Define your generation here. Generation What
السلفيون يذهبون إلى صناديق الاقتراع
 
 

أنصت الجمهور بهدوء أثناء حديث أشرف ثابت، المسؤول بحزب النور السلفي، عن عدد من النقاط في مسودة الدستور، إلا أن اهتمامهم تضاعف كثيرًا عندما انتقل للحديث عن تحصين وزير الدفاع.

يوم الخميس، كان ثابت في مدينة الصف بمحافظة الجيزة لإقناع الناخبين بالتصويت بـ”نعم” في الاستفتاء على الدستور الذي يستمر ليومين، ويبدأ الثلاثاء. في يوم من الأيام، كان الدعم الموجه لحزبه قويًا هنا، ولكن منذ أن أدلى معظم الناخبين بصوتهم لصالح حزب النور منذ عامين تقريبًا، تراجع دعم الحزب كثيرًا، إذ لا يحبذ مؤيدوه انحيازه للجيش كثيرا.

وقاطع أحدهم بأدب قائلا “أريد أن أعرف إذا كان وزير الدفاع الحالي سيظل في منصبه لثماني سنوات أخرى”، بينما كان ثابت يحاول تغيير الموضوع. وكان الرجال الملتحين، الجالسين في صف واحد، الواحد تلو الآخر يعيدون صياغة السؤال، وبعد مقاطعات كثيرة، طلب ثابت في النهاية من الجمهور أن يختتم النقاش حول هذه النقطة.

يقول شاب في الصف الأمامي “دعونا نناقش الأمر الآن، فهذا أفضل”.

نحى ثابت تساؤلاتهم جانبًا، وانتقل لقضية أخرى تتعلق بما إذا كان سيتم الاعتراف بالشيعة المسلمين، الأعداء اللدودين للسلفيين، في الدستور الحالي، قائلًا إن ذلك لن يحدث.

ويعتبر حضور ثابت جزءًا من خطة حزب النور لتثقيف الناس حول الدستور ودفع حوالي ٢٠٠ ألف ناخب من المنطقة للتصويت في الاستفتاء لصالح تمرير الدستور، كما يعتبر حزب النور هو الحزب الإسلامي الوحيد الذي يدعم مسودة الدستور، التي سيتم إقرارها بدلا من دستور ٢٠١٢ الذي ساعد نفس الحزب على تمريره والموافقة عليه منذ عام واحد فقط، وتميز بتأكيد الهوية الإسلامية في المجتمع ومرجعية الشريعة الإسلامية كمصدر أساسي ووحيد للتشريع.

وقد أثار دعم حزب النور للدستور علامات استفهام كثيرة، فقد كان الحزب الحليف الموثوق به والمؤيد الأيديولوجي الأكبر للإخوان المسلمين عندما وضعت مسودة الدستور ٢٠١٢، وتضمنت مواد تتعلق بالشريعة الإسلامية مما اعتبر انتصارًا كبيرًا لهؤلاء الذين يريدون دفع الدولة إلى أسلمة مصر.

وعندما قرر حزب النور دعم إطاحة الجيش في يوليو بالرئيس السابق محمد مرسي، وبعدها الوقوف إلى جانب الدستور المدعوم من الجيش، خاطر بخسارة دعم أنصاره من القاعدة التي عمل على ترسيخها على مدار سنوات، وتتكون معظمها من أنصار الدعوة السلفية، المؤسسة الأم التي يعتبر الحزب ذراعها السياسي.

وقال أحمد حمدي، أحد أعضاء مجلس شورى الدعوة السلفية في محاضرة مؤخرًا “إنه قبل ساعات قليلة من تصويت مجلس شورى الدعوة السلفية على دعم أو رفض مسودة الدستور، كان المجلس يميل إلى خيار التصويت بـ(لا)”.

