Define your generation here. Generation What
الشرطة بعد ٢٨ يناير

ربما يكون أسعد الناس على وجه الأرض اليوم، بعدم توصل الإنسان إلى أسطورة الخيال العلمي المعروفة بـ”آلة الزمن”، هم ضباط الشرطة المصرية.

فمنذ ثلاثة سنوات، وبالتحديد مع حلول مغرب الثامن والعشرين من يناير ٢٠١١، كان ضباط وجنود الشرطة المصرية يهربون أمام أمام حشود الملايين من المصريين الغاضبين الذين أطلقوا على هذا اليوم جمعة الغضب. في “جمعة الغضب”، خلع بعض الضباط بزاتهم السوداء وهرولوا في الشوارع بملابسهم الداخلية يطلبون النجاة. بينما فضّل بعض آخر أن يبقى داخل الأقسام التي أحرقها الغاضبون. حيث لم تأتي الأوامر من القيادة بالانسحاب.

وقبل ثلاثة أيام، كانت مدرعات الشرطة المصرية تسير في شارع رمسيس في وسط القاهرة، بينما يهلل لها حشود المصريين الذين نزلوا إلى الشوارع للاحتفال بذكرى ثورة ٢٥ يناير الثالثة. القوات الشرطية كانت عائدة من مطاردتها لفلول مظاهرة صغيرة لم تتعدى الألف متظاهر نظمتها “جبهة طريق الثورة” المعارضة للنظام الحالي ولجماعة الإخوان المسلمين. قوات الشرطة احتلت المساحة المواجهة لنقابة الصحفيين حيث كانت المظاهرة في نفس المكان قبل ذلك ببضع ساعات. اختفى المعارضون، وامتلأت شوارع القاهرة بمؤيدي وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي، الذين حملوا الشرطة على الأعناق.

“تطور مدهش على مستوى إعادة تعريف العلاقات بين الشرطة والمجتمع” هكذا يصف محمد محفوظ، العقيد السابق في وزارة الداخلية ومنسق “مبادرة شرطة لشعب مصر”، الوضع الحالي للشرطة المصرية. وأضاف “كنت أعتقد أن إعادة جذور الثقة بين الشرطة والشعب ستأتي بعد سنوات عديدة وتشريعات عديدة، ولكن مشاركة الشرطة مع الشعب في ثورة ٣٠ يونيو أعادت تلك الثقة، وأعطت أملا جديدا في تغيير الشرطة للأفضل”.

العميد سعيد عمارة، مدير إدارة المباحث الجنائية بمحافظة الدقهلية، قال لموقع مدى مصر إن التأييد الشعبي الذي يحظى به جهاز الشرطة الآن هو الفارق الجوهري عما كان عليه الوضع في ٢٨ يناير ٢٠١١، وأضاف أن ذلك التأييد “يعطي لقوات وأفراد الشرطة الثقة بالنفس على مجابهة أي تحدٍ أمني قوي”.

وعن السبب الرئيسي للتأييد الشعبي يقول عمارة “إن الشعب بفطنته وذكاءه في ٣٠ يونيو اكتشف من وراء هدم وتدمير جهاز الشرطة، فثار عليهم ودعم جهاز الشرطة”. وأشار عمارة إلى أن القوى الثورية النظيفة -على حد تعبيره- لم تقصد إطلاقًا هدم وتدمير جهاز الشرطة في يناير ٢٠١١.

لكن كريم عنارة، الباحث في الشؤون الشرطية في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، يرى أن التأييد الشعبي للشرطة هو “تقاطع مؤقت في المصالح”. حيث يجمع الطرفين [الشرطة والشعب] عداءهما لجماعة الإخوان المسلمين. وأوضح عنارة أن الاصطفاف الشعبي من السهل أن يتغير مرجعًا ذلك لعنف جهاز الشرطة العشوائي والعالي جدًا في الوقت الحالي.

سعيد عمارة رد على ذلك مؤكدًا أن جهاز الشرطة منتبه جدًا لأهمية الظهير الشعبي للشرطة، وأن الجهاز يقوم بتوعية أفراد وقوات الشرطة بأهمية ذلك الظهير الشعبي. واستبعد أن يفقد الشعب ثقته في جهاز الشرطة بسبب أي تجاوز في المستقبل. وأضاف “في حالة أي تجاوز فهناك إجراءات صارمة تتخذ مباشرة”.

من جانبه يرى كريم عنارة أن عملية إعادة الثقة لابد أن تدار باحترافية. “حتى لو تكلمنا بمطنق برجماتي بعيدًا عن خطاب الحقوق والحريات، فتلك العملية لا تقوم فقط على قمع العدو المشترك للشرطة وقطاع كبير من الشعب في الوقت الحالي، وهو الاخوان. هذه العملية لابد أن تصحبها تغييرات هيكلية في الجهاز، ينتج عنها إعادة علاقة الشرطة بالمجتمع وهذا ما لم يحدث.”

وأوضاف عنارة “بعض رجال الشرطة “تافهين”، فبمجرد فتح الباب أمامهم يقومون بقمع وذل واسع، ليس على الاسلاميين فقط في معركتهم التي يطلقون عليها “الحرب على الإرهاب”، ولكن أيضًا في عمل الشرطة الجنائي في الكمائن وغيرها”.

ولكي يستمر الظهير الشعبي في دعم الشرطه، في رأي عنارة، لابد أن تتم إعادة تأهيل للجهاز، وأن تختفي ممارسات معينة يقوم بها جهاز الشرطة، وأن يتبع ذلك عملية استيعاب اجتماعي واقتصادي من قبل النظام لأن القمع العنيف من غير هذا العملية سوف يؤدي لانفجار الوضع مرة أخرى.

وأضاف عنارة “لن تستطيع أي سلطة أن تبقى في الحكم لفترة أكثر من عام واحد إذا استمر أداء الشرطة على وضعه الحالي دون إصلاحات، وإذا لم تقدم أيضا إصلاحات اجتماعية واقتصادية لاستيعاب الجمهور”.

العديد من ممارسات الشرطة التي دامت عقوداً أدت إلى حرق أقسامها في ٢٨ يناير ٢٠١١. قبل ذلك اليوم، كانت مواقع التواصل الاجتماعي ممتلئة بمقاطع فيديو تظهر انتهاكات الشرطة من تعذيب للمواطنين في السجون وفي الشوارع، خصوصاً قضية الشاب السكندري خالد سعيد التي يعتبرها العديد بذرة الثورة المصرية.

في عهد مبارك، التصقت فكرة الرشوة و”فرض الإتاوه” بضباط المرور بشكل خاص والشرطة بشكل عام. كانت العلاقة بين ضابط الشرطة والمجتمع تنطلق من مبدأ قهر ضابط الشرطة للمجتمع خصوصاً في طبقات المجتمع الدنيا.

محمد محفوظ، اتفق مع عنارة فيما يخص حاجة جهاز الشرطة للتدريب على العمل باحترافية لعدم خسارة جذور الثقة التي أنشأتها لحظة ٣٠ يونيو بين الشرطة والشعب. وأضاف محفوظ “جذور الثقة تلك، تنامى معها على جانب آخر الثأر بين الشرطة والجماعات الإرهابية المسلحة، مع قلة احترافية جهاز الشرطة وضعف تدريبه”.

وأضاف أيضا “ليس مطلوب من الشرطة أن تتدرب على القتل، فهي ليست كالجيش الذي ينبغي أن يتدرب على قتل الأعداء في الحروب. وظيفة الداخلية هي محاصرة المجرمين والقبض عليهم وليس قتلهم، ولا ينبغي استخدام السلاح إلا في حالات الدفاع عن النفس والضرورات القصوى”.

وأشار عنارة إلى أن كل وزير للداخلية جاء بعد ثورة يناير، كان يقوم “بحملة هيبة الدولة” ويكون أول ضحاياه الباعة الجائلين. لكن في طوال السنوات الثلاث، لم تنجح الداخلية في السيطرة على المجال العام. “لكن بعد ٣٠ يونيو الوضع اختلف بسبب تبدل العدو -بالنسبة للشعب- من الداخلية إلى الإخوان، وأيضًا بسبب تنامي العنف الأهلي، مما أعطى للداخلية  “شرعية القمع” والتي استغلتها الداخلية في فرض سطوتها على المجال السياسي أكثر بكثير مما كان قبل ٣٠ يونيو”

بالإضافة إلى قمع الإسلاميين المؤيدين لمرسي، تعرضت العديد من المظاهرات للقوى الثورية، التي شاركت أيضاً في خلع الإخوان من الحكم في ٣٠ يونيو، للقمع على يد الشرطة بعد عزل مرسي.

