جواهر السينما المصرية: “الفتوة”
 
 

لأسباب سنوضّحها لاحقاً، هذا فيلم من النوع الذي ترعرعت تشاهده.

الفتوّة لـصلاح أبو سيف كان دائماً اختياراً مفضلاً لمن كان مسئولاً عن عرض ما نشاهده في التليفزيون المصري.

كان في تجربة مشاهدة هذا الفيلم في العام ٢٠١٤، منسوخاً علي اسطوانة رديئة مزيّنة باسم السبكي للإنتاج والتوزيع، بكل تأكيد، مايدعو للسخرية. حقوق توزيع فيلم صُنع في أوائل الخمسينات بأچندة اشتراكية واضحة، يتابع صراعاً حول القوّة والمال بين تجار خضروات متنافسين، مملوكة الآن لجزّار سابق سطا في لحظة من الزمن علي صناعة السينما المصرية وغطس بها لمستويات تجارية مبهرة في انحطاطها. (يمكنك القراءة عن ذلك في الجوهرة السينمائية الخاصة بالأسبوع الماضي.)

“الفتّوة” نفسه ليس شديد البعد عن شكل فيلم تجاريٍ نموذجي. بطولته حتي مسندة إلي “وحش الشاشة” و”ملك الترسو” بذات نفسه، فريد شوقي، واحد من أوائل الممثلين المصريين الذين قاموا بتصوير مشاهد الأكشن الخاصة بهم بأنفسهم، في زمن كانت مشاهد الأكشن فيه غالباً هي تلقي صفعات حقيقية علي الوجه أو تبادل إلقاء الحمير الحية مع الأعداء. بالرغم من ذلك كان الفيلم محملاً بثقل فكري منح نجاحه التجاري قدراً من الاحترام. بنصٍ خرج من تحت أيدي اثنان من كبار كتّاب السيناريو في هذا الوقت، محمود صبحي وسيد بدير، جنباً إلى جنب مع أديب نوبل نجيب محفوظ، وصلاح أبو سيف نفسه.

يبدأ الفيلم برسالة قصيرة على الشاشة توضّح أن أحداثه تدور في زمنٍ كانت فيه فئة قليلة من المنتفعين تتحكم في مصائر وأرزاق البشر. إنه إعلان واضح عن موقف الفيلم الداعم لثورة ١٩٥٢ والطريقة التي كانت تحاول بها تغيير الأمور. الفيلم على تواصل واضح مع الثورة وما حرّكته من جدل. الرمزية في الفيلم واضحة لحد المباشرة أحياناً. الملك فاروق هو جزء هام من الأحداث: فساده يطال ويصبغ الجميع، حتى بطلنا. صورته المعلقة إلى جوار صورة البطل ستقذف بالطماطم في مشهد المعركة الأخير بينما يسقطان سوياً إلي مصيرهما المشئوم.

هريدي، ذلك النكرة الذي سيحمله النيل إلي ضِفاف القاهرة هارباً من ظلم إقطاعي قريته، بذكاء حمارٍ وقوة حمار، ولاشئ آخر سوى كرامة صعيدية شهيرة  ستكون أول ما سيفقده بعد ذلك من أجل المزيد والمزيد من الجنيهات والأعداء.

بتأثُّرٍ ديني ملحوظ، ترتدي القصة نكهة صوفية مميزة. سيخترق البطل بلاط فرعونه الطاغية عبداً ذليلاً وخادماً مطيعاً بل وحامياً أميناً، فقط ليحطّمه تماماً من الداخل في استلهام واضح من قصة النبي موسى. التحالفات، الطمع، الحقد والخيانة يرسمون رغبات الشخصيات وظروفهم. البطل الذي أنت مضطر للوقوف في صفه ما يلبث أن يفقد كل مبادئه ويتحول إلى وحش أسوأ حتى من غريمه. أسعدني للغاية أنّه لم يتب في النهاية. ينتهي الفيلم بنظرة غاية في التشاؤم حيث نرى النجمين محمود المليجي وهدى سلطان يعيدان تمثيل المشهد الذي بدأت به القصة بأكملها، بعد جملة أسطورية يلقيها ظابط شرطة عن حتمية الصراع بغض النظر عن شخوص المتصارعين.

إنها (قصة صعود من القاع إلي القمّة) تقليدية، النوع الذي كان ومازال مصدراً دائماً للإلهام لصنّاع الأفلام، منذ أن وعوا أن الناس تحب أن تشاهد على الشاشة ما يفشلون في تحقيقه في الواقع. ظانّاً أنه سيغير العالم أو على الأقل سيغير رؤية الناس له، صنع أبو سيف فيلم “الفتوّة” في ١٩٥٧ ولم يدري وقتها بالطبع أنّه بعد ذلك بـ ٥٠ عاماً سيكون مارتن سكورسيزي مازال يروي نفس القصة في “ذئب وول ستريت” لأن الناس مازالوا -على مايبدو – يرون العالم بنفس الطريقة.

عالق في الجهل والفقر والظُلَم المحيطة بحيوات الجميع، يحاول “الفتوّة” توصيل رسالته بأكبر قدر ممكن من الصدق. كان الصدق هو دائماً طريق أبو سيف المفضّل. بإرث عملاق من أفلام دائماً ما انحازت للفقراء وقليلي الحظ، حشر أبو سيف كاميرته في أغرب الأماكن محيطاً إياها بالقذارة والقمامة والوجوه المعذّبة. بأفلامٍ مثل “شباب امرأة” (١٩٥٦)، “بين السماء والأرض” (١٩٥٩) و”الزوجة الثانية” (١٩٦٧) مهد صلاح أبو سيف الطريق لجيل من المخرجين المصريين الذين شكّلوا بعد ذلك ماعُرف بحركة الواقعية الجديدة في الثمانينات.

صحيح أن أفلام أبو سيف اتُهمت أحياناً بالوعظية والمباشرة، إلّا أن مقارنتها بما كان يصنع وقتها من أفلام دائماً ما تكون في صالحها. في وقت كانت السينما تُستخدم فيه -بشكل شديد المباشرة- إمّا في الترويج لأچندة ناصرية محددة لإقناع الناس أن حياتهم كانت تتحسن بسرعة، أو إقناعهم أن كل ماهو قبل الثورة كان خراباً. أو أفلام فقط سيئة جداً جداً.

يتورّط كتّاب “الفتوة” أنفسهم وشخصياتهم في حواراتٍ أخلاقية معقدة بينما يحاولون تبرير أفعالهم التآمرية التي يستعينون فيها بالخيانة والفساد في حربهم علي الخيانة والفساد، ساعين نحو الخير، أو مايظنّونه الخير. في البداية ظننت أن الفيلم كان يحاكي جدلية الثورة/الانقلاب. مشاهد التجّار يلتقون في الأقبية المظلمة ليقسموا على المصحف على الوفاء بالعهد ذكّرتني بصور اجتماعات الظباط الأحرار قبيل ١٩٥٢. ولكن القصة تنتهي بالجميع على نفس القدر من الذنب، لذا من الصعب جداً أن يكون الفيلم كان يقصد الظباط الأحرار – لأن الجميع يعلم أن الظباط الأحرار كانوا أبرياء، صح؟

أعلم أن ما سأفعله الآن ليس احترافياً، لكن لا يمكنني أن أكتب عن هذا الفيلم ولا أذكر تحيّة كاريوكا. من الصعب جداً أن تكون محايداً ومهنياً بينما تكتب عن الدور الذي لعبته المرأة التي كانت يوماً ما حب طفولتك. تحية في الفتوّة هي حسنية، المرأة القوية التي تحاول النجاة من سوق خضروات القاهرة القاتل، وحدها، بعد أن فقدت زوجها. مسلّحة بضراوة وفتنة برّية ساحران. لا أعتقد أن هذا هو فقط رأيي. أداءها في المشهد الذي تقابل فيه هريدي لأول مرّة، الذي تعلّمه فيه أن يأخذ موقفاً ويصنع لنفسه وجوداً في السوق ويرد الصفعة صفعتان، هو مزيج من توجيه أم غاضبة واستفزاز عشيقة حارّة.

ستشعر أحياناً أن الفيلم يحاول الانتصار لهذه المرأة التي تشارك في إدارة الصراع، وتنحت من هذا اللوح البشري رجلاً حقيقياً سيتبع بعد ذلك أكثر رغباته بدائية من جشع وغباء بعيداً عنها. يالها من قصة مألوفة.

لابد أن لذلك معنى إذن، أنّه ولتأجيج الصراع الذي سيشتعل عند نهاية الفيلم، سيعاير فريق الأشرار فريق أبطالنا بأنّهم الفريق الذي يشينه أن به “امرأة”.

اعلان
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن