Define your generation here. Generation What
جواهر السينما المصرية: “واحد صفر”
 
 

الزمان هو منذ سنوات قليلة، ونحن جالسون في دار سينما، ننتظر ذلك الفيلم ليبدأ. الإعلانات التشويقية للأفلام المصرية التي ستعرض قريباً تحول كالعادة بيننا وبين بداية الفيلم. معظم ما نراه هو رقص شرقي، موسيقى شعبية، صفعات على الوجوه، قفشات رخيصة ولحظات ميلودراميّة. لا يمكنك حتّى التفرقة مابين إعلان والآخر من شدة تشابههم. كل شئ أمام نفس الخلفيّات، محاط بنفس الضوضاء، ومقدّم بنفس الطريقة. ثم يُعرض الإعلان التشويقي لفيلم “واحد صفر”. كل شئ مازال متشابههاً ولكن في نفس الوقت هنالك ثمّة إختلاف شديد الدقّة.

الإعلان سعيد، مثير، صاخب ومفعم بالحيّوية. فيه رقص شرقي، أغنية مبتذلة، لحظات ميلودراميّة، وإلهام شاهين. ومع ذلك يبدو مختلفاً تماماً، عندما ستطلق امرأة ما نكتة قبيحة بينما تساعد امرأة أخري في إزالة شعر ساقها، ستشعرك إضاءة المشهد أن ثمّة شئ ما حقيقي وأليف يحدث.

بعد “حين ميسرة” لخالد يوسف في ٢٠٠٧ وُلد مصطلح “أفلام العشوائيات” وعلا اللغط به في جنبات صناعة السينما المصريّة. الكثيرون جداً سائهم للغاية كيف أن خالد يوسف صنع فيلماً عن الحياة البائسة التي يعيشها فقراء عشوائيات القاهرة.

“يسئ لسمعة مصر” كانت تلك هي الشكوي. من المنطقي عندما تكون مستفيداً من مجريات الأمور أن لا تحب أبداً أن يتم تذكيرك بهولاء الذين يدفعون الثمن. بالرغم من ذلك “حين ميسرة” كان فيلماً شديد الرداءة، وفي رأيي ما يسئ لسمعة مصر في الحقيقة هو اعتباره فيلماً مهمّاً.

بعد “حين ميسرة” بدأت موجة من “أفلام العشوائيات”. أغوتها إيرادات “حين ميسرة” العظيمة، التي يدّعي البعض أن مصدرها الوحيد كان مشهد الجنس المثلي بين نجمتان “تتصدران” المشهد السنمائي المصري اليوم بقوّة، سمّية الخشّاب، وغادة عبد الرازق.

صناعة فيلم في مصر عن مصر في ٢٠٠٩، بينما موضة سينمائية مثل تلك تُخلق، وتحت ضغوط مثل هذه كانت -وستظل دائماً- مهمّة شديدة الصعوبة. وصنّاع “واحد صفر” بقيادة الكاتبة مريم نعوم، والمخرجة كاملة أبو ذكري تعاملوا فيما يبدو مع هذا التحدي بذكاء واضح.

تشعر أن فريق العمل، أو على الأقل نسبة كبيرة منهم هم أناس يواجهون مشكلة مع الانتماء لمشهد سينمائي إشكالي للغاية. في كل مكان في العالم يجد الكثيرين من صنّاع الأفلام أنفسهم ممزقين بين صنع أفلامٍ تعبّر عمّا يشعرون به وما يشغلهم، ومابين كونهم جزء من شبكة مالية وثقافية شديدة التعقيد، تؤثر فيها آليات ويحكمها واقع يبتلع كل شئ ثم يلفظه بصورة محددة للغاية.

الأمر في مصر أكثر فجاجة.

إنّه لأمر محرج لكثير من صنّاع السينما أن تكون جالساً في دار عرض تشاهد عملاً من إنتاج السبكي وكل ما بخاطرك هو “لا أصدّق أنّني أتكسّب من نفس المهنة التي يتكسب منها هؤلاء” (السبكي هو رجل أعمال مصري كانت استثماراته معتمدة بشكل رئيسي على تجارة اللحوم حتي قرر في الثمانينات أن يكون أهم منتج سينيمائي مصري، ولسبب ما نجح في ذلك). يكون هذا الإحراج قوياً جداً أحياناً لدرجة أنّه يدفعك لترك السينما غارقاً في إحساسك بذاتك، إلي الحد الذي قد يجبرك على أن تتصل بأحدهم لتحصل على تمويل ما فتصنع فيلماً يحدّق الناس فيه في الفراغ ولا يتحدّثون إلّا نادراً. فقط لتنأي بنفسك إلى أبعد نقطة عن رائحة السبكي التي تزكم أنفك في كل مكان. لا مشكلة في عمل ذلك، والكثير من صنّاع الأفلام يفعلونه، ولكن ما يثير حماسي للغاية هو عندما يقرر صنّاع الأفلام سلك مسار ثالث.

إنّه لأمر مبهر كيف أن صنّاع “واحد صفر” أقنعوا الحكومة المصرية بإنتاجه.

“واحد صفر” لا يحاول التأكيد على كونه فيلماً مختلفاً على الإطلاق، بالرغم من مدى الإتقان المبذول في صنعه. بالطبع هو فيلم ذو رسالة سياسية واضحة وثقل فنّي، إلّا أنّه مثير للإهتمام كيف أن هذه العناصر لم تقاطع مع مشاهدتي للفيلم. هو في نهاية المطاف دراما بسيطة عن مجموعة من البشر يحاولون المضي قدماً في حيواتهم عبر ليلة صعبة في قاهرة ٢٠٠٨. نفس قصّة الكثير من الأفلام التي صُنعت في مصر مابين ٢٠٠٥ و ٢٠١٢. ياللرمزية!

نعوم، في نصها السينمائي الأول، كانت مهتمّة بتطوير شخصياتها لكي نعجب بهم أكثر من اهتمامها بأن نعجب بها. أبو ذكري، بعد مشوار قصير من صناعة الأفلام التي اتسمت معظم الوقت بالرومانسية سواء على مستوى المواضيع أو طريقة الإخراج، تفاجئ الجميع بفيلم شديد الحرّية والتجريب. الكاميرا تطفو في عشوائية طول الوقت، والمونتاچ حاد وجرئ. كان الأمر مفاجئاً لدرجة أنني تصورت أنها لم تكن مخرجة الفيلم وأنّني تصورت ذلك عن طريق الخطأ.

يتابع الفيلم ١٠ شخصيات مختلفة في يوم سيلعب فيه منتخب مصر مباراته النهائية في كأس الأمم الأفريقية. يمكنك أن تقول بكل أريحية أن كل من مثّل في هذا الفيلم كانوا مذهلين. من إلهام شاهين التي تخلّت عن إرثها العملاق من الآداء المقولب، لتؤدي دور امرأة قبطيّة معذّبة بين علاقة مع شاب يصغرها في السن بينما ساعتها البيولوچية تسير أسرع مما تحبّذ، ومابين كنيستها التي لن تسمح لها بما تريده. وحتى هؤلاء الذين يظهرون على الشاشة لأول مرّة، مثل عمر السيد الذي يؤدي شخصية ضابط شرطة حديث التخرّج، يصرخ في الجميع ملوحاً أمامهم بذكوريته بينما كل ما يشغل باله في حقيقة الأمر هو مبارة كرة القدم. حتى أحمد الفيشاوي -بطل السيت كوم الجماهيري الشهير آنذاك “تامر وشوقيّة”- وخالد أبو النجا -الذي يلعب دوراً ربّما لأول مرّة في تاريخه ليس قائماً بالكامل علي كونه رجل وسيم-  قدّما آداءًا رائعاً في هذا الفيلم. لا أذكر من قال أن النص الجيد يجعل من المنضدة ممثلاً جيداً، لكن هذا الفيلم بكل تأكيد يؤكد هذه النظرية بقوّة.

أدرك هذا النص، منذ كان مجرد فكرة أنّه سيعتمد بقوّة على التمثيل. خاض المغامرة، ووثق في ممثليه فاستجابوا. لكل شخصية إحباطها المتراكم تدريجياً حتي لحظة إحراز هدف الفوز. تتفاعل الشخصيات مع بعضها البعض، ويظهرون في حيوات بعضهم البعض بشكل مباشر أو غير مباشر. الأمر بشكل كبير متعلّق بالعدل والظلم ومدى نسبيتهما. ستفكر في النسبية كثيراً بينما تشاهد هذا الفيلم -ستتذكر مشاعر مشابهة من أفلام مثل “بابل” و “كراش”- حيث المعاناة هي فكرة شديدة المرونة، سواء كانت هموم مذيع تليفزيوني ناجح حول معنى مهنته، أو صراع امرأة عاملة بسيطة مع ابنها المراهق على قروش قليلة.

مباراة كرة القدم وأجوائها الاحتفالية تحيط الجميع صامّة آذانهم، فلا يسمعون بعضهم البعض، ولا يستمعون حتى لأنفسهم.

الإنكار الذي يقصي الناس عن أفلام مثل تلك هو بالضبط ما يصر الفيلم على تذكيرك به. الدهاء والخديعة اللتان استخدمهما الفيلم لاستدراجك لمشاهدته، هما نفس ما يمارسه كل من في الفيلم على من حولهم. رأيت الحسناء زينة في الإعلان ترقص وتغني ولكنك في الفيلم شاهدتها تمتهن وتُستغل من قبل منتجٍ بشع. قال لك الإعلان أنّ هذا فيلم عن مباراة كرة قدم، بينما أحضرك الفيلم للسينما لتفكّر لماذا تريد مشاهدة فيلماً عن مباراة كرة قدم؟ لحظة النصر المحزوقة عندما تفوز مصر بالكأس في ٢٠٠٨ كانت مسيّسة للغاية: اتُهم نظام مبارك دوماً بإستغلاله لكرة القدم في إلهاء الناس عن إخفاقاته. تشاهد في “واحد صفر” أناس كثيرون يتم إلهاؤهم بالفعل، بيد أن الإلهاء أحياناً يأتي من الداخل.

اللقطات التي سترى فيها آلاف المصريين يملأون الشوارع بعد المباراة بفوضى وجنونية غير مفهومة، وألوان علم مصر في كل مكان، ستربكك للغاية عندما تفكّر في أنّها التقطت قبيل الثورة بعامين.

“جواهر السينما المصرية” سلسلة تستعرض الأفلام المصرية الشيقة من كل العصور.

اعلان