Define your generation here. Generation What
الأزهر وصراع القوة
 
 

بعد عدة خطوات اتخذتها وزارة الأوقاف لإحكام سيطرتها على المساجد والخطاب الديني في مصر، قررت الوزارة في قرار مفاجئ بنقل تبعية الجامع الأزهر من الوزارة للإشراف المباشر للمؤسسة الأزهر.

وتأتي تلك الخطوة بعد مسار انتهجته الدولة لتحجيم سيطرة جماعة الإخوان المسلمين على المجال الديني في مصر، خاصة بعد عزل الرئيس السابق محمد مرسي.

شن الوزير محمد مختار جمعة حربا ضروسا لتقليل سيطرة الجماعة على الخطاب الديني منذ توليه حقيبة وزارة الأوقاف في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، واتخذ في سبيل ذلك العديد من القرارات لعل من أهمها إنهاء تراخيص ٥٥ ألفا من الخطباء ومنع صلاة الجمعة في الزوايا، حيث أعلن أن معظم الخطباء المنتهية تراخيصهم هم من غير حاملي شهادات الأزهر، كما أنهم ينتمون للجماعة المعزولة من الحكم ودوما ما عملوا على نشر خطاب ديني موال للجماعة وتوجهاتها السياسية.

ويأتي القرار الأخير للوزارة ليعيد إشراف مؤسسة الأزهر على الجامع الأزهر الذي ظل تحت سيطرة الوزارة منذ عام ١٩٩٢، حينما قررت الحكومة المصرية ضم جميع المساجد لتبعية الوزارة في محاولة منها لمقاومة النفوذ المتنامي للجماعات الإسلامية المسلحة التي خاضت حربا ضد الدولة المصرية في التسعينيات.

وبعد أكثر من ٢٢ عاما، يرى الكثيرون أن عودة الجامع الأزهر لإشراف المؤسسة الأزهرية قد يكون متناقضا للحرب التي تشنها الحكومة المصرية حاليا ضد جماعة الإخوان المسلمين في ظروف مشابهة لأيام التسعينيات.

ولكن الباحث بقسم الحريات الدينية بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية عمرو عزت يؤكد لمدى مصر أن القرار الأخير لا يعكس رغبة من الدولة بإعطاء مساحة من الاستقلالية للأزهر، بقدر ما يعكس الوزن السياسي الكبير الذي اكتسبته مؤسسة الأزهر خاصة بعد الاتفاق على خارطة الطريق التي اقترحها القادة العسكريون بعد عزل مرسي.

ويشير عزت بشكل خاص إلى شيخ الأزهر الشيخ أحمد الطيب الذي ظهر مع وزير الدفاع المشير عبد الفتاح السيسي أثناء إعلان خارطة الطريق، الظهور الذي أكسب الطيب الكثير من “النفوذ السياسي” على حد قوله، مضيفا “لم يعد الأزهر مجرد مؤسسة دينية. إنه الآن شريك في الخريطة السياسية ويلعب بنفس أدوات اللعبة التي تستخدمها الدولة. ويعود هذا النفوذ المتنامي للدور الذي لعبه الأزهر لإضفاء الشرعية على العملية السياسية الحالية”.

ويؤكد عزت على أهمية الدور الشخصي الذي لعبه الطيب في هذا المجال، مؤكدا أن الطيب “هو الذي عين جمعة وزيرا للأوقاف، حيث كان عضوا بمكتبه الفني بالأزهر. وبالتالي فإن الطيب حاليا هو من يسيطر على الوزارة لا العكس، حيث لم يعد هناك خطوط فاصلة بين المؤسستين”.

