البحث عن شاشة

في أقل من شهر واحد خطفت الأبصار والاهتمام ثلاث تجارب بصرية تكشف إلى حد كبير التقصير والتراجع الذي نحياه في مجال الإعلام المرئي، “الميدان” لجيهان نجيم و” موج” لأحمد نور ، و”خليك فاكر” لساندرا نشأت.

نختلف هنا على تصنيف كل من التجارب الثلاث وتحديدا اعتبار الأخير فيلماً أو وثائقيا مع عدم تجاهل المغزى والرسالة التي صاحبت ظهوره وعرضه بكثافة، لكن يبقى الجدل والزخم الذي صاحب ظهورها جميعا كافيا لإعادة النظر مجددا، فيما تقدمه قنواتنا على مدار ساعات بثها لمشاهدين يصطفون أمامها يوميا، خصوصا في السنوات الثلاث الأخيرة وما صاحبها من أحداث لا تتوقف.

ستوديو وكرسيان وطاولة، مذيع وضيوف مكررون يطوفون من قناة لقناة، ومشاهد مباشرة في الجانب الأيمن أو الأيسر تكاد تحسها هي ذاتها تتنقل من شاشة لشاشة، بينما كاميرات أخرى تتجول في زوايا مغايرة وتفكر في طرح آخر، لا تجد أمامها سوى قناة الجزيرة تشتري هذا الانتاج، وهذا الجهد في البحث واللقاءات والتصوير والمونتاج وتقدره ماديا ومعنويا وتعرضه.

لا لوم عليها ولا عليهم. لكن أكثر ما يلفت النظر – أدعوك مرة أخرى لتجاهل رسالة الفيديو- في تجربة ساندرا نشأت على سبيل المثال هو الانبهار الذي انتاب البعض من زوايا التصوير وحركة الكاميرا والتقطيع السريع، بالإضافة إلى ما رآه الكثيرون جهدا مبذولا في التنقل بين المحافظات والقرى البعيدة عن القاهرة، دعك أيضا من أن ساندرا لم تفرق بين طنطا والغربية وكتبت في تعريف هدى سلطان بأنها من مواليد محافظة طنطا! لكن المفاجيء هو الانتباه لهذه الصناعة من جانب القائمين على الإعلام في معركة الحشد للمشاركة والموافقة على الدستور، حين أتيحت فرصة العرض بهذا الشكل المكثف لتجربة ساندرا.

تجارب أخرى كثيرة كان نصيبها أن تظل حبيسة مكاتب وأدراج أصحابها، وآخرون محظوظون سنحت لهم فرصة العرض في نوافذ محدودة لها جمهور معين في وسط العاصمة ثم طواها النسيان واكتفى أصحابها بمقالات مديح لا توفي حقهم كاملا في صحف أو مواقع لها ذات الجمهور المحدود. في تجربة موج التي سترى فيها محاولة لمعرفة لماذا لم يذهب مبارك طيلة فترات حكمه الطويل المظلم إلى السويس، البلد الذي منه انطلقت الثورة، سيرى الشريط الذي يعرض حياته وحياة أبناءه في الخامس والعشرين من يناير هذا العام في عرض شعبي لأهالي المدينة، والعرض هنا بادرة من أحمد نور ابن المحافظة وصانع الفيلم الأول من نوعه بهذا الشكل بعد أن طاف به في عدد من المهرجانات والعروض الخاصة.

ستسمع كذلك نفس الحديث عن صعوبات العرض الجماهيري التجاري في السنيمات، مبررة كالعادة من الموزعين والقائمين على دور العرض بأن الذائقة المصرية والسوق لا يرحبان بهذه النوعية. وهذه المبررات تتنافى تماما مع استقبال الفيلم النقدي وكذلك مع الاحتفاء بتجربة أخرى كالميدان، بعد الإعلان عن دخوله ضمن قائمة ترشيحات الأوسكار لهذا العام إذ سرعان ما انتشرت روابط تحميل أجزاء من الفيلم أو نسخ كاملة منه على المواقع المختلفة، وكل ذلك مصحوب بجدل حول ما إذا كان ممنوع من العرض رقابيا أم لا، مع مناقشات بشأن مستواه الفني ومدى نجاحه في التوثيق لمحطات الثورة الفاصلة والأبرز، ومدى تناسب الصورة مع المحتوى وأصوات من ظهروا فيه، ولا يتناسب كل هذا مع الجمهور المتنامي لقناتي الجزيرة الوثائقية وناشيونال جيوجرافيك.

منذ ساعات كتبت صاحبة “الخروج للنهار” -التجربة الناجحة جماهيريا ونقديا- المخرجة هالة لطفي دعوة للتلفزيون المصري أن ينتبه لصناع الأفلام المستقلة بدلا من أن يلومهم النقاد والكتاب على بيعها لروتانا وغيرها من الشركات والقنوات الخليجية، بعد ما عرض فيلمها في أكثر من ٣٠ مهرجانا ونال جوائز مهرجان أبو ظبي والوهر الذهبي ومنتدى الفيلم العالمي ببرلين. والآن دعوة شبيهة أن ينتبه القائمون على الإعلام المصري الخاص لتجارب وطاقات تبذل في صناعة وفن هو الأكثر قدرة على جذب جمهور مل بالفعل الوجوه والحديث المكرر وجلسات الاستوديوهات.

اعلان
 
 
أحمد خير الدين 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن