Define your generation here. Generation What

حان الوقت لمواجهة حقيقة الفقر

يواصل الفقر ازدياده في مصر بمعدلات تدعو إلى القلق، ذلك بعد مرور ثلاثة أعوام على خروج المصريين إلى الشارع فى ثورة مطالبة بالعيش والعدالة الاجتماعية.

يظهر تقرير حديث نشره برنامج الأغذية العالمي وكالة الأمم المتحدة المعنية بمكافحة الجوع والجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء أن ٤٨,٩٪ من المصريين يعيشون تحت خط الفقر الأعلى في عام ٢٠١١، مقابل نسبة ٤٠,٥٪ فى عام ٢٠٠٥. يعنى هذا أن نصف تعداد المصريين تقريبا يمكن اعتبارهم في عداد الفقراء -أي ما يصل تقديره إلى ٤٠ مليون مواطن، وذلك حسب إحصائات عام ٢٠١١. هذا مع العلم أن التقارير الحديثة تشير إلى مزيد من الارتفاع في معدلات الفقر في ٢٠١٣.

وما يدعو إلى مزيد من القلق، هي تقديرات سوء تغذية الأطفال الواردة فى ذات التقرير، فلقد زاد معدل نقص النمو (المحسوب على أساس نسبة الطول إلى العمر) عند الأطفال أقل من خمس سنوات، الذين يعانون من سوء التغذية لفترات طويلة، من ٢٣٪ سنة ٢٠٠٥ إلى ٢٩٪ سنة ٢٠٠٨ ثم ٣١٪ في ٢٠١١ (وذلك للأطفال بين عمر ستة شهور إلى خمس سنوات). وإذا توقفنا قليلا أمام هذا الرقم، فسنتبين أن ثلث الأطفال المصريين يعانون من سوء التغذية لفترات طويلة، مما يؤثرسلباً على معدل نموهم، وبذلك يكون قد تعرض هؤلاء الأطفال في بداية حياتهم لظلم شديد لن يمكنهم التخلص من تبعاته طوال حياتهم. وتعتبر هذه الأرقام مرتفعة طبقا للتقديرات العالمية.

ولقد تفاقمت تقديرات الفقر وسوء التغذية قبل الثورة بفترات طويلة، مما يعني أن حالة عدم الاستقرار المصاحبة للثورة ليست هي السبب الوحيد لتلك الزيادة. فلقد أدت أسباب كثيرة إلى ذلك، منها التضخم، خفض قيمة العملة، وباء أنفلونزا الطيور، إلى جانب المشكلات المختلفة للغذاء والوقود والأزمات المالية في السنوات القليلة الماضية.

لقد واصلت معدلات الفقر وسوء التغذية ارتفاعهما في سنوات حكم مبارك الأخيرة على الرغم من معدلات النمو الاقتصادي العالية، وذلك بسبب الفساد وعدم مواجهة الأزمات التي يتعرض لها المجتمع بفاعلية. إلى جانب العامل الأهم وهو السياسة الاقتصادية التي كانت تتبناه الدولة، وهذه قضية لم تأخذ حقها بعد في النقاش المجتمعي الجاد.

وعلى الرغم من الأرقام المرتفعة لمعدلات الفقر في مصر، إلا أن الواقع أكثر سوءاً، فهذه التقديرات متواضعة وأقل من القيمة الحقيقية وذلك للسببين الرئيسيين الآتيين .

السبب الأول هو أن تقدير خط الفقر في مصر منخفض جداً، ولا يعبر عن التكاليف المناسبة لمستوى معيشة معقول، وبخاصة فيما يتعلق بالمكون غير الغذائي مثل السكن والرعاية الصحية إلى جانب التعليم ومصاريف الانتقال وخلافه. فإذا أخذنا تقدير ٤٠٪  لمعدل الفقر المأخوذ به في مصر والوارد في تقرير البنك الدولي المنشور عام ٢٠٠٧، سنجد أنه إذا انفقت الأسرة المكونة من أربعة أفراد أكثر من ٢٩٩ جنيها مصريا شهريا (٥٢ دولار أمريكي في ٢٠٠٥ – ٤٢ دولار أمريكي في الوقت الحالي) على البنود غير المتعلقة بالطعام والسابق ذكرها وذلك في سنة ٢٠٠٥، فإن هذه الأسرة لا تعد من الأسر الفقيرة.

