Define your generation here. Generation What

من يملك صكوك الشهادة؟

على مدار السنوات القليلة الماضية، صبغت فكرة شهداء المعارك السياسية بالعديد من النوايا والمساوئ والفضائل والمعاني المتناقضة، كما تشابكت ملكية تاريخ الثورة مع حكايات هؤلاء الذين قضوا.

لكننا لسنا بصدد محاولة لامتداح الروايات المأساوية للوفيات أو حتى إزالة الستار عنها، بل لتوضيح الأساليب المختلفة لاستغلالها من قبل الدولة والجماعات السياسية بغرض إعادة بناء الأحداث للتأثير على الوعي الشعبي في إحدى حلقات الصراع على السلطة.

ويصعب تحديد الرقم الحقيقي لإجمالي الوفيات، ولكن من خلال عملية حسابية اعتمدت على العديد من المصادر— وعلى الأرجح أن الناتج سيكون أقل من الواقع— يمكننا أن نشير أن العدد الإجمالي لمن قضوا نحبهم خلال السنوات الثلاثة الماضية بسبب العنف السياسي بلغ أكثر من 4500 قتيل*.

ويعرف معظم المصريين حوالي ١٠ إلى ١٥ من أسماء وحكايات هؤلاء الأبطال أو الضحايا المعروفين، كلٌ حسب انتماءه السياسي. فما هو إذاً الشيء الذي يجعل من أسماء الشهداء حكايات معروفة للعوام؟ ولماذا تؤثر بعض هذه الأسماء والحكايات وجدانياً في العالم السياسي بشكل أقوى من نظيراتها الأخرى؟ وماذا عن آلاف الوفيات غير المعروفة أو الشهداء الذين رحلوا في صمت؟

وقد أسهمت العديد من العوامل في احتساب بعض هؤلاء شهداءً دون البعض الآخر بما في ذلك سبب وطبيعة الوفاة، كما أسهمت الصور الوحشية التي انتشرت في اجتذاب الجمهور المحلي والدولي معتمدة في ذلك على الخطاب الحقوقي. لكن خالد سعيد على سبيل المثال لم يكن أول أو آخر ضحايا وحشية الشرطة، كما لم يكن مينا دانيال أول قبطي تقتله الدولة. فقد ضربت الروايات التي سردت عن هروب خالد سعيد من الواقع إلى العالم الافتراضي ورغبته في الهجرة مثالاً لإحباط جيل بأكمله، وكذلك الحال بالنسبة لحماسة مينا دانيال في إيجاد حل للفقر يشمل كل المصريين، طبقاً لما ورد عن أصدقاءه، ورغبته في توحيد الإيمان كما توضح أغنية مصورة له في التحرير في الحادي والثلاثين من يناير ٢٠١١، والتي تعكس روح الوحدة التي وجدت في الأيام الأولى للثورة، لتضرب حكايته في نهايتها مثالاً لروح التضامن مع أقباط مصر بعد مجزرة ماسبيرو.

فالمعنى الحرفي لكلمة “شهيد” هو “أن يشهد”، لذلك فالكلمة ترتبط بجوانب الحقيقة والعدالة. ورغم أن كلمة شهيد لديها ارتباطات ودلالات إسلامية ومسيحية، فقد استُخدمت الكلمة في التاريخ المصري الحديث لتشير إلى آلاف الوفيات بغض النظر عن الانتماءات الدينية أو النوايا السياسية. لكن انتشار استخدام الكلمة قد أثار حفيظة بعض الرموز الدينية، فقد أفتى الشيخ عبد المنعم الشحات المتحدث باسم الدعوة السلفية وعضو حزب النور السلفي في خطبة الجمعة التي تلت مجزرة بور سعيد أنه لا ينبغي اعتبار كل الضحايا شهداء، حيث قال “ليس كل من قتل ظلما شهيدًا، وهؤلاء الذين ماتوا في بورسعيد نستطيع أن نقول إنهم قتلوا ظلما لا أكثر ولا أقل.” ومع هذا فقد استغل الكثيرون شهداء مجزرة بور سعيد في الصراع الدائر مع السلطات المصرية وقوات الأمن، حيث اتُهم المجلس العسكري بتعمد الإهمال لمعاقبة الألتراس على الدور الذي شاركوا به في معارك محمد محمود.

وفي غضون محاولة الحكومة المؤقتة أن تمحو جوانب معينة من الذاكرة الجماعية وأن تعيد كتابة تاريخ السنوات الثلاثة السابقة، يمثل الشهداء ثروة رمزية لها باعتبارهم طريقة لإلقاء اللوم على الأخرين وتأكيد الروايات وكذلك توحيد الشعب.

وقد استخدم كلاً من مرشحي الرئاسة السابقين محمد مرسي وأحمد شفيق صورة مينا دانيال، الذي قتل خلال الأحداث الدموية في ماسبيرو، كـ”تعويذة” في حملته الانتخابية المضادة في ٢٠١٢. كما دعا محمد مرسي عائلات الشهداء إلى القصر الرئاسي فور فوزه بالانتخابات — بمن في ذلك أم خالد سعيد وأخت مينا دانيال— في محاولة لتصنيفه “مرشح ثوري”.

