Define your generation here. Generation What

يرونه بعيدا.. ونراه بعيدا

ليلة ٣١ يناير ٢٠١١، دخلت التحرير قادما من المنصورة، بعد انتهاء امتحاناتي، الأيام الفائتة كانت عظيمة ومربكة، قبلها بثلاثة أيام حققنا انتصارنا الأكثر ملحمية علي قوات الأمن، وغداة هذه الليلة المفترض أن توجد “مليونية” للمرة الأولى، قضيت أغلب الليلة في جدالات مطولة مع اثنين من الإسلاميين، أحدهما ينتمي لجماعة جهادية والآخر للإخوان، ورغم جذوري الإسلامية، وانتمائي الإخواني الأسبق، وبالتالي عدم وجود أية جدة حقيقية في هذا الجدال، إلا أنني استوعبت وقتها بشكل سوداوي مدي هشاشة اللحظة التي كنا فيها. ما نريده، بدا لي حينها معقدا جدا.

الطريق للمشهد

قبلها بسنوات، شكّلت حركة كفاية ونمط مطالبها وتحركاتها الأفق النضالي لأغلب التيارات السياسية، وتم التواطؤ على خليط من المطالب الحقوقية والليبرالية واليسارية باعتبارها ما نريده جميعا، وهو ما أتاح بعدها بسنوات الفرصة ليتشكل مشهد “الميدان” بتنوعه، وباعتباره التجلي الأكثر فخامة لهذا التواطؤ، لكن أيضاً تحقق هذا التواطؤ بشكل شبه كامل.

لم يكن هذا يعني إلا التراجع عنه مرة أخرى، وعودة الأسئلة التي قرر التواطؤ إهمالها: شكل الدولة، معنى الإسلام السياسي، العلمانية، ماهية الحرية التي نريدها، مدى أصالة “الميدان” كتواطؤ عام لأناس مختلفين يريدون حياة أكثر اتساعا. التواطؤ هذا نفسه لم يكن ليتشكل بهذه الصلابة إلا بعد خفوت الصخب الإسلامي في الجامعات في السبعينيات، ثم الهزيمة العسكرية للحركات الجهادية في التسعينيات، ومن ثم صعود الديموقراطية كخيار وحيد.

بشكل عام، كان للتواطؤ منطلقان: منطلق تكتيكي، مجرد تحالف وقتي لهزيمة العدو المشترك، ثم التفرغ للمعارك المتبادلة، ومنطلق أكثر قيمية، هو اختيار أن “نحيا كراما كلنا” بتعبير عمرو عزت، وهو اختيار علماني بالضرورة، ما يعني أنه بانتصاره سيكون الإسلاميون في مأزق، إذ ستطرح عليهم أيديولوجيتهم أسئلة الشريعة والحسبة والآخر والمجال العام والحريات الشخصية، وهي أسئلة تم اهمالها في صخب “النضال المتواطئ”،النضال المتواطئ الذي أعطى للميدان تلك الهالة الكرنفالية، الصورة الجماعية غير المرتبة، والمضادة جذريا لأي ميول هندسة اجتماعية، البراح الذي يسع الجميع، على اختلافهم واختلاف أنماط حيواتهم، بشكل كبير نجح التواطؤ العام، والمعارضة المتفقة على شكل جامع لمطالبها، على إيجاد إمكانية الثورة بمشهدها ذلك، أحد أكثر مشاهد الثورة تلخيصا لطبيعتها، هو المظاهرات الضخمة، التي تهتف هتافا تقليديا “يا أهالينا انمضوا لينا”، الغير تقليدي هو انضمام الناس فعلا وبكثرة، الآن مثلا، يمكن للمظاهرات أن تهتف بذلك ، لكن -للأسف- لا ينضم أحد.

لقد كانت يوتوبية المشهد في ذاتها أحد مرتكزات الثورة ووسائل ضغطها، الملايين المختلفة المحتشدين في مكان واحد لمطلب واحد، حينها كان يمكننا أن نصدق أن فعلا “الشعب يريد” ما نريده، يبقى فقط أثر خطاب مبارك ليلة ١ فبراير، وموقعة الجمل، الانفضاض الشعبي المؤقت عن الثورة، كعالم موازي، كانت هزيمتها في موقعة الجمل فيه ممكنة، عالم موازي لم ندخله، لأننا لم نخسر، عالم موازي لم يتح لنا معرفته، إلا بعد انفضاض كل شئ، وأصبح بإمكاننا الآن، بعد زوال سحر الثورة، أن نرى الانقسام الشعبي في موقعة الجمل بوضوح، على العموم كل ثورة هي مشروع حرب أهلية، كما أن كل تأسيس سلطوي لنظام سياسي هو محاولة تأبيد لانتصار المنتصر في هذه الحرب.

انهيار التواطؤ بانتصاره

بانتصار التواطؤ فعلا، سقوط مبارك، انفتاح مجال عام أكثر براحا، انتزاع حريات أوسع. انقسم الإسلاميون بخصوص هذا التواطؤ، قررت قيادات الإخوان المسلمين والسلفيين عدم الحاجة لهذا التواطؤ مرة أخرى، وبالتالي خوض المعركة المؤجلة مع “العلمانيين”، بداية الانهيار كانت في الدعوة لاستفتاء مريب على تعديلات لا قيمة لها على دستور ٧١، يبدو ذلك الاستفتاء بكل تفاصيله شيئا عبثيا جدا، بالأخص أنه في النهاية تم عمل تعديلات على التعديلات الواردة فيها، وإضافة مواد أخرى إليها ووضعها في إطار إعلان دستوري جديد، وليس تعديلا على دستور ٧١.

منذ ذلك الوقت المبكر، لم تعد “الثورة” كتواطؤ عام ضد شئ محدد موجودة، كانت تلك الضربة الأولى للميدان. الضربة القوية الثانية، كانت في يوم ٢٩ يوليو ٢٠١١، عندما دعت أغلب القوى الإسلامية للنزول لميدان التحرير، لرفض أفكار قوى ليبرالية مختلفة لوضع مبادئ حاكمة للدستور المصري في المستقبل -يمكن اعتبار تلك الدعوة لوضع مبادئ حاكمة برعاية الجيش هي بذرة ٣٠ يونيو- كانت جمعة “الدفاع عن الهوية” أو “جمعة الشريعة” أو “جمعة قندهار” هي أول تظاهرة كبيرة في ميدان التحرير لا تتعلق بالثورة ولو حتى بشكل نظري، كانت أول خروج كبير للتحرير من تمثيله لمشهد الثورة، ويمكن اعتبارها كذلك بذرة اعتصام رابعة فيما بعد، بشكل كبير كانت كلا الدعوتين ومضات خافتة لملامح مستقبل لم يكن قد أتى بعد.

على الجانب الآخر، اختارت أجنحة أخرى في الحركة الإسلامية أن يكون التواطؤ نفسه عنوانا لحركتها، وكان عبد المنعم أبو الفتوح هو رمز هذا الجناح، تم فصل أبو الفتوح من جماعة الإخوان لإصراره على الترشح، ثم تم فصل من يؤيده من الشباب أو من يدخل في حملته الرئاسية.

الآن يمكن للبعض لوم “خيرت الشاطر” لكونه كان غبيا، لاختياره هدم التواطؤ وترشيح نفسه، ثم “محمد مرسي” وعدم دعم “أبوالفتوح”، لكن الأمر لا يتعلق بالغباء وحده، كان للاختيار هذا دوافع أكثر عقائدية وأصالة، كان اختيارا لـ”التمكين” كهدف يتم النضال من أجله، وليس مجرد “الحرية”، انتصار الثورة في شكلها “الميداني” كان يعني هزيمة الإسلام السياسي كأيديولوجيا، وانتصار “الإسلام السياسي” كان يعتمد بشكل كبير علي هزيمة “الميدان” كتواطؤ، من أجل البدء في المعركة ضد “العلمانية” التي احتواها الميدان أصلا، كانحياز غير مصرح به.

