Define your generation here. Generation What

مترو الزمالك وستة دروس عن آليات بناء المواطنة

أسماؤهم “توني” و”جيجي” و”دودي” و”سوزي” و”فافيت”، يتحدثون اللغات ولا يشبهون المواطن المصري المتوسط. يحبون الحيوانات الأليفة وهم في الغالب أرشق، أيسر حالاً من الناحية المادية، وأكثر اهتمامًا بالبيئة وبأهمية الرياضة والفنون في الحياة.

ورغم ذلك، يمتلك هؤلاء “قصة” عن حشد وتنظيم مطالب لم تكن لتعلم عنها شيئًا أيها القاريء، وفيها يتضح لك الوجه الآخر من أزمة مترو الزمالك.

بدأ هؤلاء السكان في الاجتماع بعد مرحله اللجان الشعبية عقب اندلاع ثورة يناير، وقرروا إحياء جمعية الزمالك العجوز والموجودة منذ سنين. أغلبهم في الأربعينات أو الخمسينات، لهم خبرات مهنية ناجحة خارج أروقة العمل الحكومي.

أنشأ هؤلاء في أواخر ٢٠١١ مجلس إدارة جديد لجمعية الزمالك التي تعج القاهرة بمثيلاتها في أحياء المعادي ومصر الجديدة والعمرانية وحلوان. وشرعوا في تقسيم أنفسهم إلى لجان، واختاروا النموذج الأفقي للتنظيم، فلم ينتخبوا رئيسًا لكل لجنة، كما تركوا العضوية مفتوحة دائمًا أمام السكان وتقسيم اللجان مرنًا لمواكبة التحديات المختلفة، سواء البيئية أو الأمنية.

التقوا واجتمعوا في ساقية الصاوي على مدار العام ونصف العام، إلى أن شعروا بمخاطر التدخل والتلاعب السياسي من بعض المسئولين في الساقية، فاستمروا في الاجتماع والتنظيم عبر الفضاء الافتراضي، وأنشأوا عدة صفحات على فيسبوك وجمعوا توقيعات لوقف عده مشاريع واستكملوا لقاءاتهم في المقاهي والمنازل.

شحذوا الخبرات المتعددة الموجودة بين أعضائهم وقرروا عام ٢٠١٢ وضع أربع أولويات للحي: القمامة، الأشجار، سرطان مقاهي الشيشة التي تأكل الأرصفة وموقع محطة المترو. هنا بدأوا في التشبيك ليس مع “أصحاب المصلحة” فقط من السكان، بل أيضاً مع كلية الزراعة لتنظيم ورش تدريبية لعمال الحي، ومع المحافظة ووزارة الزراعة لإعادة تنظيم حديقة الأسماك، كما حشدوا أنفسهم عده مرات ضد قرار الحكومة بمنح الحديقة الملاصقة لساقية الصاوي لأحد المقاهي، وعارضوا بناء جراج عملاق في شارع ٢٦ يوليو المكتظ، و قاموا بتوكيل محامين لرفع قضايا ضرر.

ورغم تعدد أنشطتهم على مدار عامين وبروزهم كقادة محليين جدد أكثر ديناميكية وانفتاحًا على حركة الشارع والإدارة الذاتية للمجال العام على المستوى المحلي، إلا أن قضية مترو الأنفاق كانت أبرز وأهم أنشطة الجمعية والسكان المهتمين بنشاطها.

في البدء، تمت دعوتهم لاجتماع مع هيئة المترو في ساقية الصاوي في مطلع ٢٠١٢. وعرضت الهيئة حينها مشروعها، في حضور ممثل لبنك الاستثمار الأوروبي الممول لـ ١٥٪ من ميزانية المشروع. وفي نهاية الاجتماع  ونظرًا لحدة النقاش، أشار الضيف إلى إمكانية الاعتراض وإرسال الشكاوى على موقع البنك، ذاكرًا أن أية شكاوى سيتم توصيلها تلقائيًا للوزارة والهيئة.

هنا، بدأ على مدار عام إرسال شكاوى ومقترحات وشهادات متخصصين لموقع البنك، كما تم إرسال مقترح بثلاث مواقع بناء بديلة للموقع المقترح من الهيئة في شارع صدقي. كانت حجة المجموعة والدوائر المساندة لها أن الشارع الذي تم اختياره ضيق كما أنه يضم ٦ مدارس وعدة مبان بها شروخ مسجله منذ زلزال ١٩٩٢ وأن عملية الحفر والبناء ستتسبب باختناق مروري هائل، ناهيك عن مخاطر تصدع الأبنية لمدة تتراوح بين عامين وخمسة أعوام.

تجاهلت الهيئة والوزارة كل تلك الشكاوى والمقترحات، حتى قرر بنك الاستثمار الأوروبي اللجوء لآلية التحكيم بين السكان والجهاز الحكومي قبل البدء في تمويل المشروع. حينها قررت الهيئة انتداب أحد محكميها المعتادين، لكن أعضاء الجمعية اعترضوا وأرسلوا طلبًا بأن تكون جهة التحكيم بمعرفة طرفًا ثالثًا تفادياً لمخاطر المجاملة والانحياز للجهاز الحكومي. بعد هذا التصعيد، لم يملك القائمون على الموقع الإلكتروني للبنك سوى اقتراح الآلية التالية للبت في الخلاف، وهي اللجوء إلي جهة الرقابة الخاصة بالاتحاد الأوروبي عمومًا European ombudsmen.

لم يقتصر نشاط الجمعية على الحشد على هذا المستوى، بل حاولت لقاء الوزير وفتح قنوات تفاوض مباشرة باسم الجمعية. ولم يجد الوزير وقتًا لديه سوى مرة وحيدة، اقترح أثناءها بديلا رابعًا من وحي اللحظة ولم يحاول توثيقه أو عرضه على السكان بعد هذا اللقاء.

وكعادة الأمور في مصر، خفت الصراع عدة أسابيع، ليبرز من جديد على شكل خلاف واضح بين الهيئة ومجموعة من الناشطين من السكان في إطار أو على هامش الجمعية. عادت القضية لصدارة المشهد حين اكتشف عدد من السكان بالصدفة أن الهيئة دعت بشكل شبه سري لاجتماع عام دون إخطار معلن بما يكفي أو قبل الموعد بيوم واحد. ذهب عدد منهم حينها واعترضوا وتم تأجيل الاجتماع بفضلهم، بل تكفلوا أيضًا بالدعوة إليه بشكل موسع. في الاجتماع الثاني، حضر المهندس الاستشاري ممدوح حمزة، الذي صعّد من الخلاف وطرح اقتراح إلغاء فتح محطة مترو في الزمالك حقناً للوقت والمال، ووافق الحضور بعد أن يئسوا من جذب انتباه الهيئة للبدائل المقترحة.

أقيمت عدة اجتماعات بعد ذلك وقام بعض أعضاء الجمعية بدراسات جدوى لمختلف البدائل، كما استقبلوا وفدًا من بنك الاستثمار الأوروبي في نوفمبر الماضي لرصد الحقائق على الطبيعة. إزاء هذا التحرك المنظم من السكان، قررت الأجهزة الحكومية استخدام سلاحها الفتاك المعتاد وأرسلت مستنجدة بالإعلام، تفيد بأن سكان الزمالك يستقوون بالخارج.

ويعكس تلخيص وقائع هذه الأزمة عدة دروس، منها الإيجابي والسلبي.

