Define your generation here. Generation What

أولويات المرحلة.. وكل مرحلة

يعتقد الناصريون أن قرارات عبد الناصر بحل الأحزاب السياسية، وملاحقة أعضاء التنظيمات السرية، وقمع كل الأصوات المعارضة، كانت مبررة «في هذه المرحلة فقط» لأن الأولوية لبناء الدولة والقضاء على الاستعمار وبقايا الإقطاع، ثم لهدير المعركة مع إسرائيل.

ويرى آخرون أن قمع السادات لمعارضيه، باستخدام الإسلاميين، ثم بحملة الاعتقالات الشهيرة في أواخر حكمه، كان مبررًا كذلك «في هذه المرحلة فقط»، في سبيل معركة استعادة سيناء.

وفي عهد مبارك فالقمع مبرر «في هذه المرحلة فقط»، لأن مصر كانت تواجه الإرهاب الأسود، ثم «في هذه المرحلة فقط» أيضًا، لأن البلاد تواجه مشروع كونداليزا رايس بنشر الفوضى الخلاقة.

دائمًا في مصر، وبسبب أولوية ما، يكون القمع مبررًا «في هذه المرحلة فقط».

**

منذ استيلاء الجيش على السلطة في ٣ يوليو وحتى نهاية نوفمبر الماضي، قُتل أكثر من ٢٥٠٠ مواطن مصري في مواجهات ذات طابع سياسي مع المؤسسات المسلحة التابعة للدولة، من جيش وشرطة.

وبينما يتركز الخطاب الرسمي للدولة المصرية على أن هؤلاء قتلوا بعد أن «اضطرت» القوى الأمنية لاستخدام السلاح دفاعًا عن النفس في مواجهة المحتجين المسلحين، تعتقد منظمات حقوقية مثل هيومان رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية أن القوى الأمنية ارتكبت جرائم قتل لم يكن لها داعٍ بحق المحتجين.

يقف خطاب السلطة في مصر بعد ٣ يوليو على قدمين، الأولى هي الخطاب الرسمي للدولة، والثانية هي الأذرع التي قال الفريق السابق عبد الفتاح السيسي إن القوات المسلحة تزرعها في وسائل الإعلام المختلفة.

وفيما تكتفي الدولة المصرية بعد قتلها المئات، ببيانات رسمية توضح ملابسات ارتكاب جرائم القتل هذه، تقوم الأذرع العسكرية في وسائل الإعلام بالترويج لهذا الخطاب الرسمي، في مواجهة من يطالبون بمحاسبة المسؤولين عن قتل هذا العدد الهائل من المصريين، بمنطق لا راد له، بأن مصر الآن تحارب الإرهاب، ولابد من الوقوف خلف شرطتها وجيشها ودعمهم، لأن الأولوية هي للحفاظ على الدولة ودحر الإرهاب، قبل أن يذكروك، وعيونهم تملؤها الدموع، بشهداء الجيش والشرطة في سيناء.

لسبب ما يصعب فهمه، يظن البعض أن مساءلة الضباط الذين ارتبكوا جرائم قتل متظاهرين تعطل مهمة بناء الدولة.

يعتقد البعض أن تحقيق العدل، يحول دون الحفاظ على الدولة.

**

في عهد محمد مرسي، أدانت جميع الأحزاب والتيارات السياسية في مصر، ومعها كل الحق، جماعة الإخوان المسلمين، التي انفردت بالحكم وحيدة.

واليوم، تعلن هذه الأحزاب نفسها، تأييد الفريق السابق عبد الفتاح السيسي، في الانتخابات الرئاسية والتي من المتوقع أن يرشح نفسه فيها.

في عهد محمد مرسي استولت جماعة الإخوان المسلمين على السلطة التنفيذية، وعينت المحافظين من أعضائها أو المؤيدين لها، وامتلكت أغلبية مقاعد مجلس الشورى، وسيطرت على الجمعية التأسيسية لكتابة الدستور، ورأت الأحزاب المدنية في هذا إقصاءً.

واليوم، لم يختلف الحال كثيرًا، فقائد الجيش هو الأوفر حظًا في انتخابات الرئاسة، والمحافظون معظمهم ضباط جيش وشرطة متقاعدين، والجيش حصل على ضمانات وتحصينات في الدستور.

ولكن ما اختلف، أن الأحزاب المدنية التي كانت بالأمس ترغب في مشاركة جماعة الإخوان المسلمين حكم البلاد، وتشكو من الإقصاء، تقصي اليوم نفسها بنفسها وهي ترفض خوض معترك السياسة تاركة إياه للجيش، وتعتبر أن هذا «موقفًا وطنيًا»، وتدين «الطامعين إلى السلطة»، في وقت الأولوية فيه للحفاظ على الدولة، مع أن عزوف أي حزب عن طلب السلطة ينفي مبرر وجوده، باعتبار الحزب «كيان يسعى إلى الوصول للسلطة من أجل تطبيق برنامجه السياسي والاقتصادي».

وهكذا، فمثلما يتعارض الحفاظ على الدولة مع إقامة العدل، فإن بناء حياة سياسية صحيّة تتنافس فيها الأحزاب للوصول إلى الحكم، يحول دون الحفاظ على الدولة.

**

تعتقد غادة شريف، حسب أحد مقالاتها في «المصري اليوم»، أن في مثل هذه الأوقات «الرأي الآخر خيانة».

ولأن السلطة، فيما يبدو، تتبنى منهج غادة شريف في الحكم، فقد بدأت حملة واسعة ضد ٣ تيارات تعارض الجيش على أرضية مختلفة عن أرضية الإخوان، وهم الاشتراكيون الثوريون، وحركة ٦ إبريل، وحزب مصر القوية.

عدد المنضمين إلى هذه الحركات لا يتجاوز بضعة آلاف، وهم لا يملكون قدرة واسعة على الحشد، ولا يمثلون وزنًا في أي استحقاق انتخابي، ولكن مع ذلك، تستمر الملاحقات الأمنية بحق أعضائهم، بالإضافة إلى الحرب الإعلامية الضروس، والاتهامات بالعمالة والتخوين، دون إغفال قتل بعض أنصارهم في المظاهرات.

محاولات سحق تيارات سياسية بعينها رغم أنها لا تؤثر في واقع الأمر شيئًا، بالإضافة إلى سعار السلطة الحاكمة في مواجهة كل من دعا إلى التصويت بـ«لا» في مهرجان الدستور الأخير، لا يدلان إلا على رغبة واضحة في تدجين المجتمع كله، ونزع السياسة منه انتزاعًا.

هذه التنظيمات المتواضعة، ولو أنها لا تؤثر اليوم على مجريات المسار الذي نسير فيه، إلا أنها تشكل خطورة على نظام جديد يرسخ في ذهن المواطنين أن المعارضة إنما هي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بجماعة الإخوان المسلمين، وهذه الجماعة جماعة إرهابية، ترتبط بدورها بالتفجيرات العشوائية وحوادث القتل والاعتداء على الجنود والمنشآت والكنائس، أي أن المعارضة، بالضرورة، إرهاب، أو كما تصفها غادة شريف، خيانة.

وكما يتعارض الحفاظ على الدولة مع إقامة العدل، وخلق أحزاب متنافسة، يتعارض مع تنوع وجهات النظر السياسية والآراء.

**

تمامًا مثل مندوبي الجيش الثلاثة السابقين في قصر الرئاسة، يؤسس الفريق السابق فترة حكمه المرتقب، بأولوية مطلقة تبيح كافة الإجراءات الاستثنائية «في هذه الفترة فقط».

والهدف، هذه المرة، الحفاظ على الدولة التي منحها حكم الجيش، طوال ٦٠ عامًا، كل أسباب التخلف.

اعلان