهر الثلاثة الأولى بعد عزل مرسي بلغت تلك الاستثمارات ٥٦٢ مليون دولار، مقارنة بـ ٥٢٧,٧ مليون دولار في الربع السابق. ربما يعبر ذلك عن انفصال السياسة الأمريكية عن مصالح الشركات، ولكن لاشك أن استمرار تدفق تلك الاستثمارات في ظل توتر العلاقات واضطراب الأوضاع هو أمر يدلل على الأهمية الشديدة للسوق المصري للمستثمرين الأمريكيين.

ولكن تلك الأهمية لم تتم ترجمتها حتى الآن في صورة مساعدات ضخمة مماثلة لما قدمته الإمارات إلى مصر، إذا ما استثنينا المعونة الأمريكية التي يتم تقديمها بصورة روتينية منذ الثمانينيات، ولكن إلى أي مدى سيساهم تراجع العلاقات السياسية في تقليص الحضور الاستثماري لامريكا بمصر؟ هذا أيضا أحد الأسئلة التي ستجيبنا عليها الأيام القادمة.

أما روسيا، الخصم التقليدي للولايات المتحدة، فهي لم تقدم لمصر أيضا أية مساعدات حتي الآن، وحضورها الاستثماري في السوق المصري محدود جدا، ولكن قوتها تكمن في علاقتها التجارية مع البلاد، حيث يبلغ حجم التبادل التجاري معها حوالي ٢,٧ مليار دولار، بحسب بيانات ٢٠١١ – ٢٠١٢، وتعد روسيا برفع هذا التبادل التجاري  إلى ٥ مليارات دولار، ولكن السؤال من هو الطرف المستفيد من زيادة حجم التبادل التجاري؟

بقراءة الواقع الحالي فإن روسيا هي المستفيد الأكبر من التجارة مع مصر، فنحن نصدر لهم بما قيمته ١٠٧,٤ مليون دولار ونستورد منهم بما قيمته ٢,٦ مليار دولار، وإذا لم يراعي الطرف المصري زيادة حجم صادراته في أي اتفاق جديد لتعميق التجارة بين البلدين، ستتحول المساعدات الروسية إلى عبء علي مصر، وهذا ما سنحكم عليه أيضا في الأيام القادمة، إذا سعت روسيا فعلا بجدية إلى تعميق العلاقات ومنافسة الولايات المتحدة على النفوذ في الاقتصاد المصري.

ربما أكون طرحت أسئلة في هذا المقال أكثر مما قدمت الإجابات، وهذا لأننا في لحظة تحول كبرى يصعب فيها أن تفسر المشهد وأنت مطمئن إلى دقة استنتاجاتك، ولكن مؤشرات التجارة والاستثمار تحدثنا عن أن السوق المصري ساحة مهمة لاستثمارات الدول التي تعرض مساعدة البلاد في مرحلة التحول السياسي، أو تقدم لها الأموال الرخيصة والمنح النفطية. وبقدر ما قد تكون المساعدات مدفوعة بالرغبة في كسب ود السلطة الجديدة، فهي قد تساهم أيضا في تشكيل الاقتصاد الجديد ومدى النفوذ الاقتصادي لأي من استثمارات تلك الدول في السوق المصري، وهذا ما ينبغي أن نراقبه بحرص خلال الفترة القادمة.

اعلان