العديد من النشطاء، المحسوبين على ثورة يناير، تم اعتقالهم وحبسهم وفقاً لقانون التظاهر الأخير الذي طلبته وزارة الداخلية من الحكومة، وتم تطبيقه رغم اعتراض بعض القوى المدنية و العديد من المنظمات الحقوقية عليه.

نشطاء آخرين تم اقتحام منازلهم وتفتيشها دون إذن نيابة، كما حدث مع الناشط عالم واصف في ٢٤ من يناير الجاري، الذي تم اعتقاله ثم الإفراج عنه في نفس اليوم. وهو ما أسماه أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة حسن نافعه –في حوار قديم مع مدى مصر بعد تطبيق قانون التظاهر– أنه “إصرار من قطاع داخل الشرطة على الانتقام من النشطاء الذين قاموا بثورة يناير”.

يعلق على ذلك محفوظ قائلاً أنه لم يتغير شئ على مستوى السياسات والتشريعات بالنسبة لوزارة الداخلية. “السبب في ذلك أنه لم تكن هناك أبداً إرادة سياسية لدى صانعي القرار، سواء المجلس العسكري ثم الإخوان، لإجراء إعادة هيكلة حقيقية لوزارة الداخلية”.

ولكن مفهوم الهيكلة للوزارة عليه اختلاف كبير. فالعميد سعيد عمارة أن مفهومه للهيكلة يعني التخلص من العناصر الفاسدة بالجهاز -إن وجدت- مع الإبقاء عليه كما هو، بالإضافة إلى تطوير الدعم الفني والتدريب الصحيح على التعامل باحترافية واحترام الشعب المصري. وهذه العملية -وفقا لعمارة- مستمرة فيها وزارة الداخلية. وأضاف عمارة “ليست الهيكلة ما كان يقصده الإخوان وهو أخونة الداخلية”.

بينما اتفق عنارة ومحفوظ على تعريف هيكلة الداخلية على أنها تغيير شامل لا يقتصر على الأشخاص، ليتحول إلى جهاز وطني يخدم صالح الشعب ويحترم حقوق الإنسان.

عنارة اتفق مع محفوظ في أن إعادة هيكلة وزارة الداخلية مرتبطة بالأساس بالإرادة السياسية، وهذه الإرادة لم تكن متوفرة في فترة المجلس العسكري والإخوان المسلمين. “الوزير الوحيد التي تعاطى مع خطاب الإصلاح هو منصور العيسوي، لكن في المجمل لم يقم العيسوى بأي إصلاح أو تغيير حقيقي. وفي الفترة التي تلت أحداث ماسبيرو، في أكتوبر ٢٠١١، اختفى خطاب الإصلاح ليحل محله خطاب هيبة الدولة التى تتعرض لمؤامرات وعلينا التصدي لها”.

وقد تولى منصور العيسوي حقيبة الداخلية في وزراة عصام شرف التي استمرت من مارس ٢٠١١ إلى نوفمبر من نفس العام، واستقال على أثر أحداث العنف التي وقعت في شارع محمد محمود وراح ضحيتها عشرات القتلى ومئات الجرحى.

بعد العيسوي ومع حكومة كمال الجنزوي التي تلت حكومة شرف، جاء محمد إبراهيم [وهو الوزير السابق الذي يحمل نفس اسم وزير الداخلية الحالي] والذي وقعت في عهده مأساة استاد بورسعيد التي راح ضحيتها ٧٢ من مشجعي النادي الأهلي، وتلتها اشتباكات بين الأمن ومتظاهري الأولتراس أهلاوي والمتعاطفين معهم، ودافع عنه البرلمان المصري وقتها والذي كان يسيطر عليه حزب الإخوان المسلمين.

رغم ذلك، أتت أول حكومة لمرسي بقيادة هشام قنديل باللواء أحمد جمال الدين، والذي عرف بشعبيته بين ضباط الشرطة نظراً لأنه كان يجنبهم الدفاع عن مقرات الإخوان والتي تعرضت للعديد من الهجمات في جميع أنحاء الجمهورية، بعد إعلان مرسي الدستوري الذي حصن فيه قراراته في نوفمبر ٢٠١٢، وازدياد الغضب الشعبي ضد الإخوان. ثم أقاله مرسي نظراً لما اعتبره مؤيدو الإخوان “تقصيراً منه في التصدي لمتظاهري قصر الاتحادية” في الأحداث التي وقعت بين مؤيدي مرسي ومعارضيه في محيط قصر الاتحادية في ديسمبر ٢٠١٢ وراح ضحيتها ١١ قتيل ومئات الجرحى.

بعد ذلك، جاء محمد ابراهيم، الوزير الحالي الذي تصدى لمعارضي الإخوان حتى ٣٠ يونيو. ثم تصدى للإخوان منذ الإطاحة بمرسي تحت شعار “الحرب على الإرهاب”.

يرى كريم عنارة أن أزمة أي سلطة تأتي للحكم لديها نوايا إصلاحية، هي الوقوع بين خياري إصلاح أجهزة الدولة أومحاولتها كسب تأييد الجهاز البيروقراطي في الدولة، وفرض سيطرتها وقوتها عن طريق الجهاز الأمني.

نجاح أي سلطة -في رأي عنارة- يتوقف على قدرتها على صياغة تحالف اجتماعي؛ فهناك طريقتين برأيه وهو إما صياغة سلطوية يمثلها تحالف سياسي قوامه الدولة في مواجهة المجتمع، أو صياغة تقدمية يمثلها تحالف قوامة فئات اجتماعية واسعة في مواجهة أجهزة الدولة وتنجح في احتوائها وهيكلتها بهذا التحالف. وهذا ما فشل فيه الإخوان المسلمين، في تكوين أي من التحالفين، بل شكلوا شيئا هلاميا انهار بسرعة شديدة.

ويشير كريم عنارة أنه في خلال الثلاث سنوات الماضية ظهرت فرص كثيرة لإصلاح الشرطة، منها حادثة بورسعيد التي أحدثت زخما شعبيا في هذا الاتجاه. لكن الإخوان لم يستغلوها لغياب الإرادة سياسية لديهم في إصلاح الشرطة. ويضيف كريم أنهم في إعقاب حادثة بورسعيد قدم مع مجموعة تصور لمجلس الشعب عن إعادة هيكلة الداخلية، لكن كان مصيره الأدراج. وقال “مع توالي إهدار الفرص وصلنا لهذا الوضع الذي تسيد فيه خطاب الحرب على الارهاب واختفى أي حديث عن اصلاح الداخلية”.

كما يرى محفوظ أن تعامل الإخوان مع وزارة الداخلية كان ينطلق من أفكار الجماعة المتعلقة بالسيطره على المجتمع وتغيير هويته. لذلك فالجماعة كانت تحتاج لجهاز قمعي سلطوي تستطيع تنفيذ أفكارها من خلاله.

“لم تكن هناك أية تعديلات حدثت في جهاز الشرطة باستثناء زيادة مرتبات العاملين بالوزارة” هذا ما قاله محفوظ عن تطورات ملف هيكلة الداخلية عبر السنوات الثلاث الماضية، وأضاف “على الرغم من أن هذا أمر جيد، لكن كونه هو الشئ الوحيد الذي تم إنجازه فيعتبر رشوة مقنعة لأفراد الجهاز لضمان ولاءهم”.

ويضيف محفوظ “أي محاولة للحديث عن إصلاح الداخلية الآن تقابل بنظرات الشك والريبة. فالزملاء داخل الجهاز يعتبرون أنفسهم في موقف خطير حيث يقودون وحدهم حرباً ضد الإرهاب. ويعتبرون أنه لا مجال للحديث عن إصلاح الداخلية بينما هم يموتون في الشوارع”.

وعلق عنارة أنه قد يتعاطف مع محفوظ فيما يتعلق بتلك النقطة “ولكن مع ذلك لا ينبغي أن تكون حجة “الحرب على الإرهاب” مبرر لاستمرار فساد الشرطة”.

اعلان
 
 
محمد سلامة آدم  @elsheikhadam