وظهر النفوذ الواسع للطيب في بيان أصدره جمعة على الموقع الرسمي لوزارة الأوقاف تعليقا على جهود الوزارة لوضع الكثير من المساجد التابعة للجمعية الشرعية تحت إشراف الوزارة. يقول البيان “ وأننا نعمل بفخر واعتزاز تحت مظلة الأزهر الشريف وقيادة الإمام الأكبر  شيخ الأزهر أ . د / أحمد الطيب  لنشر سماحة الإسلام في جميع أنحاء الوطن، عبر خطة متكاملة  بما فيها  القوافل الدعوية المشتركة بين الأزهر والأوقاف”.

ودوما ما كان منصب شيخ الأزهر هو أداة الدولة الرئيسية للسيطرة على المؤسسة الأزهرية، حيث بدأت سيطرة الدولة فعليا من خلال القانون رقم ١٠٣ لسنة ١٩٦١ في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر حيث وضع الأزهر تحت إشراف وزارة الأوقاف، كما أعطى القانون رئيس الجمهورية سلطة تعيين شيخ الأزهر.

عين الرئيس السابق محمد حسني مبارك الطيب في مارس ٢٠١٠ بعد وفاة شيخ الأزهر الأسبق محمد طنطاوي، حيث كان قبل تعيينه رئيسا لجامعة الأزهر وعضوا بأمانة السياسات بالحزب الوطني المنحل. واعتبر الكثيرون أن مواقف الطيب من ثورة الخامس والعشرين من يناير مساندة لموقف مبارك آنذاك، حيث وصف الطيب مطالب الثورة بـ “العادلة”، ولكنه حذر من محاولة بث الفوضى وعدم الاستقرار. ومع استمرار المواجهة بين الثوار ونظام مبارك في أيامه الأخيرة، خرج الطيب ليعلن أن المظاهرات “حرام شرعا”، خاصة بعد قرار مبارك بتفويض صلاحياته الرئاسية لنائبه في ذلك الوقت عمر سليمان، وهو ما اعتبره الطيب تحقيقا كاملا لمطالب الثورة.

وبرر الطيب موقفه هذا فيما بعد بالمحاولة المخلصة منه لتجنيب البلاد الفوضى ووقف سفك الدماء.

ونتيجة لكل ذلك، فإن قضية استقلال الأزهر عن الدولة احتلت جانبا هاما من النقاشات في المجال السياسي العام بعد الثورة، حيث أشار الكثيرون للتسييس الذي عانت منه مؤسسة الأزهر تحت حكم مبارك. فقبل انعقاد الجلسة الأولى لبرلمان ٢٠١٢ الذي سيطرت عليه جماعة الإخوان المسلمين، أصدر المجلس العسكري الحاكم آنذاك قانونا جديدا ينظم عمل الأزهر تقدم به الطيب نفسه. ونص القانون على انتخاب شيخ الأزهر من خلال هيئة كبار العلماء، على أن يظل شيخ الأزهر في منصبه حتى وفاته. وعلى الرغم من إبداء بعض الامتعاض على عدم عرض القانون على البرلمان، إلا أن حزب الحرية والعدالة –الذراع السياسية للإخوان المسلمين- لم يبد الكثير من الاعتراض.

وفي حوار خاص أجراه وكيل الأزهر عباس شومان في جريدة الأهرام عن قرار تحويل إشراف الجامع الأزهر لسلطة مؤسسة الأزهر، أكد أن القرار جاء بناء على طلب الأزهر، مضيفا أن القرار هو محاولة لرفع العبء من على كاهل وزارة الأوقاف.

ويؤكد الشيخ أحمد البهي منسق حركة أئمة بلا حدود أن القرار هو خطوة على طريق استقلال مؤسسة الأزهر.

كانت الحركة قد أسست إبان حكم مرسي لمواجهة سيطرة جماعة الإخوان المسلمين على المجال الديني في مصر وما اعتبره أعضاؤها محاولة الجماعة السيطرة على هذا المجال من خلال المساجد.