والافتراض هنا أن مبلغ ٢٩٩ جنيها مصريا كافياً لتغطية إيجار السكن، مصروفات المجموعات الدراسية المدرسية المفروضة على الطلبة، الانتقال أو المواصلات، الرعاية الصحية، استهلاك الكهرباء والماء والصرف الصحي. كما أن قيمة إيجار غرفة متواضعة في المناطق العشوائية (تقتسم حماما مشتركا مع عدد أربع إلى ثماني غرف أخرى) فى القاهرة الكبرى كانت تقدر في حدود ٧٠ – ١٠٠ جنيه مصري في ذلك الوقت. أما إذا تمكنت الأسرة العيش في أي ظروف أفضل من تلك الغرفه، أدرجها التقرير ضمن نسبة الـ ٦٠٪ من المصريين الخارجين عن خط الفقر، وذلك في عام ٢٠٠٥.

السبب الثانى هو أن التعداد المصرى يقدر قاطني المناطق العشوائية بأقل من عددهم الحقيقي. والمثال الصارخ لذلك هو تعداد سكان عزبة الهجانة لعام ٢٠٠٦، وهي واحدة من أكبر المناطق العشوائية في مصر، والذي قدر التعداد قاطنيها حوالي ٣٢٦٥٢ شخص، بينما تتراوح تقديرات الصحافة ومنظمات العمل الأهلية بين مليون إلى مليوني شخص.

وقد ذكر مايك دافيس في كتابه “عالم من العشوائيات” أن عزبة الهجانة تعتبر من بين أكبر خمسة عشر منطقة عشوائية في العالم. وفي الأغلب سيكون الرقم الحقيقى بين التقديرين، أي بضع مئات من الآف من الأشخاص، ولكننا لا نعلم العدد الفعلي. وليست هذه هي الحالة الوحيدة، فمعظم تقديرات التعداد لعدد سكان العشوائيات أقل من الأعداد الحقيقية. وهي حقيقة يؤكدها جميع الباحثين في المجال.

ومن أكثر البراهين على أن تقديرات الفقر فى مصر أقل من معدلاتها الواقعية، هو تقدير معدلات الفقر في القاهرة الكبرى. تقدر التقارير أن معدلات الفقر في القاهرة الكبرى حتى ٢٠٠٧  في حدود ٥٪ من السكان. كيف يمكن أن يكون هذا التقدير صحيحا فى ضوء أن ٦٥٪ تقريبا من سكان القاهرة الكبرى يعيشون في العشوائيات. لا أدعي هنا أن كل سكان العشوائيات من الفقراء، ولكن من المؤكد أن أي شخص على علم بأحوال المعيشة بهذه المناطق السكنية سوف يشهد أنه من المستحيل أن تكون نسبة بسيطة فقط من سكانها هم الفقراء. ولمزيد من التفاصيل المتعلقة بتكاليف المعيشة أو لفهم كيفية تقدير معدلات الفقر في مصر بأقل من معدلاتها الواقعية، يمكن الرجوع إلى البحث المذكور هنا.

لقد حان الوقت لإجراء مناقشة جادة حول معدلات الفقر في مصر. ويجب أن تشتمل هذه المناقشات الجادة على مناقشات مجتمعية وليس فقط تلك التي تقوم بها المؤسسات الدولية، بل نحن بحاجة ماسة إلى مناقشات مع الفقراء حول مستوى المعيشة المعقول والإنساني، هذا بجانب الاطلاع على دراسات الدخل والمصروفات والاستهلاكات التى أجراها جهاز التعبئة العامة والإحصاء وبيانات التعداد للباحثين، حتى يمكن أن تكون المناقشة على أساس سليم. لقد حان الوقت أيضا لأن يكون لدينا نظام قومي مستقل لمتابعة الفقر في مصر بأنفسنا بدلا من الاعتماد على قياسات الفقر التى تجريها المؤسسات الدولية العاملة في مصر.

إن مصر تمر الآن باللحظة المناسبة لمواجهة حقيقة الفقر، والقيام بإحصاء واقعي لتعداد العشوائيات ولتعداد المصريين. ولماذا هي اللحظة المناسبة؟ لأن أي حكومة جديدة تستطيع إلقاء اللوم على الماضي فيما يخص تفاقم أزمة الفقربمعدلاتها المرتفعة، وازدياد المناطق العشوائية. لقد كان نظام مبارك ينظر إلى هذه المعدلات المرتفعة كفشل شخصي، ومن ثم كان هناك دافع لإخفائها والتعتيم عليها. إن اللحظة الحالية تعتبر هي اللحظة المناسبة لرصد الحقيقة ومواجهتها، لمعرفة المقياس الحقيقي للفقر والحجم الحقيقي لتعداد سكان العشوائيات وإدراجها في التعداد الرسمي لمصر، وفي حينها يمكن الانطلاق إلى الأمام اعتمادا على الحقائق.

اعلان