 

وفي نوفمبر ٢٠١٣ بعد مرور عامين على اشتباكات محمد محمود محمود، قامت الحكومة المؤقتة في مصر بتشييد نصباً تذكارياً لإحياء ذكرى شهداء ثورتي الخامس والعشرين من يناير والثلاثين من يونيه، وبعد اثنتي عشر ساعة من تدشين النصب التذكاري تم تحطيمه وتشويهه بكتابات الجرافيتي التي تقول “العسكر والإخوان كلاهما مجرمين وخونة”.

وقد حاولت الدولة أن تفرق بين هؤلاء الذين قتلوا لسبب يستحق، والآخرون المنشقون الذين لم يحظوا بشرف احتسابهم “شهداء”، بل وصمتهم بكونهم “بلطجية” و”إرهابيين” و”متآمرين”.

وقد أنشأ المجلس العسكري بعد سقوط مبارك صندوقاً لدعم عائلات شهداء ومصابي الثورة، والذي اعتبره البعض وسيلة لرشوة عائلات الشهداء والمصابين من أجل قبول مقتل ذويهم. وقد وقفت قرارات القائمين على الصندوق عقبة أمام استمرار التعويضات لاعتمادها على رؤيتهم فقط لمن يستحق “لقب شهيد”، كما انتشرت بعض التقارير عن فساد وسوء إدارة تلك الصناديق.

وقد أثير الجدل حول شخصية سالي زهران وسبب وفاتها، فقد قالت عائلة سالي في مقابلة أجرتها معها صحيفة المصري اليوم في الرابع والعشرين من فبراير ٢٠١١ وأنكرت فيها العائلة ما نشرته الصحيفة في عددها الصادر في السادس من نفس الشهر الذي ادعت فيه أن زهران ماتت بسبب نزيف بالمخ نتيجة لضربها من بلطجية أثناء توجهها إلى ميدان التحرير في الثامن والعشرين من يناير. وقالت عائلتها أن تلك الراوية غير صحيحة وأن سالي كانت تحاول أن تغادر المنزل لتشارك المحتجين رغماً عن إرادة والدتها، وأنها إما ألقت بنفسها أو اختل توازنها وسقطت من شرفة منزلهم الكائن بالدور التاسع. ويعتقد البعض أن العائلة تم ابتزازها لإنكار رواية مقتلها للرأي العام، كما أثير الجدل إن كانت سالي زهران ترتدي الحجاب أما لا، فأخاها وأصدقائها ادعوا أنها لم تكن ترتدي حجاب، لكن انتشار بعض الإشاعات حول غضب عائلتها لنشر صوراً لها بدون حجاب أدى إلى انتشار صوراً لوجهها وهو مشوش، وأيضاً إلى تغيير مظهرها في الصور وجعله بالحجاب بواسطة التقنيات الحديثة.

فالروايات الوطنية تتذكر وتنسى بانتقائية، والشهداء الذين قضوا في السنوات الثلاث الماضية وهؤلاء الذين انضموا ولا يزالوا ينضمون إلى قائمة عظماء الوطن تتغير يتبدلون يوماً بعد يوم، ونفس الأشخاص الذين اعتبرتهم الدولة يوماً ما “شهداء الثورة”، وكانوا من قبل ضحايا وحشية عهد مبارك، هم أنفسهم ضحايا عنف الإخوان.

وقد عظمت محاولات الدولة من أجل تشويه ذكرى الشهداء الذين كانوا في وقت ما أيقونات ثورية، وبالتالي تشويه الثورة نفسها. وتضرب المحاكمات التي مازالت مستمرة إلى الآن في قضية خالد سعيد مثالاً على ذلك، فمحامي الضابط المتهم في القضية يزعم أن الثورة كانت مؤامرة صهيونية.

وفي الثالث والعشرين من يناير هذا العام، أي قبل يومين من احتفالات واحتجاجات إحياء ذكرى الخامس والعشرين من يناير، منح الرئيس المؤقت المستشار عدلي منصور وسام الجمهورية لـ ٢٥٦ قتيلاً بين ضابط ومجند ومنحهم لقب “شهداء”، أما صحيفة “الأخبار” الرسمية فقد نشرت صورة لضحايا الشرطة مذكرة أنه “ينبغي علينا ألا ننسى شهداء الثورة الذين قتلهم الرصاص الغادر الذي أطلقه سارقي الثورة والبلطجية ومن يكرهوا مصر”، في حين أن الشرطة نفسها هي التي اتهمت بقتل المحتجين في ٢٠١١، لكنهم اليوم في ٢٠١٣ و٢٠١٤ صاروا أبطال الحرب على الإرهاب.

ويسعى عمار أبو بكر، المعروف بصوره في وسط القاهرة عن الشهداء الثوريين، إلى نشر رواية مختلفة، فيقول أبو بكر أنه يرسم في أعماله مختلف شهداء الثورة لكي “يفضح قاتليهم”. أحد هذه الأعمال لشاب يبلغ من العمر ٢٠ عاماً ويدعى بلال علي صابر، قتل يوم ١١ أكتوبر ٢٠١٣ بالقرب من رابعة العدوية خلال مظاهرة احتجاجية لمرور ١٠٠ يوم منذ عزل الرئيس السابق محمد مرسي، ولم تلقى وفاة الشاب صدىً ملحوظاً وسط أمواج الحرب الذي تخوضها الدولة على الإرهاب. لكن أبو بكر ورسام الجرافيتي المعروف بـ”الزفت” رسما صورة جدارية في وسط القاهرة إحياءً لذكرى الشاب،  حيث استعانا بلقطة مصورة على موقع “يوتيوب” لتصوير وجه القاتل. وقد رسم أبو بكر من قبل جدارية مماثلة حيث صور فيها عين قناص في إشارة واضحة لاتهام قوات الأمن بقتل ضحايا مواجهات محمد محمود في ٢٠١١.

مع كل هذا، من يستطيع أن يتحدث باسم الشهداء؟ في ١٤ أبريل ٢٠١٢ عبر والد الطفل أنس— البالغ من العمر أربعة عشر عاماً والذي قتل خلال مجزرة استاد بور سعيد في فبراير ٢٠١٢— عن اعتراضه لاستخدام صورة ولده من قبل الثوار، ومن قبل حركة ٦ أبريل على وجه التحديد، باعتباره رمزاً ضد المجلس العسكري أو للترويج لأي إضراب عام. وقد أثار موقفه موجة من الجدل على شبكة الإنترنت فيما يتعلق باستخدام ذكرى الشهداء لخدمة مصالح سياسية لمجموعة بعينها.

وقد قال المدون محمود سالم (المعروف على شبكة الانترنت بالاسم المستعار “السيد مانكي”) في تغريدات له على موقع تويتر “بطريقة أو بأخرى نحن لا نعتبر أن عائلات الشهداء ضدنا، أو أنهم قد يلقون باللوم على الثوار في نشر الفوضى… نحن نفترض أن الشهداء الذين استشهدوا هم شهداءنا وأن عائلاتهم معنا، وبدون الكثير من الإثبات للتأكيد على ذلك… فهذا الأمر ليس جديداً، أنسيتم سالي زهران؟ كانت عائلتها على نفس النهج، هل اكترثنا لذلك؟ بالتأكيد لم نكترث، وصورتها استخدمت في كل مكان… ما أعنيه أن أي شخص يستغل جنازة أنس لنشر منشورات لدعم العصيان المدني هو شخص انتهازي مثير للاشمئزاز ولا يملك من الاحترام شيئاً.”

ورداً على تغريدات سالم، كتب هشام الخازندار “مع كامل تعاطفنا واحترامنا لحزن العائلات، لكن الشهداء قد صاروا رموزاً وطنية، ولم يعودوا أبناءً لعائلاتهم فحسب.”

ورد سالم على تغريدة الخازندار قائلاً “…لكننا حتى لا نعطي أنفسنا الفرصة لرثاء موتانا، بل نحولهم في الحال إلى صور رمزية ومنشورات وجرافيتي لخدمة أغراضنا.”

وتفترض تلك الحالة من الاستيلاء على ذكرى الشهداء من قبل الدولة أو الجماعات السياسية، أن الشهداء يمثلون الجانب المفعول به في التاريخ وليس الجانب الفاعل. وحتى حقهم في اختيار مسار معين في حياتهم أو الانضمام إلى أيديولوجية أو قضية بكامل رغبتهم، قد سلب منهم هو الآخر. فلم يتوقف الأمر على توسط ظروف وفاتهم ونسج الأساطير حولها، بل امتد الأمر لتعديل تجاربهم التي عاشوها لكي يتماشى الجانبان، الحياة والوفاة، مع اللحظة الراهنة.

* تم حساب هذا العدد (طبقاً لتقرير من ٣٠ صفحة تم إعداده بالتعاون بين مجموعة من منظمات حقوق الإنسان، وبدأ في مؤتمر صحفي في الرابع من يناير) كالتالي: ١٠٥٧ قتلوا خلال الثمانية عشر يوماً لثورة يناير خلال حكم مبارك، و ٤٣٨ قتلوا خلال حكم المجلس العسكري بعد عزل مبارك، و٤٧٠ قتلوا خلال السنة التي قضاها مرسي في سدة الحكم، و٢٦٦٥ قتلوا بعد عزل مرسي، بينما يبلغ العدد الرسمي للوفيات في شهري يوليو وأغسطس ٢٠١٣ طبقاً لهيئة الطب الشرعي ٩٧٦ قتيل.

 
اعلان