Define your generation here. Generation What
أوجه الميدان المتغيرة
 
 

ما كان روضة للوحدة في يوم ما، أصبح الآن مسرحاً للتناحر.

كان الأمر اعتيادياً خلال ثورة ٢٥ يناير على مدار الـ ١٨ يوماً أن تسير بميدان التحرير وتسمع هتافاً موحداً يرتج معه الميدان بأكمله ينادي بإسقاط نظام مبارك، بينما يتوسط المشهد تلك الخيم البيضاء التي كانت تأوي أناساً من مختلف الدروب الاجتماعية والسياسية.

أما اليوم، فتلك البقعة يتوسطها نصب تذكاري لونه كلون الرمال، أقامته الحكومة الحالية الموالية للجيش إحياءاً لذكرى من فقدوا حياتهم خلال الثورة. وقبل الذكرى السنوية لثورة ٢٥ يناير بأيام قليلة بدأ الناس في التجمع بالميدان مرتدين ثياباً بألوان العلم المصري، فمن غطاء الرأس حتى الحذاء تكسوهم الألوان الحمراء والبيضاء والسوداء. أما الأطفال فيرتدون ملابس الجيش ويرفعون صورة القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول عبد الفتاح السيسي.

في الذكرى الثالثة للثورة، كان الميدان ساحة للاحتفال والاحتفاء بوزير الدفاع. الآلاف رفعوا صوره وهتفوا باسمه وطالبوه بالترشح لرئاسة الجمهورية لـ”يكمل جميله”.

في ميادين أخرى، قُتل العشرات، وأصيب المئات، واعتقل أكثر من ألف مصري من المعارضين للنظام الحالي، من الإخوان ومن الحركات الأخرى التي تعلن باستمرار رفضها لحكم العسكر ولجماعة الإخوان.

ينظر رمضان منصور، أحد بائعي الملابس في ميدان التحرير، إلى المشهد في خوف. يقول منصور الذي يعمل منذ ٢٠ عاماً في نفس المكان “المشهد مختلف تماماً عما كان عليه في ٢٠١١، وقتها كان الجميع كتفاً إلى كتف، أما الآن فالأمور منقسمة بين مؤيد للنظام الحالي ومعارض له.”

توقع منصور أن الميدان سيمتلئ بجميع التيارات السياسية يوم الاحتفال بذكرى الثورة، لكنه رأى أيضاً أن المنشقين سياسياً عن الموجة السائدة لن يستطيعوا أن يعبروا عن اختلافاتهم السياسية بمنتهى الحرية.

قاطعه صديقه كرم عيد ليقول نبوءته، التي صارت حقيقة في يوم الاحتفال “سيكون أكثر الموجودين من مؤيدي الجيش.”

في الأيام السابقة للذكرى الثالثة للثورة، مثل تلك التصنيفات تحاصر الميدان الذي توحد على أرضه في يوم ما مجموعات مختلفة من البشر. في ٢٠١١ كانت السمة الأبرز للميدان أنه كان يأوي ليبراليين، وإسلاميين، ويساريين، وأناس من مستويات مجتمعية مختلفة، تعايشوا جميعاً في نفس المكان رغم اختلافاتهم. لكن الأمر يختلف في العام الحالي، فهناك معركة حول من يهيمن على الميدان: مؤيدو الجيش، أم مؤيدو الإسلاميين، أم من يعارضهما معاً.  

يعتقد المهندس المعماري والمخطط الحضري، عمر نجاتي، أن التحولات السياسية في البلاد ستنعكس مباشرة على الميدان.

ويقول نجاتي ” في البداية كان الناس متوحدين حول مطلب واحد، أما الآن فهم منقسمون، فبدلاً من أن يعكس ميدان التحرير إرادة الشعب، أصبح مسرحاً للصراع السياسي بين أجندتين أو أيديولجيتين مختلفتين.”

ويُفصِّل نجاتي الأمر قائلاً “في البداية كان الميدان يحوي طبقات متعددة من التركيبة السكانية لمصر. فالطبقة الأولى يمثلها الناشطون الذين كانوا على اتصال ببعضهم من خلال وسائط الاتصال الاجتماعي، والطبقة الثانية يمثلها الإخوان المسلمون وهي الجماعة الأكثر تنظيماً في الميدان من خلال استراتيجيات وضع المتاريس والمستشفيات الميدانية، وتزويد المؤن اللازمة، وتأتي بعد ذلك طبقة الزوار، وهي المجموعات التي كانت تأتي إلى الميدان بعائلاتهم لزيارة المكان.”

ويضيف “المناخ العام كان أشبه بـ”يوتوبيا” المدينة الفاضلة.”

