المتحف الإسلامي.. بين الماضي والمستقبل وحاضر التفجيرات
 
 

في صباح الرابع والعشرين من يناير ٢٠١٤، انفجرت قنبلة أمام مبني مديرية أمن القاهرة والذي يقع في مقابل المبنى المصمم على الطراز المعماري المملوكي الحديث ويعرفه الكثيرن باسم “متحف الفن الإسلامي”. وقد أظهرت الصور التي التقطت من خلف الكردون الأمني المفروض حول المديرية انهياراً كاملاً لقاعات عرض المتحف. والأمر الذي لم يدركه الكثيرون آنذاك وربما لا يزالوا لا يدركونه أن تلك الصور لم تكن لمتحف الفن الإسلامي، بل للمؤسسة الموجودة في الدور الثاني من نفس المبنى وهي “دار الكتب والوثائق القومية بباب الخلق” والتي تعرض أشهر المخطوطات والوثائق والعملات والآلات العلمية وأشياء ثمينة أخرى من جميع أنحاء العالم.

وبنهاية اليوم اتضح أن متحف الفن الإسلامي هو الآخر لم يحالفه حظاً أفضل من الدار وأن مقتنياته وصالات العرض الخاصة به تدمرت. وحتى بعد مرور عشرة أيام على حادث التفجير، قليل من الناس يدركون أن مؤسستين مختلفتين قد أضيرتا إثر هذا التفجير، بل وأقل القليل هم من يهتمّون بالتمييز بينهما. فالأشهر فيهما، وهو متحف الفن الإسلامي، كان يستخدم بالتبادل للتعبير عن المتحف نفسه تارة، وعن المبنى كله تارة، وأخرى عن المؤسستين اللتين يحويهما المبنى. ورغم أن هذه المقالة لن تقلل مما حدث لمتحف الفن الإسلامي وأهمية مقتنياته، فإنها ستصب التركيز على دار الكتب والوثائق القومية (بباب الخلق) ومقتنياته التي تشرفت الدار بعرضها حتى الرابع والعشرين من يناير الماضي.  فمعرفة ما كان هناك وما فُقد بسبب الحادث يمكن أن يساعد في ترميم واستعادة ذلك المبنى المميز الذي كان يأوى اثنين من أهم المؤسسات الثقافية في مصر.

كان هذا المكان، الذي قد توسع ليصبح المكتبة الوطنية لمصر وأرشيفها ويعرف اليوم باسم “دار الكتب والوثائق القومية” أو باختصار “دار الكتب”، قد أُنشأ في عام ١٨٧٠ تحت اسم “الكتبخانة الخديوية” أو “المكتبة الخديوية” بمرسوم من الخديوي إسماعيل، وبدأ في العمل وفتْح أبوابه رسمياً لاستقبال العامة في الرابع والعشرين من سبتمبر ١٨٧٠، وذلك حيث أول مقر للكتبخانة بالطابق الأول لقصر مصطفى  فاضل باشا (شقيق الخديوي إسماعيل) بمنطقة درب الجماميز في القاهرة.

وقد استطاعت المكتبة أن تجمع خلال العقود التالية لإنشائها مجموعات عديدة من المخطوطات والكتب النادرة، كما جمعت العديد من مخطوطات القرآن والكتب الدينية من الجوامع والمؤسسات التعليمية الدينية، فقد كان المشروع خطوة جريئة لجمع الإرث المكتوب لمصر في مكان واحد بغرض البحث والدراسة. ويعتبر الإصلاحي على باشا مبارك (١٨٢٣-١٨٩٣) ،الذي تولى الحقيبة الوزارية لوزارتي المعارف والأشغال العمومية خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، أحد القوى التي دفعت بالمشروع إلى النور.

وفي اليوم الأول من يناير عام ١٨٩٩، وضع الخديوي إسماعيل حلمي الثاني حجر الأساس للمبنى الذي تعرض للتدمير في الرابع والعشرين من يناير 2014، وكانت فكرته أن يأوي اثنين من أكثر المؤسسات تقدمية في هذا الوقت. فمنذ بدايته، كان الغرض من المبنى المملوكي الحديث هو إيواء “دار الآثار العربية” (المعروف الآن بمتحف الفن الإسلامي) في الطابق الأرضي والمكتبة الخديوية في الطابقين العلويين. وقد استمر هذا الترتيب إلى يومنا هذا حتى أن متحف الفن الإسلامي ودار الكتب يقعان تحت إشراف وزارة الآثار للأول ووزارة الثقافة للثاني.

Main entrance, The National Library of Egypt, Bab al Khalq, 1939

الباب العمومي – دار الكتب المصرية عام ١٩٣٩.

وبدأ باب الخلق في فتح أبوابه للعامة في الأول من سبتمبر ١٩٠٤، وقد استمر دار الكتب يعمل من نفس الموقع حتى عام ١٩٧١ عندما تم نقله إلى مبنى أرحب وأحدث بكورنيش النيل وسط القاهرة، والذي كان غرضه ليس فقط في أن يأوي مجموعات المخطوطات ولكن أيضاً في أن يأوي مجموعات من النشرات الدورية والكتب المطبوعة، بالإضافة إلى عمله كهيئة محفوظات ضخمة. وقد استمر المتحف الإسلامي في عمله بالطابق الأرضي للمبنى بينما أصبح دار الكتب (باب الخلق) مبنى ثانوي لدار الكتب الموجودة بكورنيش النيل.

وفي العام ٢٠٠٠ قررت الحكومة المصرية أن تقوم بعمل ترميمات للمبنى الأول لدار الكتب (باب الخلق) وأن تعيد تأسيسيه في موقعه التاريخي ليصبح مركزاً للتعلم والثقافة، أما متحف الفن الإسلامي فقد أغلق أبوابه في عام ٢٠٠٣ لتنفيذ بعض الترميمات هو الآخر، لتكون فرصة للمؤسستين كي تجدد المبنى الذي يأويهما بأكمله طبقاً لمعايير البناء الحديثة.

وقد تمت أعمال الترميم الخاصة بدار الكتب في عام ٢٠٠٧ ليفتح الدار أبوابه في الخامس والعشرين من فبراير من نفس العام (أما متحف الفن الإسلامي فقد افتتح ثانية في نهاية ٢٠١٠). وبوجود المجموعات الأساسية من محتويات الدار في مبنى كورنيش النيل، أُسند إلى دار الكتب (باب الخلق) مهمة عرض المجموعات الثرية من المخطوطات التي تحويها المكتبة. وقد زود الدار خلال أعمال الترميم بالأجهزة ذات التقنيات الحديثة التي تخص المتاحف، وصممت خصيصاً من أجل عرض تلك المخطوطات، فمنعت كل مصادر الضوء الطبيعي وتم تركيب أضواء مناسبة (من حيث المحافظة على المخطوطات)، بالإضافة إلى تركيب خزانات عرض مزودة بزجاج يحجب الأشعة فوق البنفسجية لحماية جميع المعروضات بالمتحف.

The manuscript museum at Dar al Kutub Bab al Khalq before the bombing.

متحف المخطوطات بدار الكتب قبل التفجير.

ولا تقتصر المجموعة المعروضة على المخطوطات فقط، بل وتحتوي أيضاً على كتب قديمة مطبوعة ومجموعة من العملات ومجلد أثري للقرآن من الهند مصنوع من الفضة، بالإضافة إلى مجموعة أدوات خاصة بعلوم الفلك. وقد حرص القائمون على ترميم الكتب والحفاظ عليها وكذلك الفنيون بدار الكتب وبجمعية المكنز الإسلامي على أن يتأكدوا أن مساحة العرض الناتجة عن عملية الترميم  لن تستخدم في عرض النماذج البارزة من خطوط اليد والرسوم والمنمنمات المبهرة والمجلدات فحسب، بل وأيضاً لتسرد مجموعة من القصص أكثر تعقيداً من تلك التي تحويها الصفحات المكتوبة بخطوط اليد الحسنة. ومثالاً تاريخياً على تلك القصص أن إنتاج الكتب كان محاولة تتكلف الكثير من المال، والتكليف بإنتاجها كان امتيازاً مقتصراً على من لديهم وسائل تمويلية، فالمخطوطات كانت تنسخ وتباع وتهدى وتنقل أيضاً لمسافات بعيدة للغاية حالها حال المعادن الثمينة وشبه الثمينة التي كانت تستخدم في صنع الأحبار والرسوم التوضيحية التي تستخدم لصناعة تلك المخطوطات.

وبالدخول إلى متحف مخطوطات دار الكتب (باب الخلق)، يرى الزائر المعروضات من الكتب العلمية التي تعرض نصوص طبية أصلية وترجمات يونانية قديمة وكتابات دوائية وأطروحات متعلقة بعلم الميكانيكا وأطالس فلكية مصورة بشكل جيد تعرض مواقع النجوم وحركة الأجرام السماوية. وقد تكونت وأنتجت كل هذه الأشياء بواسطة مجتمع متدين قبل حداثي متعدد الجنسيات وتوحده اللغة والكتابة العربية، ليبدو كمركبة لنشر المعرفة.

كما يمكن للمرء أن يرى عقود زواج وعقوداً تجارية قديمة مكتوبة على أوراق البردي تعود إلى القرن الثامن حتى الحادي عشر ميلادياً، ويمكنه أيضاً أن يرى نموذجاً نادراً يعلن تنصيب المقتدر بالله خليفة للدولة العباسية ببغداد في جمادى الأول عام ٩٢٥ هجرياً الموافق ٩٠٨ ميلادياً، وتأتي بعدها في العرض خريطة لمصر من القرن الثامن عشر والتاسع عشر ميلاديا. ومن أبرز تلك المعروضات بالمتحف مجموعة من المخطوطات الفارسية المصورة ، بما في ذلك نسخة تعود إلى عام ١٤٨٨ ميلادياً  لديوان “البستان” أو “أريج البستان” للشاعر “سعدي الشيرازي” مكتوبة بخط حسن بواسطة الخطاط سلطان علي مشهدي، وكلاهما من أهم فنانين “حرات” في العهد التيموري.

وأحد مهام متحف المخطوطات أن يُمكّن تلك الأشياء أن تتجاوز بحكاياتها وتأثيرها الزمن لتصل إلى قاعدة جماهيرية أكبر، وقد سررت العام الماضي باصطحاب معلمة ورئيسة سابقة لي، وهي أحد أهم علماء المنمنمات (المصغرات) الفارسية في العالم، إلى المتحف. فقد استغرقت معلمتي في وقوفها أمام تلك المخطوطة تحديداً وقتاً أكثر من باقي المعروضات، ولم تغادر عينيها المخطوطة لوهلة خلال وقفتها هذه، ويبدو أنها استعادت المرة الأولى التي رأتها فيها منذ ثلاثة عقود تقريباً في غرفة تخزين بالمكتبة، لتستعيد بذلك التغيرات التي تشهدها الحياة، فقد كان الأمر تذكرة لما يمكن أن نلمسه بأيدينا من نتاج قوة الإبداع البشري والفكري.

وواقع أن المتحف لم  يكن يحظى بين الجمهور بشهرة واسعة رغم الكنوز التي يحويها، تجعلنا لا نغفل دور الإدارة الحالية، فقد عملت الدكتورة إيمان عز الدين، منذ أن أصبحت مديرة لدار الكتب (باب الخلق) في أكتوبر ٢٠١٢، على تطوير المتحف ومرافق البحث بدون كلل أو ملل، كما عملت على تشجيع الطلبة والباحثين والفنانين أن يتخذوا من المكان مركزاً للتواصل مع الإرث المكتوب الذي يعرضه المتحف وأيضاً للتواصل فيما بينهم.

وعلى مدار العامين الماضيين استضاف دار الكتب (باب الخلق) عدداً من ورش العمل الخاصة بفنون الكتاب والفنون والتصميمات الإسلامية والتي أدار بعضها خبراء عالميون. وأحد هؤلاء الخبراء الفنانة أنيتا شودري المقيمة في لندن، والتي قامت بتدريب المشتركين بالورشة على الأساليب التقليدية لتقنيات الصور الهندية كما صنعت نموذجاً لعرض مراحل التذهيب والمنمنمات قامت بنسخه من الصفحة الأولى لنسخة تعود للقرن السادس عشر من كتاب “القانون في الطب” وهو العمل الموسوعي الذي ألفه به ابن سينا في القرن الحادي عشر. وكثيراً ما شهدت ليلة الأحد بالمتحف حفلة أو مناقشة أو محاضرة عامة، فضلاً عن إقامة المعارض المؤقتة مثل معرض الفنانة المتميزة جوليهس ديباش، فنانة التذهيب والمنمنمات، والذي أقيم في أبريل الماضي.

manuscript museum at Dar al Kutub Bab al Khalq

متحف المخطوطات بدار الكتب بعد التفجير.

وقد أقيم بالمتحف في التاسع عشر من يناير ٢٠١٤، أي قبل التفجير بخمسة أيام، احتفال لإحياء ذكرى انضمام إحدى القطع التي يحتويها المتحف، وهي عبارة عن مخطوطة أثرية بديعة للقرآن تنتمي للعصر المملوكي، إلى سجل ذاكرة العالم لليونسكو، ويهتم هذا السجل بتجميع القطع ذات الأهمية العالمية والتعريف بقيمتها. وقد سبقت تلك المخطوطة المملوكية للقرآن إلى السجل، مجموعة أخرى من الوثائق والفرمانات انضمت إلى سجل اليونيكسو في ٢٠٠٥، لتلحق بها في ٢٠٠٧ مجموعة ثالثة من المخطوطات الفارسية المصورة. والقليل من المكتبات حول العالم تحتوي بين مقتنياتها على ثلاثة مجموعات مختلفة ذات مكانة بارزة في سجل ذاكرة العالم.   

ومن حسن حظ دار الكتب (باب الخلق) وحسن حظنا جميعاً أن تلك المخطوطات تم إحصائها بعد التفجير ولم تصاب أي منها بأذى لا يمكن إصلاحه. فمعظمها في حالة جيدة ومحمي بحوائط المبنى السميكة والزجاج المصفح لخزانات العرض، وقد تم إجلائهم إلى مبنى دار الكتب بكورنيش النيل لينضموا إلى المجموعات الأخرى الموجودة بالمبنى حتى تدخل خطط إعادة بناء المبنى المضار حيث التنفيذ. ونحن في غضون ذلك نعيش مع فكرة تنخر في عقولنا أن تلك المخطوطات كان من الممكن أن نفقدها في لحظة، وأن مثل هذه المخطوطات رغم أنها معروضة في وسط القاهرة ليراها الجمهور وبالمجان، لا يعرفها الكثير من الناس.

Entrance to the Exhibition room, The National Library of Egypt, Bab al Khalq, 1939

البوابة المؤدية لحجرة العرض – دار الكتب المصرية بباب الخلق عام ١٩٣٩.

*حقوق جميع الصور في هذا المقال محفوظة لدار الكتب والوثائق القومية بمصر 

اعلان
 
 
إيلينا تشارداكليسكا 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن