Define your generation here. Generation What

الحشد الجماهيرى وبلد العميان

هل خُضت من قبل تجربة الوقوف أمام مجموعة كبيرة من البشر لتقول لهم كلام لا يُعجبهم؟ إن لم تكن فعلتها من قبل فأنصحك أن لا تفعل، فإن كانوا طيبي المعشر لاكتفوا بالصراخ في وجهك وسبك، وإن كانوا أكثر شراسة لأرهقت أهلك بالبحث عن أشلائك الممزقة هنا وهناك.

***

هربرت جورج ويلز هو كاتب هام للغاية وإن لم تكن قرأت له من قبل فقد خسرت الكثير. في روايته “بلد العميان” يحكى لنا عن المستكشف “نونيز” الذى كان يتسلق أحد الجبال في الإكوادور حين انزلقت قدماه فهوى في وادٍ عميق مدفون أسفل الجبال. لم يمُت نونيز لأنه سقط فوق تلة ثلجية أنقذته من تحطم عظامه.

بعد أن اعتادت عيناه الظلام أخذ يتفقد الوادى المظلم ليكتشف أن قوما يعيشون هناك منذ أزمنة مديدة، كانت بيوتهم خالية من النوافذ ولها جدران مطلية بألوان عجيبة غير مُرتبة توحى على أقل تقدير بغياب الذوق وهنا عرف أن كل من يسكننون هذه البلدة هم من العميان! حدثته نفسه لأول وهلة أنه يمكن أن يصير ملكاً هنا، هو يعرف الكثير مما لا يعرفون وعليه أن يُحسن استغلال ذلك، هو الآن مثل برومثيويس الذى جلب النار كخدمة للبشر من فوق جبال الأوليمب كما تحكى الأسطاير الإغريقية.

في البدء أخذ يستمع إلى فلسفتهم في الحياة وكيف أنهم يقسمون اليوم إلى جزئين “دافئ” للعمل و”بارد” للاسترخاء والنوم، وعن الملائكة التى تهمِس في أذانهم ولايستطيعون لمسها (كانوا يتحدثون عن الطيور). هنا قرر نونيز مصارحة القوم بالحقيقة التى ستُفسد عليهم فلسفتهم لأجيال قادمة: “أنتم عميان!” حين بدأ نونيز بالحديث عن الألوان وبهاء الشروق وجمال الغروب والعالم العُلوى بدأ الناس يتهمنونه بالجنون، “أنت تقول ما لانفقه؟!”، “لقد مسّك الشيطان”، “أنت تهذى، حاول أن يشرح لهم أهمية البصر “يمكننى أن أرى ما يحدث أمام المنزل” وكان جوابهم “وهل يمكنك أن ترى مايحدث داخل المنزل؟”.

حاول الهروب لكنه لم يستطع ولقد كادوا يفتكون به لولا أنه أعلن توبته “لا يوجد ما يُسمى بالبصر، أنا أحمق”. قبِل “يعقوب” أن يعمل نونيز عنده في الحقل ثم أحب نونيز ابنة يعقوب وحين تقدم للزواج منها رفض أبوها أن يزوجها لذلك الممسوس ولكن الفتاة كانت تحبه حقاً، فقرر أن يأخذه للحكماء علّهم يجدون له دواءً فلمّا تحسسوا وجه وجدوا انتفاخ العينين وعليهما الأهداب التي تتحرك وقد كان القرار بأن تلك الأعضاء الغريبة هي التي أصابته بالجنون ويجب إنتزاعها.

بالطبع تردد نونيز إلاّ أن حُبه للفتاة كان عظيماً وكانت قد بدأت تتشكل لديه قناعة أن البصر لا قيمة له بالفعل لذلك قرر أن يحاول الخروج للعالم للمرة الأخيرة قبل أن يفقد بصره لرؤية الشمس والوادى من فوق الجبال، وبالفعل نجح في التسلق وحين وصل للأعلى كانت الشمس قد غرُبت فأخذ يتطلع إلى النجوم في سعادة وهو يبتسم وقد أدرك كمّ كان مجنوناً حين قرر أن يترك عينيه.

***

الحشد الشعبوىّ من الأدوات السياسية الطريفة التى طلّت علينا برأسها في العام والنصف الأخيرين. هي أداة استخدمها الرئيس السابق محمد مرسي في مناسبات عديدة مثل دعم الاستفتاء، ويتم استخدامها الآن بشكل أكثر شراسة من قِبل النظام الحالي. في كلتا الحالتين يكفي أن تبدوغير سعيد وأنت تمُر بجوار “المحشودين” أو أن تقول رأيا مخالفا لهم حتى يفتكوا بِك.

الحُجة الرئيسية جاهزة كالمُعلبات طوال الوقت: “الواقع يفرض إجراءات استثائية”، وكذلك كان الواقع يفرض إجراءات استثنائية عند ستالين وهتلر ومبارك حتى أصبحت الإجراءات الاستثنائية هي الإجراءات الاعتيادية. إن كنت تسأل متى ستنجو مصر؟ سأقول لك حين يأتى من يحكم مصر ولا يستخدم عصا الأمن لمواجهة كل الأحداث السياسية (غير المرتبطة بعُنف مباشر) ولكنّه قادر على استخدام جزرة الحلول السياسة بشكل أوبآخر!

هناك دائماً طريق ثالث لإنجاز الأشياء، وإن كنت أعلم شيئاً واحدا فأعلم أن العنف والعنف المضاد هو دائرة جهنمية مغلقة لن تقود إلى شئ ولنا في التاريخ أسوة حسنة. الشعبويّة (Populism) المُمارسة الآن هي سلاح فتاكّ يمكنه أن يصنع فرعوناً في طَرفة عين لأنه يخاطب غرائز الجموع فيُرغبهم في شئ أو يُرهبهم من شئ ولا يُخاطب العقول، وإن استمر الحال على ما هوعليه فلا أمل لوجود أي معارضة حقيقية تعمل في النور في القريب العاجل أوالبعيد الآجل وتلك هى أول مراتب الهَلكة.

ولست هنا في مجال الخوض في التحليل الأكاديمى للخطاب الشعبوىّ الممارس ولكن يمكن القول باختصار أنه أداة خطيرة ولا يجب بأية حال الاعتماد عليها في أي صياغة مستقبلية جادة وقد أثبتت فشلها الذريع في عهد الرئيس السابق محمد مرسى (وفي مناسبات أخرى عديدة) لأنها ببساطة تعتمد على تجاهل المجموعات المختلفة أوالمتضادة المصالح داخل المجتمع الواحد، بل تتبنى السلطة وجهة نظر فئة معينة وتتم مخاطبتها على أساس أنها “الشعب”. لذلك يجب في المستقبل القريب فتح مسارات أكثر “عقلانية” في التعامل مع الأزمة الراهنة وإلّا ستكون العواقب وخيمة، ليس سياسيا فقط ولكن على جميع المستويات.

***

هناك مقولات هامة يُحبها كل من حكموا مصر ولن أندهش إن كانوا قد وضعوها مكتوبة بخط فارسى جميل على الحائط خلف المكتبة (إن كانت هناك واحدة) أو في غرفة النوم أو في أى مكان والمقولات كالتالي:

“يُمكن فعل نفس الشئ مرتين بنفس الطريقة مع انتظار نتائج مختلفة”

“لا تترك أى فرصة لكيّ تُضيع أي فرصة”

“الدرس الوحيد المُستفاد من التاريخ أنه لا أحد يستفِد من التاريخ”

***

أصدق ما قالت العرب “لكل داءِ دواءُ يُستطاب به .. إلا الحماقة أعيتّ من يداويها” ولوكانت الحماقة رجُلا لتركته يقتل نفسه بنفسه. لذلك أرى من واجب المشير السيسى أن يتقدم ببرقية شكر خاصة للإخوان على جهودهم العظيمة في دعم حملته الانتخابية المستقبلية وإن لم يفعل فإنى أراه شديد التقصير.

***

أرجو أن لا يقنعك القوم أنه لا فائدة من الإبصار فتترك عينيك، وإن أردت أن تنظُر فأنظر داخلك.

اعلان
 
 
شريف جمال سالم