Define your generation here. Generation What

ابن الدولة المعمم

نقرة عذبة الصوت نقرها، على باب صفحتي على فيسبوك، برسالته التي تبدأ بصورة وجه مبتهج، يغمز بعين ونصف مفتوحة. تحمل الرسالة رابط تغطية صحفية لكلام منسوب للمفتي السابق، تتصدره صورته بالعمامة الأزهرية وجبته وقفطانه وملامح وجهه السمحة باللحية المُهندمة المعتنى بها وبلون شعرها الناصع البياض. يقول عنوان التغطية الخبرية أنه يقول:”من سيخرج للتصويت مؤيد من الله”.

أضيف هذه الرسالة الى رسائل سابقة له عن مواقف لمشايخ من الأزهريين تدعم استخدام السلطة للقوة ضد الإخوان، وضدد الهجمة السلفية على الأزهر، وتعاليمه ومنهاجه. ورسائله ردا على سيل الرسائل التي وصلته مني خلال العامين الماضيين عن استخدام الدين وتعاليمه كشعار، مجرد شعار، يُحرق دعائيا لتسيير عربة السياسه، والصراع على السلطة من قبل جماعات تديين السياسة، من “غزوة الصناديق التي قالت للدين نعم” الى يومنا هذا. ولم تخدع عيني الوردة اليانعة الحمراء التي ختم بها، عن فحوى رسالته وفحيحها.

لي مع فضيلة المفتي السابق، بيني وبين نفسي مشوار، منذ تصريح شهير نشر عنه في الصحف منذ سنوات تعليقا عن مراكب الغرقى من شباب مصر وهالكيهم في بطن البحر المتوسط سعيا للهروب الى شاطيء أوروبي. فوصفهم هو “بالطماعين” و اضاف “كيف ينفقون الآف المؤلفة، التي لو استخدموها اسثمارا ما احتاجوا الى السفر لكن لطمعهم في المزيد والمزيد يهلكون أنفسهم”. وكان موقفه هذا من أحد دوافع كتابة كتابي الأول، “مهاجر غير شرعي” لربما يعيش فضيلته وغيره من خلال الكتاب التجربة الحية لهذه الهجره التي تناقض ما كان يتصورونه.

وكان لانفتاح فضيلته في التسعينات على المثقفين  بصفته عالم الشرع المتصوف المنفتح على التيارات الأخرى، وعلى ما يحدث في الحياة، عامل جذب لكثيرين في وقت كان فيه الصراع مباشر بين سلطة الدولة وجماعات تديين السياسة المسلحة. كان يمثل هو العالم الذي يدافع عن وجود الدولة ضد الهجمة الشرسة عليها التي تهددها في صميم وجودها. فعلاقة فضيلة المفتي السابق بالدوله هي مرآة  لإرث طويل من التزاوج  بين المثقف المعمم و الدولة المصرية الحديثة.

الدولة المصرية الحديثة، التي نعيش في ظلالها، هي دولة محمد علي. و طبيعة لحظة تكوينها مازالت تشكل جوانب ملامح الدولة الآن،  و بالاخص فيما ترطب على دخولها للعصر الحديث بعملية تحديث آتية من السلطة يديرها رجل بمنطق سلطة الفرد (السياسي)، وتُفرض بالقوة على البلاد وعلى العباد، مما جعل عملية التحديث هذه تتم “نص ونص”، زهرة من هنا وزهرة من هناك، في عملية تلفيق بين القديم والحديث، بين الوافد والموروث، بين الأصالة والمعاصرة، بين الغرب والشرق. من هنا كان دور المثقف هو دور التابع، دور الموظف المنفذ لللأهداف التي يضعها السياسي. ينعم حين يحققها، وحين يغضب عليه رجل السلطة، ينفيه. فنموذج الشيخ رفاعة الأزهري مثلاً  الذي تعلم في باريس، أفرخ نموذج المثقف ابن الدولة: الأفندي المحفلط ابن التنوير المدني. وكذلك المثقف الشيخ المعمم، والذي يمثله فضيلة المفتي السابق.

   ابن الدولة المعمم، يدافع عن وجود الدولة وليس هدفه الإنحياز الفج للسلطة أو لمن بالحكم فقط، بل يدافع عن الكيان الباقي المستمر، دفاعه عن وجوده. فهذه الدولة كونت ما يمكن أن أسميه دولة العمامة، رصيد ثقافي كبير من خلال جيش من قراء القرآن الكريم، بجانب  الدعاة الأزهريين وعلماء الشرع الكبار الذين قامت على جهودهم كل عمليات التلفيق خلال القرنين الماضيين لوضع قوانين مأخوذة من الإجتهادات الفقهية للفقهاء المسلمين.

كما كان القلب الفكري للمنظومة هو التصور الأشعري في العقيدة، والأصول الفكرية الأربعة التي أصلها الإمام الشافعي في فهم القرآن والسنة واستنباط الأحكام، و ايضاً المزيج الذي مزجه الإمام أبو حامد الغزالي بين كل هذا وبين التصوف.

إلا أن هذا النموذج الذي استمر قرونا، وما دخل عليه من تطور خلال فترة الدولة الوطنية الحديثة، قد أصابه الوهن بعد هزيمة سبعة وستين، كما حدث مع كل شيء بالبلاد. وأصبح هذا النموذج وذلك الشيخ المعمم ابن الدولة المخلص، يُحارب وبضراوة داخل المؤسسة الأزهرية ذاتها. و منذ تلك الهزيمه و مرورا بأربعون عاما من التشظي شهدتها مصر، ومع لفيح مال بترول الصحراء الجاف الحنظل، ازدادت الحدة في محاربة هذ المعمم ابن الدولة. كما ازداد وضعه سوءاً مع نمو نفوذ جماعات تديين السياسة، واستقطابها الكثير من الشباب. وتلاحظ أن معظم قادتها ومنظريها من طلبة التعليم المدني، وقلما كان فيهم أزهري قٌح.

ومع وصول تنظيم الإخوان للسلطة برلمانا ورياسة بعد ثورة الخامس والعشرين، زادت محنة ابن الدولة المعمم. عامان من المرار، حتى آتاه الفرج.  فدفاعه عن الدولة لا يقل عن دفاع شيخ غزوة الصناديق عن وصول الإسلامويين للحكم. فهو يدفاع عن معتقده و لكنه أيضا دفاع عن مستقبل لقمة العيش.

ففي النهاية، استخدام الدين لغرض مُسبق لا يفرق في الحالتين، و لا يفرق ان كانت الأهداف نبيلة والغايات سامية. فهذا الإستخدام النفعي للدين يحوله الى شعارا يُحرق في سبيل سريان عربة السياسة التي تأكل في طريقها أي جهود حقيقية لبناء تحديث من ألاسفل، تحديث لا توجّهه السياسية او مٌعسكر، تحديث حي، تحديث في قلبه الإنسان.

فلا فرق بين أن “تقول الصناديق للدين” نعم أو أن “من سيخرج للتصويت مؤيد من الله”، ولا فرق ان نطق بها شيخ يلبس شال أبيض على رأسة، أو معمم أزهري. لا فرق بين أن تأتي من إسلاموي يعمل لصالح التنظيم، أو تأتي من إبن الدولة المعمم المدافع عنها. أنهما وجهان لشيء واحد اسمه الإستبداد باسم الدين.

***

أفكر أن أرسل ما كتبت في رسالة إليه في صندوق رسائلة على فيسبوك، ليس لكي أرد عليه وندخل في سجال، كالسجالات التي تملء حياتنا، بل لكي أشكره أن رسائله لي جعلتني أفكر سم أصيغ الفكرة نصا، وأفكر في نوع الوجه الذي سأختم به رسالتي.

والله أعلم

اعلان