Define your generation here. Generation What

الحرب علي الصحافة

أصبحت مهنة الصحافة الآن في مصر شكلاً من أشكال الإرهاب، أو على الأقل هذا ما يزعمه المدعون بالحق المدني في قضية تستهدف صحفيو قناة الجزيرة، والتي أحيل فيها عشرون متهماً للمحاكمة لانضمامهم لجماعة إرهابية ودعمها، فضلاً عن تهديد الأمن القومي للبلاد.

وقد احتوى بيان النائب العام على مجموعة من الاتهامات الرئيسية، من بينها اتهامهم بالتلاعب باللقطات المصورة “لتصدير مشهد غير حقيقي لكي يعتقد العالم الخارجي أن البلاد تعيش في حالة حرب أهلية تنذر بسقوط الدولة.” ويضيف البيان أن النائب العام قد كلف مجموعة من “الخبراء الإعلاميين” من اتحاد الإذاعة والتلفزيون المصري لفحص المعدات التي تمت مصادرتها من الفندق الذي كانت تبث منه قناة الجزيرة الإنجليزية، وأوضح التقرير الفني “أن اللقطات تم تغييرها والمشاهد المصورة تم تعديلها باستخدام برنامج وجهاز مونتاج عالي التقنية.”

لا بد أنهم استخدموا برمجيات “فاينال كت برو”. لا بد وأنهم قاموا بالمونتاج وربما أيضاً قد استخدموا في تقريرهما أعنف اللقطات التي تحوي صوراً للاشتباكات. في الحقيقة، إن لم تكن عواقب تلك الاتهامات شديدة الجدية، لكانت مدعاة للسخرية.

يعامل المسئولون الصحفيين الذين اتهموا في القضية باعتبارهم إرهابيين—يمكننا القول إنها معاملة غير إنسانية. فمثلاً محمد فهمي وباهر محمد، وهما من أعضاء فريق عمل قناة الجزيرة الإنجليزية الذي تم احتجازه، أودعوا سجن العقرب، أشد السجون حراسة بمجمع سجون طرة، مع الجهاديين والمسلحين. كما تم وضعهم بالحبس الانفرادي في زنازين مليئة بالحشرات وبلا سرائر ولا يدخلها ضوء الشمس ولا يسمح فيها حتى بدخول الكتب، وذلك لأكثر من أربعة أسابيع. وبعد التفجيرات التي ضربت القاهرة في الرابع والعشرين من يناير قام حراس السجن بتجريدهم من البطاطين والطعام الذي جلبه لهما ذووهم. فقد قالت عائلة فهمي بعد آخر زيارة له أن معنوياته بدت مكسورة. أما عن بيتر غريستي فهو يواجه ظروفاً أفضل قليلاً من زملاءه.

في غضون ذلك، قبع  صحفيان آخران من طاقم الجزيرة هما عبدالله الشامي ومحمد بدر بالسجن اكثر من خمسة أشهر لنقلهم تقريراً من موقع الاشتباكات لمظاهرة في يوليو قبل أن يتم اعتقالهما ضمن حملة الاعتقالات التي طالت المحتجين. قضت محكمة جنايات شمال القاهرة امس ببراءة محمد بدر، ذلك وقد بدأ الشامي إضراباً عن الطعام منذ الحادي والعشرين من يناير احتجاجاً على احتجازه.

يبدو أن مصر أضحت أحد أخطر البقاع على وجه الأرض بالنسبة للصحفيين، فقد صنفتها لجنة حماية الصحفيين أنها ثالث البلدان قتلاً للصحفيين في عام ٢٠١٣ وأنها من بين أسوأ عشرة بلدان اعتقالاً للصحفيين. وبعيداً عن القتل أو الجرح أو حتى الاعتقال من قبل قوات الأمن، فقد تزايدت حالات التعرض للصحفيين ومهاجمتهم من قبل المواطنين المدنيين.

فقد تعرض أحد الأصدقاء للضرب المبرح في أحد شوارع القاهرة، وهو صحفي إيطالي كان يقضي في مصر أياماً معدودة خلال الشهر المنصرم من أجل تغطية الاستفتاء على الدستور والذكرى السنوية للثورة. فبينما كان يجلس الصديق في عابدين على رصيف إحدى الطرق المؤدية إلى موقع تفجير مبنى وزارة الداخلية، اقترب أحد المارة منه وبات يصرخ أنه صحفي من قناة الجزيرة ،و في لحظات كانت قد أحاطته الأمواج الغاضبة من الجماهير الحاضرة وبدأوا في توجيه اللكمات والعصي للصحفي لمدة عشر دقائق متواصلة قبل أن تقرر الشرطة التدخل بعد أن تمزقت ثيابه وكُسرت أنفه وامتلأ جسده بالكدمات. ويصف لي صديقي الصحفي مستنكراً  أنه حتى بعد أن هدأت أعنف ردود أفعال الموجودين في تلك الحادثة، استمرت امرأة في الستين من عمرها في نشب مخالبها في ظهره وخدش جسده بشكل هستيري غاضب.

وتعد تلك الحادثة واحدة من بين الكثير من الحوادث المشابهة، وهي نتيجة مباشرة لحملة التشويه التي تتبناها الدولة ضد الصحفيين عامة (خاصة الاجانب منهم)، و صحفيو قناة الجزيرة على وجه التحديد.

قد لا تحب قناة الجزيرة أو أي قناة أخرى. قد تختلف مع أسلوب تغطيتهم للأحداث، لكن الحقوق والمبادئ تكون أكثر أهمية حين تغدو عسيرةً، وحرية الصحافة يجب أن تشمل الصحافة بأكملها.

فلا يمكن أن يختلف أي من المراقبين الجادين أن الإعلام الخاص وإعلام الدولة لديه أجندات، فهم يرددون روايات الدولة التي لا يمكن دحض ادعائاتها، و ينشرون الإشاعات الغريبة باعتبارها جميعاً حقائق مسلم بها، كما يبثون مكالمات الناشطين المراقبة من قبل الدولة، كما انهم هرعوا ليشوهوا صورة من لا يسير على خطى المسار الرسمي الذي وضعته الدولة.

فالمغزى الرئيسي من الصحافة في أن تضع من في السلطة تحت المساءلة، وأن توفر منبراً للأصوات الأكثر تهميشاً، لا أن تكن بوقاً للنظام والسلطة.

يردد مسئولون حكوميون حالياً انه لا يمكنهم التيقن اذا كان مجرد نشر مقابلة مع ممثل عن الإخوان تعد جريمة أم لا.  وذلك في الوقت  الذي أرسلت الهيئة العامة للاستعلامات بريداً إلكترونياً لمكاتب الصحافة الأجنبية في محاولة لتوضيح موقفها، والذي قالت فيه إن الهيئة تصَّرِح هي الأخرى أن القانون المصري لا يُِجَّرِم مجرد التواصل أو سابق المعرفة بأي  مجرم أو محتجز على ذمة قضايا لا زالت تٌنظَر في المحاكم. ولا يعتبر الأمر جريمة يعاقب عليها القانون إن لم يكن هذا التواصل بغرض المساعدة أو التحريض أو نتيجة لاتفاق مسبق.

حتى وإن استطعت عزيزي القارئ أن تفهم ما الذي يعنيه البيان، فلا يبدو أي شيء مما يحويه مؤكداً.

وفي غضون ذلك أرسلت وزارة الداخلية مشروعاً لقانون مكافحة الإرهاب إلى وزارة العدل يوم الخميس الماضي واحتوى على مواد جديدة تجيز للدولة مراقبة الصفحات على شبكة الإنترنت وعلى الفيس بوك “لمنع  استخدامها في الأغراض الإرهابية”. فالمادة ٢١ من القانون تبدو مذهلة في غموضها ونطاق سريانها، وبنصها ” كل من روج بطريق مباشر أو غير مباشر لأى من الأغراض المنصوص عليها في الفقرة الأولى من المادة ١١ أو لارتكاب عمل إرهابى بالقول أو بالكتابة أو بأية وسيلة من وسائل البث أو النشر أو بواسطة الرسائل، أو المواقع الإلكترونية التى يمكن للغير الاطلاع عليها، يعاقب بالسجن مدة لا تزيد عن خمس سنوات.”

ورغم أن الدستور الذي أشاد به الكثيرون يضمن حرية الفكر والتعبير عن الرأي، فمن يملك رأياً أو فكراً معارضاً يصير مستهدفاً. وعلى الرغم من أن حرية الصحافة مكفولة في ذات الدستور، فالمفارقة أن الصحفيين اليوم يقبعون خلف قضبان السجون. فلم إذاً الإشارة إلى الحقوق والقوانين بينما من يفرضونها هم أكثر من ينتهكونها بشكل فاضح؟

وليس الحرب على الإرهاب بالشيء الجديد على الصحافة، فالكثير من المؤسسات الصحفية المصرية  قد شقت طريقها من خلال تغطيتها الحرب التي شنتها الولايات المتحدة على الإرهاب بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، تلك الحرب التي استهدفت بالأساس منطقة الشرق الأوسط . اتخذت الولايات المتحدة تلك الحرب مبرراً لغزو العراق وأفغانستان، وغطاءً للتعذيب في سجن جوانتانامو، وحملة الاغتيالات و الترحيلات غير القانونية االمصاحبة لتلك الحرب، و اضف الى ذلك كله سياسة التنصت الفج التي  تمت على نطاق غير مسبوق.

وحالياً تُستخدم الحرب على الإرهاب في مصر من أجل تمكين الدولة الأمنية مرة أخرى ولإسكات أصوات المعارضة. ومن المؤكد في ظل ما يحدث أن استهداف الصحفيين هو غيض من فيض موجة القمع العارمة التي تجري الآن. والعدد الإجمالي لمن يعتقلوا أسبوعياً مذهلأ في الحقيقة، ولا يستثنى أحد، فالجميع غير آمن: الصحفيون- النشطاء- العلماء- المحتجون- الأطفال- حتى المارة بالشوارع. الكل واقع تحت رحمة المطرقة وهذا النمط لا يمكن أن يؤمِّن لنا المجتمع الذي نطمح إليه.

اعلان
 
 
شريف عبد القدوس