Define your generation here. Generation What
هدى لطفي: قص ولصق
 
 

لم أكن قد رأيت كم العمل المبذول في كل لوحة من لوحات هدى لطفي وتماثيلها وتركيباتها، إلا عندما ساعدتها في لصق مئات العيون داخل أغطية الزجاجات لاتمام قطعتها الفنية “منبوذ” (٢٠١٢). جلسنا في شقتها بوسط البلد ولصقنا العيون في نوفمبر ٢٠١٢ في أثناء الذكرى الأولى لاشتباكات شارع محمد محمود، عندما تحول الاحتفال بالذكرى إلى موجة عنف جديد.

وبينما كانت تلصق الدوائر المظلمة، التي تمثل هؤلاء الذين فقدوا عيونهم قبلها بعام، كانت لطفي تُغرق نفسها في تاريخ مصر الحديث المضطرب، وتهرب منه في نفس الوقت.

فمنذ يناير ٢٠١١، أصبح تتبع الأخبار يشكل جزءًا كبيرًا من روتين لطفي اليومي، لكن مرورها على الصحف وقراءتها لم يكن تمرينًا أرشيفيًا أو أكاديميًا بالكامل، وإنما جعلها قربها من ميدان التحرير، حيث تعيش في وسط القاهرة، غارقة في المظاهرات الاحتجاجية بشكل يكاد يكون حتميًا.

تقول لطفي إن عملها الفني هو ما أبقاها سليمة العقل، مانحًا إياها العلاج والوقت للتفكير. ولم تكن النتيجة تجميع وقائع الأحداث وإنما سلسلة من اللقطات التي تعبر عن خبراتها ووجهات نظرها.

عنوان معرضها الحالي في “معرض تاون هاوس” هو “قص ولزق”، ويشير إلى نشاط لطفي الأرشيفي منذ بداية ثورة ٢٥ يناير بالإضافة إلى عدد من التغييرات في السياق السياسي في مصر. تدربت لطفي على أن تكون مؤرخة تاريخية وتمزج بين فن الكولاج والنحت عن طريق تجميع واستخدام الأشياء من الحياة اليومية -الدمى القديمة، وأغطية الزجاجات والأقمشة- لإضفاء معنى جديد عليها. ولديها خبرة طويلة في تجميع الأغراض من الشوارع، والأسواق المختلفة والإعلام المطبوع، كما اتسعت تلك المهارة مؤخرًا لتتضمن صورًا من الانترنت واستخدام الكاميرا الخاصة بها لتوثيق الأحداث. كان التكرار سمة مميزة لعملها، وغرضه التوكيد، لكنه أيضًا يعكس الدوائر المتكررة للسلطة والعنف.

والأعمال المعروضة في “قص ولزق” هي مختارات من قطع فنية أنتجتها لطفي على مدار السنوات القليلة الماضية، استخدمت فيها عدة وسائل، تتراوح بين المزج والنحت والتركيب والفيديو، تم تنفيذها جميعًا باهتمام مذهل بالتفاصيل، وأصبحت جميعها تشغل جدران ضخمة بأكملها لساحة تاون هاوس.

ويشير تصوير لطفي الخصب لمجندي الشرطة بأشكال مختلفة إلى الرهبة من الوضع الأمني الذي يشهد تغلغل قوات الشرطة والجيش في الحياة اليومية لوسط البلد، ولكن العمل يفرق بين المجند الفرد وقوات الأمن كأداة للسلطة. فهناك سلسلة من ٣٠ صورة بالأبيض والأسود لأفراد من قوات الشرطة، مقطّعة وملصقة على خلفيات خضراء دائرية. كانت لطفي قد أخذت تلك الصور خلال مواجهات مع قوات الأمن المركزي التي كانت، حسب قولها، “قد هبطت بالمظلات على الميدان” في أغسطس ٢٠١١. كانت الفنانة متعاطفة مع هؤلاء الشباب الذين وقفوا في الشوارع لساعات، وغالبًا ما ناموا محشورين في شاحنات.

من ناحية أخرى، يعتبر فيديو “بيادات” (٢٠١٢)، وهو اللفظ الذي يطلق على أحذية العساكر، سلسلة قصيرة من الصور المتحركة لرجال الشرطة وهم يسيرون في تناغم على أنغام موسيقى “تكنو”، كتمثيل للسلطة المؤسسية. ويشبه ذلك، لوحة الكولاج القماشية التي صنعتها، وأطلقت عليها “المشي على عكازات” ٢٠١٢، حيث تظهر فقط سيقان الجنود تدعمها العكازات، مما يرمز إلى القوة والهشاشة في الوقت نفسه. وفي أثناء مشاهدتي لهذا العمل، تذكرت ما قالته الفيلسوفة الألمانية حنا آرنت إن العنف الذي لا رادع له يعيق سلطة الدولة، ويبرز نقص تأثيرها الشديد على المواطنين.

واستخدمت الفنانة صوراً لسلاحف وقطع من الحديد ونبات الصبار ومجموعة من العكاكيز لتوضح سير التاريخ الحديث الذي شهدته. وقد أعادت لطفي استخدام صورة “Gift” أو “منحة” (١٩٢١) للفنان الأمريكي “مان راي”، والتي يظهر فيها صف من المسامير يبرز من القاعدة الملساء لمكواة، لتوضيح ما أسمته “الأضرار الناتجة عن الكي السياسي”.

السلحفاة في الصورة تمثل التقدم البطيء في الفترة التي تلت ثورة يناير، والتي كثيرا ما تستخدم في النكات والرسومات التي تنتقد بطء تجاوب المجلس العسكري، أثناء فترة حكمه، مع المتطلبات الثورية. أما نبات الصبار فيدل على المثابرة في السير على الطريق، ولكنه طريق مرير للوصول إلى مستقبل أفضل. وتتسم الرموز التي تستخدمها لطفي من الحياة اليومية، بقدرتها على ربط جمهور واسع بأعمالها، بإحساس أعمق.

وفي جولة خاطفة داخل أعمال  لطفي، نجد أنها  تبدو وكأنها خيطاً ممتداً للوعي بالنوع الاجتماعي (أو الجنس)، ويظهر الأمر جلياً في بعض الأعمال دون الأخرى، لكنه تقريباً متواجد دائما. ففي معرضها الحالي نرى تطوراً لقطعة فنية سابقة لها تسمى “تعدي الخطوط الحمراء” (٢٠١١) والتي تستعرض وضع المرأة في الشوارع. وصورت لطفي في عمل آخر حوالي ثمانين دمية مع صور لتماثيل إناث مُلصّقين من بطونهم ومصفوفين في ثلاثة صفوف وذلك في لوحتها المسماة “لا تريد مضايقتي” ( ٢٠١٣)، والتي تصفها أنها انتحال لأعمال الفنان السيريالي الألماني “هانز بلمر” في الثلاثينيات والمعروف بأعماله التي صور فيها مجموعة من دمى الإناث البالغة بالحجم الطبيعي، وغالباً ما تُرى على أنها نقداً للفاشية النازية ونقلاً أفضل للجسد المثالي. وتقول الفنانة إنها استخدمت الصورة في إشارة إلى الجدل الذي ظهر تزامناً مع تزايد حضور المرأة على صعيد العمل العام في مصر، خاصة الجدل المتعلق بتزايد التحرش الجنسي منذ ٢٠١١.

وفي قطعتها الفنية المسماة “مستمرة” (٢٠١٢)، صورت لطفي تمثالاً لأنثى وألصقت به كلمة “مستمرة: الثورة بأداء أنثوي”. ويبدو أن لطفي دائماً تحاول  في أعمالها أن تسلط الضوء بشكل نقدي على الهيمنة الذكورية في المجتمع. ففي معرضها “وُجد في القاهرة” والذي أقامته أيضاً في تاون هاوس عام ٢٠٠٣ صورت المدينة في شكل امرأة. فعلى الأرجح تتصور لطفي في قطعتها “مستمرة” الموقف كالتالي: هي، والثورة، والمدينة كلهن مستمرات، رغم البطء والعراقيل التي صورتها بالسير على أشواك الصبار.

وباستعراض عملها المسمى “صحيفة الأغبياء” (٢٠١٢-٢٠١٣) وهي مجموعة من القراطيس تمثل قبعات للأغبياء، مكونة من قصاصات من الصحف التي صدرت خلال الأعوام القليلة الماضية وملصقة حول القراطيس، في الواقع لا يمكن وصف الأمر هكذا، ولكنه بطريقة أخرى يعد تسليطاً على لحظات بعينها، قد تكون القصاصة مجرد كلمة أو عبارة أو حتى صورة تم إلصاقها على القبعة أو القرطاس- وهو رمز كان يستخدم قديماً للتعبير عن سوء التصرف أو الغباء بين الطلاب في المدارس- بالإضافة إلى إبراز عدم جدوى محاولة الربط المنطقي للأحداث. الإعلام والدولة حالا بيننا وبين ذكرياتنا، سواء المواقف العامة أو التجارب الشخصية، كلاهما تدخل فيهما الإعلام والدولة إلى الحد الذي جعلنا لا نستطيع أن نميز بين  كلاهما. فالمُشاهد ينظر إلى القصاصات الملصقة بعين تعكس ذكرياته الشخصية، والحكايات التي عاشها من قبل يعاد سردها مرة أخرى.

عملاً أخر في حجرة منفصلة باتجاه الجزء الخلفي لتاون هاوس، حصد شهقات الحضور ليلة افتتاح المعرض، ويتكون من قطعتين آسرتين، هما “دماء الشهيد” (٢٠١٢-٢٠١٣)، و”أم الشهيد” (٢٠١٢-٢٠١٣) وهو عبارة عن مئات من القصاصات الصغيرة تتكون من ملابس الأطباء البيضاء ملصقة على الحائط الخلفي للغرفة وملطخة بالدماء ومكتوب عليها باللغة العربية باللون الأحمر “دم الشهيد”، تم نسخها من صورة على موقع “فيسبوك”، وفي مقابل الحائط يقف تمثال يمثل “أم الشهيد” ينظر إلى تلك القصاصات ووجهه ملون بالأسود.

وتستحضر مجموعة هدى لطفي أفكار القوة والمقاومة عبر الصور الظلية والتماثيل والكتابات بالإضافة إلى التصاوير التي تضفي جميعها شعور “ديجافو” أو حنين لدى المشاهد،  فهي لا تحاول أن تروي “حكاية الثورة” بل تُعد محاولة لملء الفضاء بتجارب وحكايات شخصية لكي تتيح للمشاهد أن يحدد موقفه من أعمالها بنفسه، بينما تبقى هي شاهدة على التجارب الشخصية التي تمثلها. مجموعة من صور “الفيسبوك” والصور الفوتوغرافية ومقتطفات من الأخبار تجعلنا نجوب عبر الحكايات والأحاسيس التي عشناها في السنوات القليلة الماضية بينما المعركة على حكاية الثورة ما زالت مستمرة.

“معرض “قص ولزق” مفتوح حتى الخامس عشر من يناير في معرض  تاون هاوس بوسط القاهرة”

اعلان