أسست الدعوة السلفية في السبعينات بالإسكندرية، وهي العمود الفقري للحركة السلفية. ومنذ بدايتها، كانت تسعى لدفع مصر نحو المجتمع الأصولي الإسلامي، الذي يحاكي النموذج المجتمعي في المدينة في عهد النبي محمد.

لكن مؤتمر الخميس في الصف يوضح لماذا قررت الدعوة وحزب النور تغيير رأيهما والمخاطرة بخسارة تأييد قاعدة أنصارهما، لأنهما يعتقدان أنهما يمكن أن يتستمرا في اللعب على المدى الطويل فيما يتعلق بأسلمة مصر، ولكي ينجحا في ذلك، عليهما الاستمرار في التواجد كحزب وتجنب التعرض للقمع على يد الدولة الأمنية التي لم تقم فقط بإجبار الإخوان المسلمين وكيانهم السياسي على العودة للعمل في السر، وإنما امتد الأمر أيضًا إلى خدماتها الدينية والخيرية التي كانت تعتبر المفتاح الرئيسي لتحويل المسلمين إلى نسخة الإخوان الخاصة من الإسلام.

يقول عبدالسلام حسني منصور، ٢٦ سنة، طالب وعضو في الدعوة السلفية، إن “الدستور لا يحقق كل آمالنا، فقد أردنا ارتباطًا أكثر وضوحًا بالإسلام الذي نؤمن به، لكن يجب أن يكون هناك تفاوض والدستور سيسمح بإدخال تعديلات عليه بمرور الوقت”.

ثابت أيضًا كان يبرز هذه النقطة باستمرار، “إن شاء الله سيتم تعديل الدستور قريبًا”، ومضى يسرد قائمة التغييرات المحتملة.

كان حزب النور قد فاجئ المراقبين في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، بالفوز بأكثر من ٢٠٪ من مقاعد البرلمان، وقد نجحت الدعوة السلفية في إقناع الناخبين المتدينين بدعم الحزب، إلا أن هذا الدعم بدأ يضعف في مدينة الصف، حسب قول منصور.

من جانبه، يختلف إيهاب البحيري، منسق التوعية الاجتماعية بالحزب في مدينة الصف مع هذا الطرح، ويقول إن الحزب أقوى الآن من أي وقت مضى في القرى الصغيرة في مصر. ويقول “كان هناك عدم اتفاق، وليس اختلاف، بين القيادة والقاعدة، لكننا الوحيدين الذين نحظى بتواجد في القرى الصغيرة والقيادة على اتصال كامل بالقاعدة”.

ومن المنتظر أن يلعب حزب النور دورًا محوريًا في زيادة الإقبال على الاستفتاء في كل أنحاء مصر، فبغض النظر عن المصريين الذين يأملون في أن تدفع الموافقة على الدستور البلاد نحو الاستقرار، يمنح دعم حزب النور الدستور صبغة قوية من الهوية.

ويقع جزء كبير من الشرعية المنتظرة لمسودة الدستور، خاصة بمقارنته مع الدعم الذي حظي به دستور ٢٠١٢، على عاتق حزب النور وقدرته على حشد الناخبين إلى صناديق الاقتراع، ففي قرى داخل مدن مثل الصف، حيث المواصلات العامة والبنية التحتية في أسوأ حالاتها، يصبح حزب النور هو الحزب الأقوى والأكثر حشدًا ودعمًا.

وفي الصف، يقول البحيري إن الحزب سيقوم بتنسيق الجهود الفردية للأعضاء البارزين لجلب الناخبين إلى صناديق الاقتراع، كما إنه يعمل مع فريق كبير من المتطوعين المنظمين للمؤتمرات في القرى المجاورة.

ويزعم البحيري أن أكثر من ألف شخص يحضرون مثل هذه المؤتمرات والمناقشات، وهي المزاعم التي عززها وجود سيدة واحدة فقط على الأرجح بين الحضور الذين بلغ عددهم ١٥٠ شخصًا، والتي قالت إنها حضرت مؤتمرًا آخر. أما البحيري، فقد ألقى باللوم في ضعف الحضور هذه المرة على سقوط الأمطار في وقت مبكر من ذلك اليوم، مما حول الطرق الترابية حول مركز الشباب المقام فيه المؤتمر إلى طرق موحلة.

أما في المؤتمر، فقد حصل الشباب على عناوين البريد الإلكترونية وأرقام هواتف المشاركين الذين وصلوا إلى المركز، استعدادًا للانتخابات المقبلة.

ويقول الطالب منصور إن القدرة على الاستمرار في المشاركة في العملية السياسية مهم، مضيفًا أنه “بعد ٢٥ يناير، كان كل الإسلاميين يأملون في الحصول على دور كبير في العملية السياسية، وكنا نخشى أن يغلق الباب في وجوهنا أكثر، لأنه إذا أغلق الباب أمامنا، سيتجه الناس إلى أفكار أخرى، أفكار منحرفة، مثل التكفير، التي تم تفنيدها فلسفيًا في الثمانينات”، مشيرًا إلى أطياف الأسلمة الراديكالية التي تعزل المسلمين الأكثر اعتدالًا بعيدًا عنها.

وكان رئيس حزب النور، يونس مخيون، قد قال إن الحزب لن يقبل تحت أي ظرف تشكيل جمعية تأسيسية أخرى دون أن تتضمن مسؤولين منتخبين من حزب النور. وكان يتحدث إلى موقع “أنا السلفي” الشهير على الانترنت، وفي الوقت نفسه أوضح أن هناك الكثير من القوى المؤثرة في مصر التي لا يمكن للحزب أن يتجاهلها.

من جانبهم، قال المحللون إن المواد الموجودة في الدستور الجديد التي تمنع تأسيس الأحزاب الدينية تنطبق أيضًا على حزب النور، إلا أن ثابت أكد أن لغة الحزب لم تتغير عنها عند تأسيسه في ٢٠١١، وهو ما قالته أيضا مطبوعات الحزب.

فقد ورد في إحدى مطبوعات الحزب التي تم توزيعها في المؤتمر مع نسخ من الدستور، “الحمد لله أن المرجعية الدينية لا تمثل إشكالية في الإجراءات الدستورية، فنحن حزب مرجعيته إسلامية ولسنا حزبًا دينيًا، أي ثيوقراطيًا”.

في هذه اللحظة، التي يستعد حزب النور فيها للانتخابات المقبلة، يأمل أن يسمح له قراره بالمشاركة بالبقاء في العملية السياسية، على العكس مما حدث لبقية حلفائه السابقين في جماعة الإخوان الذين أصبحوا الآن محظورين ويحاكمون باعتبارهم إرهابيين. وتعتبر الحملة من أجل الدستور جواز مرور الحزب إلى الحفاظ على بنيته الانتخابية، وربما توسيعها، وهي القاعدة التي مكنته من الفوز بعدد كبير من المقاعد في الانتخابات الماضية.

ولكن الدليل العملي يقول إن تحالف الحزب مع الجيش يحمل بين طياته مخاطر عدة، فمعارضة الجيش تنمو وتزداد، وقد رأت “مدى مصر” صورة واحدة فقط للفريق عبدالفتاح السيسي وزير الدفاع معلقة في مدينة الصف.

يقول منصور إنه عقب الإطاحة بمرسي، كان هناك الكثير من الصور له المعلقة في كل مكان، لكنها أزيلت بعد أن هاجمت قوات الأمن اعتصامي الإخوان المسلمين في ميدان رابعة العدوية والنهضة.

أما الآن، فالحزب لا يرى، لمصلحة بقائه الخاصة، أي بديل عن المشاركة. يقول منصور “ما هو البديل عن عدم المشاركة؟ ذلك البديل سيكون كارثيًا”.

اعلان