Define your generation here. Generation What
الاقتصاد المصري في السنة الجديدة
 
 

مع مرور ثلاث سنوات منذ قيام ثورة يناير ٢٠١١ لم ينفذ الكثير لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من بقايا الوضع الاقتصادي المنهار والمثقل بأعباء الاضطراب السياسي الدائر؛ ناهيك عن الحديث عن سوء الإدارة، لينهي الاقتصاد المصري عاماً آخر من الهباء.

وأضف إلى ذلك تزايد حالة الخوف من الإرهاب التي نعيشها الآن.

وكنت قد بدأت التفكير فيما يمكن أن تعنيه سنة ٢٠١٣ لظروف الاقتصاد المصري (أشياء ليست جيدة بالتأكيد)، في محاولة لتصور كيف يمكن أن تبدو السنة القادمة (قاتمة في أحسن الأحوال)، إلى أن أفحمتنا الحكومة بإعلانها جماعة الإخوان المسلمين تنظيماً إرهابيا.

فما الذي يمكن أن يحمله إعلان مثل هذا؟ وما هي التداعيات المصاحبة له؟

بالتأكيد لسنا بصدد جدال حول مدى المحاسن السياسية والعمق الذي يحمله مثل هذا القرار؛ فهذا  التحليل من الأفضل أن يترك لمحللين سياسيين، وأنا لست واحدة منهم.

على الرغم من هذا فإعلان مثقل بهذا القدر من العواقب لا يمكن غض الطرف عن تأثيره على نطاقات أوسع، فبالتأكيد ثمّة تداعيات اقتصادية واجتماعية وأيضاً ثقافية قد يتضمنها هذا الإعلان أبعد من طبيعته السياسية.

فما هي المخاطر الإضافية التي يمكن تضمينها في مثل تلك الحالة- دولة أعلنت أنها تحارب جماعة إرهابية تتكون من مئات الآلاف من الأعضاء الذين يعيشون بين مواطنيها العاديين؟ كيف يمكن أن ينعكس هذا الإعلان على حسابات المخاطر الخاصة بفئات معينة- أجنبي أو سائح أو مستثمر؟

قد يكون من المبكر جداً الحديث عن الأمر، أو ربما يكون الطرح مثقل أكثر من متطلبات الوضع الراهن.

وقبل بداية ٢٠١٤ وضعت الطرح أمام العديد من العاملين بالقطاع الاقتصادي وكذلك المحللين الذين أثق بهم كثيرا، لقياس النتائج الاقتصادية المحتملة لقرار الحكومة بإعلان جماعة الإخوان تنظيماً إرهابيا، بالإضافة إلى التحركات التي ستتبع القرار ضد أعضاء الجماعة ومناصريها وممتكلاتها.

وكانت أصدق الإجابات وأكثرها دقة من أحد مصادري، والذي أجاب على تساؤلي قائلاً “سأتجاوز هذا الطرح المثقل، وأتمنى أن تكون ٢٠١٤ عاماً سعيداً لكي.”

في حين أجاب آخر “معذرةً، فليس لدي أي براهين لأجيب.”

كلا الشخصين يعملان بشركة أسهم خاصة بالقاهرة، حيث قياسات درجة المخاطر والتنبؤ بالمستقبل يلعبان دوراً كبيراً في تحديد قرارات الاستثمار الاستراتيجية.

إنه ليس من الشائع في عالم الأعمال أن ترفع يديك عن الأمر وتعلنها ببساطة “ليس لدي إجابة”، ولأننا نستطيع أن نتلمس الأمر بأيدينا فلم يكن رد الفعل مفاجأة، وفي الحقيقة أحيي فيهما الصراحة.

ولكن غموض وجهة الدولة هو في ذاته انعكاساً للمعضلة الاقتصادية الكبرى التي نواجهها الآن “ضبابية التنبؤ وانخفاض مستوى الرؤية.”

وبينما تجري كل محاولاتنا في أن نطرح عنا سنة  كانت كبيسة، فيبدو أن الاقتصاد يحتاج أن يستعد لسنة أخرى مماثلة لسابقتها رغم محاولات بث الثقة بنشرعكس ذلك. عندما يتعلق الأمر بالاقتصاد فسوف تأخذك الثقة والإدراك بعيداً، لكنها يجب أن تكون ثقة قائمة على فرص قابلة للتطبيق ومستوى معين من التنبؤ والتأكد. على كلٍ يجب قياس المخاطر وإدراتها.

ببساطة أجاب كريم هلال، وهو اقتصادي ورئيس بنك أبو ظبي الإسلامي بالعاصمة، قائلاً إن الإعلان الجديد سيحمل “قدراً ضئيلاً من التأثير، إن وجد أصلاً” على الاقتصاد.

أما أنجوس بلير مؤسس ورئيس معهد سيجنت للأبحاث الاقتصادية بالقاهرة فقد قال “إن التأثير غير المباشر يندرج تحت القرار الذي اتخذته الحكومة ضد الجماعة ومدى استجابته للتحركات الأخرى، بحيث يكون التساؤل ما إذا كان القرار بشأنه أن يحد من قرارات الاستثمار أم لا. لذا يصعب قياس الأمر، فالطرح حقاً يصعب الإجابة عليه للغاية.”

أوضحت له أن تساؤلي يتعلق أكثر بما يعنيه الأمر بالنسبة لدولة تغيرت وجهتها فجأة، فبدلاً من تغيير مسارها السياسي أمست تحارب “الإرهاب”. فهل ستزيد وصمة  “إرهاب” من قلق المستثمرين والسياح أكثر من ذي قبل؟

فكانت إجابته كالتالي “الأمر لا يتعلق بدولة تتخذ إجراءً قانونياً ضد مجموعة ما ومدى تأثير هذا الإجراء، ولكنه عن الضجة المثارة بوجه عام وما إذا كانت هناك أنشطة إرهابية.”

وأضاف أن “المستثمرين يدركون تماماً الأوضاع الأمنية والأمور المتعلقة بحقوق الإنسان، لكن الأمر يرتبط بزيادة الأنشطة الإرهابية، والتي سوف تردع الاستثمارات الجديدة ردعاً.”

فإن استمر استخدامنا لمصطلح “الأنشطة الإرهابية” باعتباره مصطلح فضفاض،  أليس من المتوقع أن يستمر أعضاء الجماعة وأنصارها في رفض الوصف الذي ألصق بهم مؤخراً؟ ألا نتوقع- على الأقل- مزيد من التظاهرات والاحتجاجات التي سيتم مواجهتها بمزيد من الإجراءات الأمنية المفرطة وبدوره سينتشر العنف؟ هل سيؤدي استخدامنا للمصطلح إلى انتشار الهدوء في الشارع؟ وهل نضمن ألا تولد فصول جديدة من العدائية؟

وفي سياق متصل، هل سيوقف إعلان الإخوان تنظيماً إرهابياً التفجيرات التي تطال المنشئات الأمنية، والتي أعلنت عن مسؤليتها جماعة أنصار بيت المقدس الجهادية في سيناء؟ وهل ستتوقف سلسلة العنف التي تلوح في الأفق ضد المواطنين؟

وماذا إن لم يستطع قرار إلصاقهم بالإرهاب أن يوازن العواقب الاقتصادية بعد كل هذا؟ كيف يمكننا آنذاك أن نواجه حالة الركود الاقتصادي الأكثر تعقيداً؟

يقول وائل زيادة، رئيس قسم البحوث فى المجموعة المالية هيرمس، إن التأثير سيكون سلبياً. لكنه أوضح قبل الخوض في الأمر أنه انتقد الإخوان المسلمين بضراوة لفشلهم الذريع في المواجهات السياسية والاقتصادية ولأنهم السبب وراء المسلك الذي نسلكه الآن، مضيفاً أنه يعي حاجة الحكومة لتهدئة الأمور وأن هناك مخاوف من أن الأمور لن تهدأ.

من ناحية أخرى قال زيادة إن جماعة الإخوان ومناصريها جماعة كبيرة، وعددهم قد يصل لمليون عضو… فما هي الإجراءات التي تم اتخاذها لتحديد ما إذا كانوا كلهم إرهابيين؟

وأوضح أن الإخوان لديهم مصالح اقتصادية حتى وإن كانت صغيرة، وهي متمثلة في المدارس و المشاريع الأخرى، والدولة تحاول أن تجفف تلك المصادر، وهو أمر له تأثير اجتماعي مباشر.

وأضاف قائلاً: “على المدى الأبعد للأمور، لا يمكنك القول إن التأثير الاقتصادي سيكون كبير، بل سيكون في نفس مستوى الخدمات ذات الأجندات السياسية والاجتماعية التي تخدم بصورة تكتيكية واضحة جماعة الإخوان المسلمين. وقد لا تملك الدولة بدورها وسائل- على المستوى المؤسسي- التي يمكنها أن تعوض غياب هذه الخدمات.”

وختم زيادة قائلاً “إن أخطر التأثيرات غير المباشرة أننا بالفعل لا نريد الوصول إلى أي وجه من أوجه المصالحة التي ستسفر عن موقف سياسي متقلب للغاية، ما يمكنه أن يحد من الوصول إلى إصلاح اقتصادي جاد.”

وقد حاولت الحكومة مراراً أن تؤكد للمراقبين أن الاقتصاد، رغم كل الأحداث العارضة، يسيرعلى الطريق الصحيح. وقبل بداية العام تحدث الوزراء في مؤتمر صحفي مذاع تلفزيونيا لإطلاع المصريين على مستجدات الأوضاع.

حيث قال نائب رئيس الوزراء زياد بهاء الدين إن الستة شهور الأولى من عام 2013 (وهي النصف الثاني من العام الذي قضاه الرئيس المعزول محمد مرسي في سدة الحكم) شهدت ركوداً ونقصاً في السلع بالإضافة إلى العزلة التي عاشتها مصر عن الاقتصاد العالمي، ومزيد من الأمور السلبية الأخرى.

وتابع قائلاً إن النصف الثاني من العام شهد تطوراً في أداء البورصة، وانتعاشاً في الدعم المالي المتمثل في المعونة التي وردت من الخليج بقيمة 12 مليار دولار، بالإضافة إلى حزمتي التنشيط الاقتصادي البالغة نحو 50 مليار جنيه والتي أنفقت على مشاريع البنية التحتية التي تستهدف القطاعات الفقيرة من المجتمع وإعادة تخزين السلع الرئيسية لمصر- تحديداً القمح والوقود.

قد أكون مخطئة، وقد يكون من المبكر الحديث عن الأمر، ولكن إن كان المؤشر الذي نحن بصدده إيجابي للغاية كما هو الادعاء، فكل ما علينا القيام به هو العودة إلى عام ٢٠١٠ عندما لم يفعل النمو الإيجابي، والاستثمار الأجنبي المباشر، وأداء البورصة، لم يفعل ثلاثتهم الكثير ليرتقي بمعاناة الفقراء. فلا أتوقع أن يتم تبني الإصلاحات البنيوية المؤجلة والقرارات الصارمة فيما يتعلق بالدعم- والتي لا تحظى بشعبية كبيرة- وكذلك سياسات فرض الضرائب في أي وقت قريب.

وبالنظر إلى الأرقام فقد نما الاقتصاد بنسبة ضئيلة قدرها ٢,٢٪ في العام المالي المنتهي في يونيه الماضي. وتسعى الحكومة إلى تحقيق معدل نمو نسبته ٣,٥٪ للعام المالي الحالي، وعليه فقد بدأ البنك المركزي بتخفيض معدلات الفائدة في محاولة لتحقيق النمو وتقليل تكاليف الاقتراض.

ومع الوصول إلى هذه النسبة لا يزال هناك الكثير لتحقيقه من أجل خلق فرص عمل أكثر والحد من ارتفاع نسبة البطالة التي تعدت نسبة ١٣٪.

وفي المقابل تعمل وزارة الاستثمار على تحقيق استثمار أجنبي مباشر قدره أربعة إلى خمسة مليارات من الدولارات للسنة المالية التي تنتهي يونيه القادم، ما يتوقع أن يكون تحسنا عن السنة المالية الماضية قدره ثلاثة مليارات من الدولارات.

وتزيد الحاجة إلى توفير مصدر للعملة الصعبة وخلق فرص عمل جديدة، فقد انخفض الاستثمار الأجنبي المباشر بشدة بعد أن وصل إلى أعلى معدلاته بقيمة ١٢ مليار دولار قبل ثورة يناير ٢٠١١، ولم يستعيد قوته بسبب استمرار حالة عدم الاستقرار السياسي وغياب الوضوح فيما يتعلق بالحوكمة.

وقد وصل سعر الدولار أمام الجنيه المصري ٦,٩ في المزاد الأخير للبنك المركزي، بينما وصل سعره في السوق السوداء إلى ٧,٥ جنيه مصري طبقاً لما نشرته وكالة رويترز للأنباء. حيث علق أحد الاقتصاديين للوكالة على ذلك قائلاً إن السلطات تبدو في محاولة لضبط سياسة معينة والتي من شأنها أن تضعف الجنيه أمام الدولار، وذلك لأن مصر تتأهب لدفع ١,٥ مليار دولار تدين بها لشركات البترول الأجنبية في يناير وهي دفعة من إجمالي دين قيمته ٦ مليار دولار.

وقد واجه قطاع السياحة انخفاضاً أخر في عام ٢٠١٣ لم يتحسن مرة أخرى إلا بعد أن رفعت العديد من البلدان الحظر الذي فرضته  على مواطنيها من السفر إلى مصر، والذي كان قد فرض في أغسطس الماضي. ولا يزال عدد السياح وإيرادات السياحة أقل مما ينبغي، فأي إصلاحات مرتبطة متوقفة على عودة الأمن.

وتبقى البورصة المصرية بمثابة النقطة المشرقة بالأمر، فقد قفز مؤشر البورصة الرئيسي (EGX30) ٢٤ نقطة في ٢٠١٣، على عكس اتجاه الانخفاض الذي كان يحذوه حتى يونيه الماضي. فقد كسر  EGX 30 نقطة المقاومة البالغة ٦٠٠٠ نقطة في ٢٠ أكتوبر الماضي ومنذ ذلك الحين أصبح يقترب من ٧٠٠٠ نقطة.

وظلت مستويات التعامل بالبورصة في مستويات منخفضة إلى أن ارتفعت في شهر سبتمبر، وقاد هذه التحركات صغار المستثمرين المحليين الذين شهدوا زيادة في السيولة بسبب سياسة البنك المركزي النقدية التوسعية، لكن المستثمرين الأجانب ظلوا يراقبون النشاط من الكواليس مع تضاؤل حجم المصالح المرجوة بسبب استمرار مشاكل العودة التي يتسبب فيها فرض ضوابط على رأس المال.

وأشارت وكالة رويترز للأنباء أن نتيجة مسح أجرته الوكالة في ديسمبر الماضي على شريحة تتكون من أهم مديري الصناديق في المنطقة أظهرت تزايد التفاؤل بشأن الإصلاح الاقتصادي على الرغم من استمرار حالة عدم التأكد السياسي.  فمن بين الست أسواق الرئيسية بالشرق الأوسط والتي خضعت للمسح فإن الصناديق أكثر تفاؤلاً بشأن مصر.

وقالت وكالة رويترز إن قرار الحكومة المصرية بإعلان جماعة الإخوان المسلمين تنظيماً إرهابياً الأسبوع الماضي أظهر أن البلاد مازالت تخوض كفاحاً خلال المرحلة الانتقالية الصعبة للعودة إلى الحكم المدني، لكن معظم مديري الصناديق يفترضون أنه سيتم تجنب التدهور الحاد للأمن العام وأنهم سوف يركزون في المقابل على البوادر المتعلقة بمليارات الدولارات المتحصلة من دعم دول الخليج اولتي ستبدأ بدورها في إعادة إحياء الاقتصاد المصري.

تماشياً مع ذلك فإن المستثمرين المحليين والأجانب والاقتصاديين والمحللين سيبحثون بالتأكيد عن بوادر تدل على الاستقرار السياسي كي تحفز الاصلاح الاقتصادي. وسيراقبون عملية الاستفتاء على مسودة الدستور التي من المزمع أن تتم في منتصف يناير، وبعد ذلك سيتابعون الأحداث عن كثب حيث ستجري مصر الانتخابات البرلمانية والرئاسية (ومازلنا لا نعلم أيهما يأتي أولاً).

مرة أخرى، التواجد الأمني يعد بمثابة البوابة التي ستؤكد على سلاسة عملية التصويت.

وعلى صعيد متصل، يقول علاء عز أمين عام اتحاد الغرف المصرية، إن وصف الإرهاب هو سلاح ذو حدين وله تأثير اقتصادي قد يذهب في أي من الاتجاهين.

من ناحية أخرى، أضاف عز أن الجانب السيء في الأمر أن ردود الفعل الإرهابية التي نشهدها … قد يصير لها تأثير قصير المدى على السياحة أكثر من الاستثمارات.”

ورداً على كليهما، وعلى التمنيات السابقة بأن يكون ٢٠١٤ عاماً سعيداً، كل ما يمكنني قوله هو، لا نملك في مقامنا هذا سوى الأمل.

اعلان
 
 
أميرة صلاح أحمد