فيلا ٦٩: الفيلم الذي لم يستغل إمكانياته
 
 

يضم فيلم “فيلا ٦٩” الذي يعرض حالياً في دور السينما مجموعة من الوجوه المألوفة بالسينما المستقلة، وهي نوع غير سائد في السينما المصرية.

ويعتبر “فيلا ٦٩” هو أول فيلم طويل من إخراج أيتن أمين والتي شاركت في العديد من الأعمال مثل فيلم “زي النهاردة” (٢٠٠٨) من إخراج عمرو سلامة، كما أخرجت أحد الأجزاء الثلاثة للفيلم الوثائقي “التحرير ٢٠١١: الطيب والشرس والسياسي” (٢٠٠٨). الفيلم من بطولة خالد أبو النجا المعروف عنه مشاركاته بالأفلام التي لا تنتجها الشركتان المسيطرتان على الانتاج السينمائي في مصر، ويشاركه في الظهور كلاً من المخرج القدير خيري بشارة والمخرج عمرو سلامة الذي أخرج فيلم “أسماء” (٢٠١١) والسيناريست محمد الحاج، بالإضافة إلى المخرجة هبة يسري وعازفة الأوكرديون يسرى الهواري.

في وجود هؤلاء، من العيب إذن ألا يلقى الفيلم استحسان الجمهور.

فالفيلم يدور في إطار عائلي حميم لمجموعة من الشخصيات أحدهم رجل عجوز ذو طبيعة سريعة الغضب، ووجدوا أن العجوز لديه الكثير ليتعلموه منه. ويلعب أبو النجا دور الرجل العجوز وهو مهندس معماري مريض، لكن التفصيلة المتعلقة بكونه مهندس معماري لا تؤثر على شيء من مجريات الأحداث.

أحد أهم الأسباب التي تجعل الفيلم لا يبدو واقعيا أن أبو النجا صاحب الـ ٤٧ عاماً يلعب دور الرجل العجوز، فهو يحاول أن يبدو منحنياً بعض الشيء، مع قليل من الشعر الأبيض المنتشر في رأسه، كما يحاول المشي كعجوز. وعلى الرغم من محاولاته لإتقان الدور فلا يزال أبو النجا يحتفظ بمظهره الوسيم وإطلالته الشابة، وهذا ما جعل الأمر يبدو كما لو كان مسرحية مدرسية، ولا أفهم لماذا لم يتم تكليف ممثل عجوز بالفعل للقيام بالدور وهناك الكثير منهم على الساحة الفنية.

أحد هؤلاء الأقارب والأصدقاء الذين أحبوه في نهاية الأمر، رغم مزاجه المتقلب وسرعة غضبه، فتى صغير بعقلية (إيمو) ويلعب دوره “عمر الغندور” الذي يظهر في دور مراهق يلقي التعليقات المبتذلة، حيث يرتدي دوماً ملابس فضفاضة (هودي) ويشاهد أفلاماً إباحية، بالإضافة إلى كونه عازف جيتار يدخن الحشيش ولا يملك الجرأة أن ينظر في عيني أحد. شخصية أخرى تلعب دورها “أروى جودة” وهي صديقة المهندس المعماري التي لا تضيف الكثير للفيلم سوى أنها تبدو فتاة جميلة، نفس الأمر بالنسبة للفتاة الصغيرة التي يحبها الفتى المراهق وتلعب دورها “سالي عابد” وتأتي أفضل اللحظات للفتاة عندما تعزف البيانو بينما تتطاير خصلات شعرها بفعل ماكينة هواء على ما يبدو.

وتلعب الفنانة لبلبة التي تقترب من السبعين من عمرها ويظهر عليها آثار عمليات التجميل، دور أخت المهندس وللأسف لم تقدم أيضاً لبلبة التي بدأت مشوارها الفني في طفلولتها الكثير في الفيلم، فهي تعيش بفيلا أخيها رغماً عن إرادته وتوجه له القليل من النقد، كما أنها تقوم ببعض أعمال النظافة وابتياع الأغراض. وفي بداية الفيلم تبدو لبلبة أنها قد تمثل جانب الشر بالمنزل، لكن تلك التفصيلة هي الأخرى تتلاشى مع تطور الأحداث.

وقد برز ظهور هبة يسري في دور الممرضة القائمة على رعاية العجوز، لأدائها الذي بدى مقنعاً إلى حد كبير. فهي على الأرجح أفضل الشخصيات بالفيلم على عكس الشخصيات الأخرى، والتي كانت إما مزعجة كما هو الحال مع شخصية المهندس أو سطحية ذات بعد واحد كما هو الحال مع باقي الشخصيات.

تلعب الفيلا، التي تم تصوير كل المشاهد بداخلها باستثناء المشهد الأخير، دوراً يبدو مثيراً للاهتمام أكثر من أي من الشخصيات التي شاركت في الفيلم. فهي عبارة عن مكان متسع يطل على النيل ببوابة زجاجية دائرية الشكل وبها بعض قطع الآثاث الجميلة. وفي بداية الفيلم تظهر بعض المشاهد الصامتة والصور الثابتة لأثاث المنزل الذي يبدو آسراً، لكن عرض اللقطات لا يستمر بشكل منضبط. فعلى الرغم من وجود بعض اللقطات الجيدة لأجزاء الفيلا، فلا يمكن للمشاهد أن يبني تصوراً واضحاً عن المكان برمته. في الواقع يبدو كل مشهد منفصلاً عن الآخر ليعطي المُشاهد في النهاية فيلما بلقطات غير متسقة مع بعضها.

وهو ما يأخذنا للحديث عن التصوير السينمائي للفيلم كله، فمعظم التصوير يلتفت، بشكل تقليدي، على نوع من المشاهد المطولة للغاية التي تركز على وجوه أشخاص ينظرون إلى أشياء معينة. لكن هذه المشاهد يتم قطعها بأساليب غريبة، مثل لقطات فنية متعمَّدة (مثل اللقطة لشخص يغسل الصحون من وراء زجاج ضبابي، ولقطة أخرى تكون عبارة عن مونتاج رديء لشخصية يتطاير شعرها بفعل مجفف الشعر ومشهد لحشائش تتطاير من أثر الرياح) أو ربما يزداد الأمر سوءاً من خلال حركة تقريبية مهزوزة وغير متناسقة بالكاميرا أو حركة دائرية سريعة وفجائية إلى حد كبير، فتجعل الأمر يبدو قليلاً كما لو كان فيلماً منزلياً.

كثير من مشاهد الفيلم لا يظهر لها غرض واضح، فمثلاً هناك الجار الأصلع ويؤدي دوره “خيري بشارة” الذي يمارس رياضة الجري، لكنه لا يضيف أي شيء للفيلم، ربما كان المقصود أن يكن مضحكاً أو شيء من هذا القبيل؟ بالإضافة إلى مجموعة مشاهد غريبة للمهندس يلتقي فيها مع ثلاث شخصيات يرتدون ملابس من عصر السبعينيات، وفي نهاية الفيلم اقتنعت نسبياً أنهم كانوا مجرد هلاوس أو ارتجاع فني (فلاش باك) لكن الأمر لم يكن واضحاً. شخصيات تلك المشاهد يتحركون في سياق مشاهد تفصلهم عن باقي الفيلم، ما يجعل المشاهد يفترض أن فصلهم عن الشاهد الأخرى مقصود حتى يبدون كأنهم مجرد حلم، لكن المشهد ذو طبيعة فاترة ورتيبة، ولم نستطع في النهاية أن نكتشف من تكون تلك الشخصيات.

ساعتين من العرض مرتا كزمن طويل، خاصة مع عدم تغير مجريات الأحداث في جميع أجزاء العمل، بالإضافة إلى عدم وضوح الأهمية المتعلقة بأي شيء. ربما كان إجراء تعديلات جذرية أن يجعل منه عملاً أفضل، أو قد يكون أفضل له إن صيغ في صورة عمل درامي وليس فيلم سينمائي. وبالتأكيد هو يمتلك مقومات الأعمال التلفزيونية في نمطها الفني وطريقة التمثيل وسير القصة، حيث لا يحتوي الفيلم على نقطة مفصلية تصل فيها الأحداث إلى ذروتها، كما هو الحال في الأفلام.

ويضرب “فيلا ٦٩” مثلاً عملياً للأخطاء التي تقع فيها العديد من الأفلام المصرية المستقلة القليلة الجودة، فهي طويلة وعاطفية للغاية، كما أنها تحوي الكثير من المشاهد التي تقترب فيها الكاميرا من وجوه شخصيات ينظرون إلى الفراغ. لحسن الحظ، هذا ليس خاصية لتمييز الأفلام المستقلة.

اعلان
 
 
جينفر إيفانز 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن