Define your generation here. Generation What

الفرصة المتبقية للاقتصاد

بعد انتفاضة ١٨ و١٩ يناير ١٩٧٧، ظل الحديث عن إعادة هيكلة السياسات الاجتماعية في مصر يستدعي دائما ذكرى هذه الأيام التي قرر فيها السادات تخفيض بعض بنود الدعم فأخرج الشعب غاضبا إلى الشوارع، ليستمر الجدل في العقود التإلىة بين من يري ضرورة المضي في التحرر الاقتصادي مهما كانت قسوته، ومن يدعو للجمود على نفس السياسات القديمة محذرا من خروج جديد للجماهير الغاضبة ومايتبع ذلك من فوضى.

ثم جاءت ٢٥ يناير لتقدم طرحا جديدا، حيث خرجت الملايين في مسيرات منظمة وسلمية لتطالب بإشراك الناس في صنع السياسات الاقتصادية – الاجتماعية، من خلال نظام ديمقراطي، ولكن بعد ٣ سنوات من الثورة تحاول بعض الأصوات مقاومة تلك الفكرة من خلال الحديث عن ضرورة أن ” تهدأ المظاهرات “، ويتسامح آخرون مع اجراءات التضييق علي حرية التعبير، وهناك من لا يخجل من الترويج لفكرة أن مصر تحتاج إلى نموذج ” المستبد العادل “.

صحيح أن تجربتنا الديمقراطية القصيرة، ثلاث سنوات، قد انتجت بعض الاضطرابات الاقتصادية يلمسها المواطنون في حياتهم العادية، من ارتفاع سعر الدولار في السوق السوداء، وارتفاع معدلات البطالة وغيرها، ولكننا جربنا أيضا وعود الرخاء تحت قيادة مبارك المستبدة، فهل نكرر فشل ثلاثون عاما بسبب متاعب ثلاث سنوات؟

أمام أي سلطة جديدة منتخبة في مصر فرصة ذهبية لإصلاح السياسات الاجتماعية التي عجز مبارك عن إصلاحها، إذا ما حافظت تلك السلطة على مكتسبات يناير الديمقراطية، وفتحت المجال إلى تنظيم حوارات اجتماعية حقيقية لصياغة رؤية جديدة لسياسات العمل والأجور ونظم التأمينات الاجتماعية المختلفة.

وفي ما أنتجته أيام “التحرير” من ثقافة المشاركة والتنظيم السلمي للمطالبة بالحقوق، تربة خصبة لإجراء تلك التحولات الكبرى في سياستنا الاقتصادية الاجتماعية، لكن ما واجهه المطالبون بحقوقهم على مدار السنوات الثلاثة الماضية كان في كثير من الأحيان يسير في الاتجاه المعاكس لتلك الروح الإيجابية.

فمحاولة النقابات المستقلة في تحقيق توزيع عادل للثروة من خلال ضغوطها السلمية لتحسين الأجور وظروف العمل في كل منشأة، تمت مقاومتها مرات بالحديث عن عجلة الإنتاج والاستقرار الذي سيحسن من الأجور بشكل تلقائي، ومرات أخرى بالقوة الباطشة، سواء على يد البلطجية أو على يد قوات الشرطة.

بينما لم تصدر الحكومات المتعاقبة قانونا يشرع عمل النقابات المستقلة، وأبقت على تشريعات مبارك التي تسهل الفصل التعسفي للعمال، أصبحت الأداة الأسهل في يد الشركات هي فصل مجالس إدارات النقابات الجديدة ووقف هذا المد الديمقراطي في مواقع العمل.

هناك من سيلوح بإجراءات اتخذت مؤخرا لتخفيف الضغوط المعيشية، كالحد الأدنى للأجور الذي طبقته الدولة بدءا من يناير الجاري، كدليل على وجود صدى لمطالب الثورة في قرارات الحكومة، ولاشك أن التزام الحكومة بالحد الذي طالب به العمال، ١٢٠٠ جنيه، يجعل القرار يبدو وكأنه محمل برسالة من السلطة للمواطنين، أن مطالب التحرير قادمة في الطريق.

ولكن قبل أن نسترسل في تلك التصورات العاطفية عن الحكومة، علينا أن ندرك أن الـ ١٢٠٠ جنيه طالب بها العمال في ٢٠٠٨، أي وفقا لتكاليف المعيشة منذ ست سنوات، ولم تتم تلك الزيادة في ضوء هيكلة لسياسات الأجور تربط الأجر في المستقبل بعوامل كارتفاع التضخم ومستوى الإنتاجية، علاوة على أنه لم يتقرر حتى الآن مصير الحد الأدنى لأجور القطاع الخاص.

وبعيدا عن سياسات الأجور، لاشك أن السلطة الحالية قد حاولت أن تمهد الطريق لبعض الإصلاحات الاقتصادية وكان من أبرزها زيادة الانفاق على التعليم والصحة في الدستور الجديد، لتصل في مجملها، بعد إضافة الانفاق على البحث العلمي، إلى ١٠٪ من الناتج القومي الإجمالي، ولكن تلك التعديلات تأتي في سياق تصاعد ممارسات التضييق علي وسائل التعبير المختلفة، مما يفتح الباب إلى تفريغ تلك التعديلات الاقتصادية من مضمونها، قد يعتقد البعض أنه لا توجد علاقة مباشرة بين قمع الممارسات الديمقراطية، وبين التعليم والصحة ولكن هذا الاعتقاد خاطيء بلاشك.

فلو افترضنا أن الدولة التزمت بهذا الإنفاق الإضافي في الصحة والتعليم، فكيف سيتم إنفاق هذه الأموال؟ هل ستذهب فعلا للتنمية، أم لممارسات بها إهدار للمال العام أو الفساد، بدون وجود حرية للناس في تنظيم أنفسهم والتعبير عن آرائهم من خلال كيانات كالأحزاب السياسية والنقابات العمالية، فالإجابة الثانية هي الأكثر ترجيحاً.

لايزال مشوار الاصلاح الاجتماعي أمامنا طويلا، وإن كانت حكومات ما بعد الثورة قد سعت لتطبيق بعض السياسات التي توفر الموارد للإنفاق الاجتماعي، كالضريبة العقارية والحد الأقصى للأجور بالجهاز الحكومي. فهذه الإجراءات جزء من عملية إعادة هيكلة شاملة للسياسات الاقتصادية – الاجتماعية لن تستطيع الحكومة تطبيقها إلا في ظل مناخ ديمقراطي، ولن يضمن المواطن تنفيذها بشكل منحاز لمصالحه، إلا بوجود ضمانات لحقه في التعبير عن نفسه وممارسة الضغوط السلمية المشروعة.

اعلان