ويؤكد أحمد المجددي وهو طبيب أطفال امتياز أنه شعر بهذا المناخ لأول مرة عندما نزل إلى الميدان في ٢٥ يناير ٢٠١١. ويقول المجددي “التجربة كانت رائعة، فالناس كانوا متنوعين والحدود بينهم تلاشت، فقد كانت هناك حالة من الصداقة الحميمة بين الجميع والكل لديه رغبة أن ينصت إلى رأي الأخر.”

ويعترف المجددي أنه لا تزال تلك القشعريرة تنتابه كلما رأى صوراً جوية للميدان الذي اكتظ بالمصريين على مدار الـ ١٨ يوماً من أيام الثورة المصرية.

لكن الطبيب ذو الـ ٢٧ عاما لن يذهب إلى الميدان في الوقت الحالي.

فيقول “لا أريد القول أن الحس الثوري قد مات، لكن قد تم قمعه. ميدان التحرير يرمز الآن إلى محاولة جيدة.”

أحد المحتجين الذين تواجدوا في الميدان خلال الثورة، ويدعى أدهم زيدان، ينتابه نفس الشعور تجاه الأمر.

الأمر يبدو بالنسبة لزيدان كما لو كان يزور شقة قديمة كان يعيش فيها، بعد مرور سنوات على مغادرتها. فبينما يحنّ إلى الذكريات الجميلة التي قضاها بالمكان، أصبح آخرون يعيشون بالشقة الآن.

ويقول زيدان “فكرة الميدان تذهب لمن يدعي امتلاكها. لكن في كل مرة يحاول الناس أن يستعيدوا تلك الروح يتحول الأمر إلى احتفالية.. فتظهر ضعيفة تتوق إلى الروح الأصلية التي وجدت في البداية.”

يتذكر حمزة الفراوي، أحد أعضاء تحالف دعم الشرعية الذي تقوده جماعة  الإخوان المسلمين، أن أكثر أوجه النقد الذي واجهته الجماعة في هذا التوقيت أنهم لم يكونوا معارضين للجيش. ويقول “وبالتالي، يبدو لي الدعم الذي يقدمه الآخرون للجيش في التحرير الآن غريباً.”

ويعتقد الفراوي الذي كان حاضراً في الميدان في ٢٠١١ أن السبب في اختلاف الأمور هذا العام أن منذ ثلاثة أعوام لم يكن للناس تجربة سابقة مع السياسة.

ويقول الفراوي “التجربة السياسية فيما قبل ٢٠١١ كانت مختلفة، فقد كنا جميعاً نتحسس خطانا ولا يعرف أي شخص شيئاً عن الآخر. وإن كان أي شخص يعتقد شيئاً ما عن الإخوان، فقد كُسرت هذه الصورة النمطية، لذلك كنا جميعاً مع بعضنا- المناخ كان أشبه بالمدينة الفاضلة.”

ويضيف الفراوي ” أما الآن، فكل فرد منا يعرف الآخر وأصبح له تجربة مع المشهد السياسي، كل فرد منا قد كون وجهة نظره عن المجموعة الأخرى.”

ورغم أن الميدان بالنسبة للفراوي هو رمز الثورة، فيوضح أنه عندما واجهت جماعة الإخوان صعوبة في دخول الميدان بعد عزل الرئيس السابق محمد مرسي، لم يكن لديهم أي مشكلة أن ينقلوا احتجاجاتهم لمكان آخر.

ويقول الفراوي “نقلنا احتجاجاتنا إلى ميدان رابعة العدوية لأن التحرير كان سيوقفنا من تمرير رسالتنا، لذلك فقد غيرنا خططتنا ووجهتنا إلى مكان آخر.”

يعرض نجاتي نظرة أخرى، قائلاً “في الستة أشهر الأخيرة، بعد بدء اعتصامي رابعة والنهضة، تحولت المدينة كلها إلى لوحة زيتية، فالتنافس أصبح تنافساً على الحيز المدني للمدينة كلها من خلال رسم الجرافيتي على الحوائط ثم مسحه مرة أخرى، يليه بناء نصب تذكاري، ثم تحطيمه، ثم إعادة رصف الميدان. أصبح الأمر أشبه بالطقوس الاعتيادية الخاصة بالصراع للسيطرة على حيز كان للدولة.”

رغم أن الأماكن الأخرى متاحة لذلك، لا تزال المواجهة على كسب ميدان التحرير هي الأكثر أهمية.

يضيف نجاتي “فالتحرير لا يزال ذي أهمية، كما أنه لا يزال مشحوناً بالحس الثوري، والمعركة على من يحوز ميدان التحرير ما زالت مستمرة.”

وعلى الرغم من أن الفراوي ادعى أن التحالف سيشارك في فعاليات الاحتفال بالذكرى الثالثة لثورة ٢٥ يناير من خلال مشاركة هذا الميدان مع الآخرين. لم يكن أي هناك أي وجود لمظاهرات تابعة للتحالف بالقرب من الميدان.

أضاف الفراوي “من يريد أن يذهب إلى الميدان لديه الحق في ذلك، ولن نتعرض له. ميدان التحرير متاح للجميع ولا ينتمي لأي فرد، بل للجميع.”

مصطفى كمال الجزار هو أحد هؤلاء، والذي يجوب الميدان حاملاً عريضة لتأييد السيسي للترشح للرئاسة.

يوضح قائلاً “حصلت على أجازة غير مدفوعة الأجر، وتجاهلت أطفالي وبيتي. ولم أعد أكترث بنفسي حتى- كل هذا من أجل السيسي الذي أنقذ المصريين في ٣٠ يونيه.”

يقول الجزار أنه لا يعارض أن يأتي من يعارضون النظام الحاكم إلى الميدان في الذكرى السنوية، لكنه لن يطيق أن يسمع هتافات مناهضة للشرطة أو الجيش.

وأضاف “أنا أحترم الرجلين محمد إبراهيم [وزير الداخيلة] والسيسي.”

وبينما كان المحتجون منذ ثلاثة أعوام مجتمعين في هذه البقعة في عيد الشرطة للتنديد بأساليب وزارة الداخلية الوحشية، تحول الخطاب جذرياً هذا العام، فبدلاً من هذا تجتمع مجموعات من الشعب في التحرير للاحتفال بالشرطة في نفس المكان.

يقول وائل أبو شاويش، أحد مؤسسي حملة “كمل جميلك” ومؤسس حملة “نبضة الشعب” اللتان تدعوان إلى ترشح السيسي لرئاسة الجمهورية، أن ذهابه إلى ميدان التحرير هدفه الاحتفال بعيد الشرطة والمطالبة بترشح السيسي بالطبع.

 

ويؤكد أبو شاويش قائلاً “نحتفل بالأحداث التي تلت ٣٠ يونيه ونحتفل بالشرطة والجيش أيضاً، ولن نغادر الميدان حتى يعلن السيسي ترشحه للرئاسة.”

ويعتقد أبو شاويش أنه رغم أن ثورة يناير بدأت بشكل جيد في ٢٠١١، لكن مجموعات لديها أجندات أجنبية انضمت للمحتجين في ميدان التحرير فيما بعد، وأن الأمور في البلاد بدأت في العودة مرة أخرى إلى نصابها في ٣٠ يونيه مع بداية سقوط جماعة الإخوان المسلمين.”

أبو شاويش رغم ذلك لا يعارض فكرة نزول أعضاء الجماعة إلى الميدان ماداموا يحافظون على السلمية.

ويحذر قائلاً “سنتقبلهم، أهلاً وسهلاً بهم، أما إن حاولوا أن يُخلّوا بالسلمية، فلا نستطيع أن نتوقع ردود أفعالنا آنذاك.”

وبينما توقع الكثيرون احتمالية وقوع اشتباكات عنيفة بين الطرفين لمشاركتهم نفس المكان، غاب أنصار الإخوان المسلمين عن الميدان والمناطق القريبة منه. لكن الاشتباكات وقعت بالفعل بين الشرطة ومؤيدين السيسي من جهة، والمتظاهرين الذين استجابوا لدعوات جبهة طريق الثورة والقوى المدنية المعارضه لحكم الجش والإخوان من جهة أخرى.

فيقول نجاتي “ليس هناك إطار أيديولوجي محدد يعرف الميدان، وإن ادعي أحد امتلاكه، فيجب أن تكون تلك المجموعات التي مثلت مناخ المدينة الفاضلة الذي وجد في أول الأمر.”

إلا أن الميدان قد فقد تأثيره بالنسبة لبعض الناس.

فيقول زيدان “أصبح الحيز المادي مصدراً للإزعاج بسبب الاحتجاجات المستمرة.” ويعتقد زيدان أنه إن أراد الناس أن ينهضوا مرة أخرى، فعليهم أن يفعلوا ذلك خارج الميدان.

ويضيف قائلاً ” حينما تكرر الأمر مرة تلو الأخرى، فقد رمزيته. لقد ابتعدنا عن النقطة التي بدأنا منها لدرجة أن الاستمرار لم يعد مجدياً.”

اعلان
 
 
بسنت ربيع