يمكن أيضا لآخرين أن يتهموا الآن “التواطؤ” نفسه بالغباء، لكن ذلك لا يعدو أن يكون أثرا من آثار استبطان حتمية التاريخ، مثلا أبو الفتوح كرمز لهذا التواطؤ لم يخسر الانتخابات الرئاسية بشكل حتمي، حصد حوالي خُمس الأصوات، وأقل بحوالي ثلاثة بالمائة فقط عن مرشح الإخوان، وبسبب أخطاء يتحملها هو وحملته، أي أنه لم يكن مجرد مرشح رمزي لتواطؤ تم نسيانه، كان مشروعا تمت هزيمته بصعود ممثل جناح التمكين عند الإسلاميين.

كانت ليلة نتيجة المرحلة الأولي من الانتخابات الرئاسية حماسية، وبمرور الوقت كان التشاؤم يتجذر حدسا بنوعية المعارك المقبلة، وأذكركم بالإحباط واليأس الذي تواجد الصباح التالي بهزيمة المرشحين العقلانيين للفلول والعلمانيين والإسلاميين “عمرو موسي ، حمدين صباحي، أبوالفتوح”، وصعود الممثلين الهيستريين للفلول والإسلاميين، وتشكيلهما معا شكل ومستوي انحطاط الصراع المقبل.

مرسي

في المرحلة الأولى من الانتخابات الرئاسية اختارت جماعة الإخوان، أن تتخذ دعايتها شكلا إسلاميا صافيا، تمحورت الدعاية لمرسي بكونه مرشحا للإسلام والشريعة، مؤتمراته ضمت بالأساس شيوخ سلفيين معروفين، لكن بعد صعوده هو وأحمد شفيق المرشح الهيستيري للفلول، اختار الإخوان على عجل إعادة إحياء جثة التواطؤ الذي قتلوه بأيديهم، أصبحت حملة مرسي تتخذ شعار “قوتنا في وحدتنا”، وحاولوا استمالة شباب الثورة، لكن بشكل استعلائي وبدون إعطاء أي ضمانات حقيقية، في الوقت نفسه دعت صفحة “كلنا خالد سعيد” وقتها مرسي للتوقيع على “وثيقة الاتفاق الوطني” لطلب طمآنات بخصوص طريقة حكمه، أهمل مرسي والإخوان ذلك، ورفضوا التوقيع بشكل صريح على ذلك، كان الخطر واضحا جدا.

قرر كثيرون أن “يعصروا على أنفهسم ليمون” وينتخبوا مرسي في مواجهة شفيق، لدرء ذلك الخطر، انتهت المرحلة الثانية من الانتخابات وأعلن الإخوان منفردين فوز مرسي، وماطل العسكر في إعلان النتيجة، وهو ما جعل الشعور بالخطر يتصاعد مرة أخرى، دعت قيادات إخوانية معتدلة -حتى حينه- قيادات أحزاب قريبة من الثورة من الاجتماع للاتفاق على ما يمكن عمله، وهو ما عرف فيما بعد بـ“مؤتمر فيرمونت” وتم الاتفاق على أشياء شبيهة بوثيقة الاتفاق الوطني، لكن بشكل أقل تحديدا، كان ذلك إعادة تجميع وتمثيل متسرعة لمشهد الثورة الميداني للضغط به على العسكر، حيث الجميع يطالب بشئ مشترك، لكن ما تمت إعادة تمثيله بسرعة مهولة، انهار بنفس السرعة، ولم يكن بنفس المصداقية، أحمد شفيق كان يمثل ٤٨٪ من المصوتين حينها، وهو ما كان ينبغي عدم الاستهانة بدلالته.

عموما لم ينجح مرسي في الوفاء بوعوده، بالأخص إعادة تشكيل اللجنة التأسيسية للدستور بشكل مرضي للجميع كما تم الاتفاق معه، ومن هنا تحديدا، كانت بداية انهيار حكمه والانهيار الأخير للثورة، كانت تأسيسية الدستور مصدرا لمآزق لا يمكن حلها بسهولة، واختار الإخوان “الصمود” و”عض الأصابع” و”التمكين” وليس “الثورة ” أو “التواطؤ” أو “المرونة” كحلول أخرى. المآزق التي صدرتها تأسيسية الدستور، انتهت بسقوط مرسي والثورة معا. بجوار هشاشة حكمهم وانتصارهم الانتخابي على شفيق، أضاف الإخوان بقية التيارات لأعدائهم بعدم وجود أي مرونة بخصوص الدستور، وكان ذلك مؤشرا مستقبليا لكيفية تعاملهم فيما بعد مع مظاهرات “٣٠ يونيو”، اختيار “عض الأصابع” كاستراتيجية تعامل، مقامرة قد تنتهي بالانتصار كما انتهت بهم في دستور ٢٠١٢، لكنها أيضا قد تنتهي بالهزيمة كما حدث في انقلاب ٣ يوليو العسكري، الذي دعمته للأسف مجموعات ليبرالية ويسارية واسعة كانت قبلها بسنة قد اختارت أبوالفتوح مرشحا توافقيا، وبعضها حتى انتخب محمد مرسي في المرحلة الثانية، حتى لا نصل لما وصلنا إليه بعد ذلك بسنة كاملة. بشكل كبير كان الإخوان نقطة ضعف الثورة الرئيسية التي تسلل منها العسكر، حتى انتصروا في النهاية.

انتصار مرسي في الرئاسة مثّل هزيمة لتواطؤ الميدان، وكانت رئاسته هدماً لأغلب إمكانيات بناء هذا التواطؤ مرة أخري، بل حربا عليها، ثم كانت هزيمته هو نفسه، إيذانا بالعودة إلى ما قبل الميدان وأسوأ منه، نظام عسكري هيستيري ذو قاعدة شعبية، لكن هذه المرة بدون تواطؤ يتيح حراكاً جدياً ضد هذا النظام وصعوبة شديدة في الظفر بمشهد “الميدان” مرة أخري. لحظة الميدان على هشاشتها، احتوت ودا حقيقيا يصعب استرجاعه مرة أخري، بين من كانوا حتى أمس الأول يصطفون للمعركة بين بعضهم البعض.

ابتعاد ٢٥ يناير ٢٠١١

أحد النتائج الأساسية لانهيار التواطؤ، هو ابتعاد المشهد “الميداني” للثورة، وصعوبة تحقيقه مرة أخرى بسهولة، بالأساس احتاج المشهد لسنين طويلة من الاضطهاد المشترك، ليصل الناس لدرجة من كره العدو المشترك، أكثر من درجة كراهيتهم لبعضهم البعض، كما احتاج من الإسلاميين لسنين طويلة من التواطؤ على عدم الوضوح في أطروحاتهم بخصوص الشريعة، وشكل الدولة الذي يرجونه، كيلا يهدموا التواطؤ في مهده، ويخسروا إذن دفاع الآخرين عنهم، ضد ما يتعرضون له من اضطهاد. لا أعتقد أنه يمكن بناء تواطؤ بهذه الصلابة الأخلاقية مرة أخرى، على الأقل في ظل جماعة الإخوان المسلمين كما هي الآن، يحتاج الأمر لتواري قيادات هذه الجماعة، وصعود غيرهم، وانشقاقات متتالية في الجماعة وانقسامها، وعناوين أخرى لحركتها ليصبح الأمر ممكنا، كما يحتاج الأمر لمراجعات فكرية من الإسلاميين بخصوص أطروحاتهم التي أثمرت كل هذا الانقسام بمجرد خروجها للنور، كما تحتاج بقية التيارات لمراجعة تحركاتها من بداية الثورة حتى الآن.

الانهيار أعظم مما كان يمكن التنبؤ به، أو توقعه، ولا أظن أنه كان حتميا، وهو ما يجعل كل التيارات مشتركة فيه بنسبة ما، لا أظن أنه تاريخيا يمكن أن نغفر للبرادعي وممثلي التيار المدني، الاشتراك كـ”طراطير” في حكومة انقلاب عسكري، بدون أي شفافية أو إحساس بمسئولية تجاه أنصارهم، وتفضيلهم للغرف المغلقة وعدم مصارحة الجميع بأفكارهم بخصوص رأيهم فيما يحدث، استعملهم العسكر كما يريد، ثم لفظهم بمجرد ما استتب له الأمر، وعبر المرحلة الأصعب في الانقلاب، خسرنا حلما جميلا.

هذا المقال هو نسخة مطوّله من مساهمة الكاتب في ملف “اللحظة الراهنة” والذي نشرته أخبار الأدب في ذكرى ثورة ٢٥ يناير.
اعلان