ويرى البهي أن الجامع الأزهر هو “رمز الأزهر” وعودته لإشراف مؤسسة الأزهر يمثل نقطة هامة لعودة استقلال المؤسسة. وأضاف أيضا أن القرار يجب أن يكون مقدمة لوضع كل المساجد في مصر تحت سيطرة الأزهر الشريف، مؤكدا: “نحن نطالب بالاستقلال الكامل للمساجد عن وزارة الأوقاف، لأن سيطرة الدولة على الخطاب ديني أمر خطير للغاية. فقد رأينا كيف استطاع الإخوان المسلمون خلال فترة حكمهم من التحكم في الخطاب الديني من خلال تحكمهم في إدارة المساجد من خلال الوزارة”.

ويؤكد البهي أن الخطاب الديني في مصر يتم تشكيله وفقا لما للنظام الحاكم الذي يسيطر على وزارة الأوقاف، “ولهذا فإنه من المهم أن يكون الإشراف على المساجد من خلال مؤسسة مستقلة كالأزهر”.

في خلال حكم مرسي، كانت وزارة الأوقاف واقعة بشكل كبير تحت سيطرة الجماعة التي واجهت انتقادات عدة بمحاولة كسب مكاسب سياسية من خلال السيطرة على المجال الديني. كثيرا ما تم اتهام الجماعة باستخدام الدعاية الدينية والطائفية للترويج لمرشحيها وتشويه خصومها السياسيين، واستخدمت في ذلك منابر المساجد.

ويؤكد البهي أن مجموعة من الأزهريين يخططون لرفع قضية لعودة جميع المساجد لإشراف الأزهر عملا بالمادة السابعة من الدستور الجديد. وتنص المادة على ما يلي “الأزهر الشريف هيئة إسلامية علمية مستقلة، يختص دون غيره بالقيام على كافة شئونه، وهو المرجع الأساسي في العلوم الدينية والشئون الإسلامية، ويتولى مسئولية الدعوة ونشر علوم الدين واللغة العربية في مصر والعالم. وتلتزم الدولة بتوفير الاعتمادات المالية الكافية لتحقيق أغراضه. وشيخ الأزهر مستقل غير قابل للعزل، وينظم القانون طريقة اختياره من بين أعضا هيئة كبار العلماء”.

وبصفته ” المرجع الأساسي في العلوم الدينية والشئون الإسلامية”، فإن الأزهر هو المعني بالإشراف على المساجد وليس الوزارة، طبقا للبهي، الذي أضاف: “قيل لنا أن هذا القرار سيتم اتخاذه بدون اللجوء للقضاء. وإن لم يحدث فإننا ماضون في طريقنا”.

وأثارت دعوة البهي قلق عزت العارم، حيث وصفها بمحاولة جعل الأزهر “وزارة أوقاف جديدة”، مؤكدا “هذا تأميم جديد للمساجد، وطريقة جديدة أخرى للسيطرة على المجال الديني في مصر، حيث سيتم تحويل الأزهر لجهة أخرى تسيطر على ممارسة وإدارة الدعوة الإسلامية بشكل حصري مانعا أي ممارسة للدعوة خارج هذه المؤسسة”.

ويرى عزت أن السياقان السياسي والقانوني يجب أن يسمحا بالتعددية الدينية بما في ذلك إدارة الخطاب الديني في المساجد، مؤكدا: “لدينا بالفعل مساجد يتم الإشراف عليها بشكل مستقل من خلال جمعيات أهلية دينية مستقلة، وأفراد، ومساجد أخرى  تابعة للطرق الصوفية. التعددية موجودة بالفعل، ولكنها دوما مهددة من الدولة من خلال القوانين المقيدة للحريات الدينية. وضع المساجد تحت إشراف الوزارة أو الأزهر أو أي جهة أخرى لن يحل الأزمة، ولكن ضمان حرية المجال الديني سيحلها بالتأكيد”.

 
اعلان
 
 
محمد سلامة آدم  @elsheikhadam