الدرس الأول هو انتشار أدوات الحشد التي ميزت عام ٢٠١١، ليس فقط بين سكان الأحياء الشعبية وإنما أيضًا بين سكان المناطق، التي توصف بالرقي، واستمرار محاولة تنظيم مطالبهم عبر لقاءات ومبادرات أهلية وتبنيهم لفكرة الحق في الإدارة الذاتية للحي كشركاء، يسعون إلى الحصول على الاعتراف بهم كشريك كامل في اتخاذ القرارات المتعلقة بالإدارة المحلية.

الدرس الثاني هو أن هذه المبادرات على مستوى حي الزمالك تبنت -بوعي أو بدون وعي- معظم أدوات النشاط الدعوي التي تقوم بها منظمات المجتمع المدني والمراكز الحقوقية منذ تسعينات القرن العشرين سواء محليًا أو دوليًا، فيما يتعلق بانتهاكات ميدانية أو إدارية في أحياء مثل حلوان والقرصاية ورملة بولاق…إلخ.

الدرس الثالث هو أن الخلاف بين السكان والهيئة كان القاعدة وليس الاستثناء، فلم يتم السعي لمراضاة الوزير أو التقرب من رئيس الهيئة أو استخدام المنابر الإعلامية، بل على العكس، أدير الخلاف بشكل شفاف ومثابر وعبر القنوات المعلنة. وكانت هذه سابقة هامة في كسر طوق الاحتواء والاحتماء بممثلي السلطة السياسية لصياغة أو تنفيذ مقترحات.

الدرس الرابع هو أن التنظيم المحلي القائم على التطوع ليس حكرًا على المناطق الفقيرة وهو يعد بحق لبنة في تكوين جيوب للمراقبة الشعبية لأداء الأجهزة الحكومية؛ لبنة تعد مرتكزًا أساسيًا إذا أردنا يومًا أن نغير من أساليب اختيار وأداء المحليات كمستوى للتمثيل الشعبي للمواطنين.

الدرس الخامس هو تلاعب الإعلام بالعقول ومحاولته دومًا اللعب على الأوتار الحساسة المتعلقة بالفروق الاجتماعية والإقصاء لتأليب الفئات الاجتماعية ضد بعضها البعض، بما يضمن ترسيخ قواعد الحكم السلطوي وراء شعارات شعبوية.

الدرس السادس والأخير هو أن لثورة يناير آثار أهم وأعمق على عقلية المصريين وإحساسهم بأنهم أصحاب حقوق وأن من واجبهم المبادرة لحماية مجالهم الحيوي أيًا كان (مهني، سكني، سياسي) وأن هذا الشعور قد تجذر أو انتشر إلى درجة يستوي فيها من يملك مع من لا يملك، في عدم الثقة بأداء وكفاءة ونزاهة الأجهزة الحكومية.

إن أزمة مترو الزمالك تعد بحق أحد الاختبارات العملية لعلاقة المواطنين بالأجهزة الحكومية بعد ثورة يناير، ونقصد بالعلاقة هنا آليات تنظيم السياسة العمرانية وسياسات المواصلات. وتتمثل أهمية هذا المثال في أنه يخرج بنا من سرداب صراعات الهوية والسياسات الأمنية المقيتة التي احتكرت المجال العام في مصر منذ حوالي عام.

يمكن لك بعد هذه السطور أن تستمر في تصديق أن أهل الزمالك يودون إغلاقها بالمتاريس ومنع الرعاع من دخولها وأن تنسى أن أحياء مثل التجمع الخامس والتجمع الأول مازالت خارج أي شبكة مترو أنفاق في مصر، كما يمكن لك أن تأخذ نفسًا عميقًا لترى مدى اتساع أزمتنا مع آليات إدارة وتخطيط أحد الخدمات العامة الأساسية في مصر: المواصلات العامة، وأن تستبشر خيرًا في أن هذه النخبة حاولت على مدار عامين تغيير قواعد اللعبة على مستوى الحي لكسر قواعد الخضوع والولاء التي ميزت النخب القاهرية لعقود في علاقتها بالسلطات.

اعلان
 
 
دينا الخواجة