جواهر السينما المصرية: “مشوار عمر”
 
 

في قاع صفيحة ذاكرتي، تقبع ذكرى جلوسي في غرفة معيشتنا بخميس مشيط، في المملكة العربية السعودية، وعمري ٥ سنوات، أشاهد فيلمًا غريبًا عن سيارة باهظة الثمن يقودها شخص متجهم له شارب مضحك ويرتدي نظارة شمس غريبة. أتذكر أن الرجل ضل طريقه في وسط الأرياف والتقى بأناس، وتدهورت الأمور وأشياء أخرى لم أفهمها في ذلك الوقت. لكن أكثر ما أتذكره هو درجة إعجاب كل من في الفيلم بالسيارة، حتى أنهم أشاروا إليها أكثر من مرة باعتبارها “طيارة”.

كان والدي، المترجم المصري والقاص الذي طار إلى السعودية في أواخر الثمانينات من أجل لقمة العيش قبل أن يعود إلى مصر ويستثمر كل أمواله في دار نشر فاشلة، قد أخبرني أن فيلم محمد خان “مشوار عمر” (١٩٨٦) على الأرجح هو إعلان مصرح به لشركة BMW، فالأمر كله يتمحور حول السيارة ومدى روعتها.

بدا الفيلم أيضًا كأنه يتحدث عن والدي، وسأخبركم لاحقًا بشأن هذا، ربما بعد الفقرة القادمة أو فقرتين، لإضافة بعض الإثارة هنا.

في هذه الحقبة من الزمن، كان خان (مواليد ١٩٤٢) وعدد من صناع الأفلام الآخرين يصنفون باعتبارهم موجة الواقعيين الجدد. أولئك كانوا صناع الأفلام الذين نشأوا في مصر اعتادت على الحرب لكنها الآن مجبرة على السلام، اعتادت على أن تكون اشتراكية لكنها لسبب ما الآن مجبرة على أن تكون رأسمالية، في مصر كان كل من فيها يسير في اتجاه واحد لكنهم الآن مجبرون على السير في عدة اتجاهات مختلفة، لم يكن أحد منهم يعرف أي شيء عنها. كان المجتمع يعيش في حالة من الإنكار والتخبط، وبالتالي كان تصوير الأفلام في غرف رخيصة فوق الأسطح، وفي العشوائيات والريف والمكاتب الحكومية القذرة، بدلا من النوادي الليلية والشقق الفاخرة الواسعة، غريبًا بما يكفي لخلق نوع جديد بالكامل.

كانت هناك حاجة قوية لأفلام واعية بتغيير المجتمع، وكيف تدخل مشاعر ومخاوف وأحلام جديدة إلى واقعنا دون مقدمات. كان خان المخرج الأكثر حساسية بهذه التغييرات. ففي أفلامه الأولى الخالية من الرتوش مثل “خرج ولم يعد” (١٩٨٤) و”الحريف” (١٩٨٣) و”زوجة رجل مهم” (١٩٨٧) وحتى “أيام السادات” (٢٠٠٢)، يروي خان قصة وجود ناس في أثناء هذا العصر المهمل من خلال مشاعرهم الأساسية المجسدة. وأنت تشاهد أفلام خان، يمر معظم وقتك وأنت تتعامل مع الطعام ومذاقه، الأشياء التي تملكها وكيف تستخدمها والديناميكيات الأساسية جدًا للعلاقات الإنسانية.

سأخبرك كيف تحدث الفيلم عن أبي بعد قليل.

في “مشوار عمر”، الذي يبدأ بتوجيه شكر خاص للموزع الرسمي لـ BMW بالاسم لتسهيل الفيلم، عمر، الذي يمثل دوره فاروق الفيشاوي في واحد من أفضل أدواره على الإطلاق، هو الابن الملول المدلل لتاجر ذهب يتم إرساله باستمرار في مهمة لتوصيل طلبية إلى شخص في طنطا بالدلتا. يلتقي الشاب الغني وهو يقود سيارته الـ BMW الفارهة بأناس فقراء، هذا هو تقريبًا كل ما يدور حوله الفيلم.

ولأنه ينحدر من عائلة فقيرة سرعان ما وجدت طريقها لطبقة أعلى، كان كل ما يفكر فيه هو الفقر، ينظر إليه، يتحدث إليه، يلمح إليه ويجعله رفيقه في رحلة السيارة. كان يغطي نفسه ومخاوفه بالهيكل المعدني لتلك السيارة وبنظارة الشمس الضخمة، يحمي نفسه بعيدًا عن الفقر المرعب بالخارج، لكنه في الوقت نفسه يظل مستسلمًا لإغراء أن يترك الفقر يتسلل إليه، ويلطخه، ويسخر منه. إنها رحلة الوعي الذاتي المحمي والتدمير الذاتي داخل حدود آمنة. لا عجب إذن أن المشكلات تبدأ بمجرد نفاد البنزين من السيارة.

ينشر عمر عدوى عبئه على الجميع، واعدًا إياهم بأشياء ومخيبًا آمالهم، مدفوعًا بالقلق ونفاذ الصبر والملل. يلتقي بالناس صافيًا ويتركهم عنيفًا. يبدأ الأمر بالرجل الفقير الذي يلتقطه عمر ويعرض عليه توصيلة، ثم يتركه في منتصف اللامكان بعد مطاردة غير ضرورية متهورة مع الشرطة. تنتهي مع اثنان من الفشلة الطموحين من الأرياف الذين انضما إلى رحلته المجنونة وتبعا طموحاته حتى قادهما إلى حافة اللاشيء. وكما يوضح مشهد في الفيلم بمنتهى الصراحة، فإن هذه الـ BMW باهظة الثمن لا تسوى شيئا إذا ما ملأت خزان وقودها بالكيروسين بدلا من البنزين.

يبرز الفيلم العزلة والحماية، فمنذ المشهد الافتتاحي، هناك دائمًا شاشة بينك وبين ما يحدث، هيكل السيارة والنظارة دائمًا في منتصف الطريق. هناك مشهد رائع قرب النهاية حيث كان المسافرون الثلاثة مخمورين ومضحكين وكانوا مستمرين في حبس بعضهم خارج السيارة، مما كان يمثل ذروة الرمزية.

إن فكرة ترحيب BMW بوجود مثل هذا الفيلم على الرغم من طبيعته غير الرأسمالية محيرة للغاية. لازلت لا أعرف إذا كان الشكر الخاص في بداية الفيلم جزءًا من صفقة دعم أم اعتذار فقط. يستخدم الفيلم نفس التكنيكات المستخدمة لتجعلك تحب سيارة لكن هذه المرة لتكرهها، وهذا ما يجعله ممتعًا.

خان هو مخرج غزير الإنتاج، أفلامه تشكل جزءًا مهمًا من فترة مهمة في تاريخ صناعة الأفلام المصرية وكان دائمًا مجددًا، فقد كان على سبيل المثال من أوائل صناع الأفلام في مصر الذين صنعوا فيلم ديجيتال، ومازال يصنع أفلامًا مهمة رغم أنها أصبحت مؤخرًا أقل شجاعة وأكثر نعومة. وقد فاز فيلمه الأحدث “فتاة المصنع” الذي كتبته زوجته وسام سليمان، بجائزتين في مهرجان دبي للأفلام، وعلى وشك أن يعرض في دور السينما.

هذا الأسبوع، قيل لخان إن الرئيس المؤقت عدلي منصور وافق على منحه الجنسية المصرية بعد ٤٠ عامًا على الأقل من صناعة أفلام في مصر باعتباره أجنبيًا. ولد خان في مصر، لكن والدته كانت إيطالية ووالده باكستاني، وقد كان يحاول الحصول على جواز سفر مصري لفترة طويلة، والآن بعد أن زاد عمره على ٧٠ عامًا، بدا أن أمنيته تتحقق.

آه، وبخصوص الجزء المتعلق بإشارة الفيلم عن أبي، كان أحد الشخصيات يعيش بالخارج لفترة، لكنه عندما عاد، لم يكن معه سوى بلوفرين وزجاجة ويسكي وقصص عن البنات الجميلات في لندن. هذا الجزء كان مستوحى بوضوح من أبي.

*هذا هو المقال الأول في سلسلة “جواهر السينما المصرية” التي تستعرض الأفلام المصرية الشيقة من كل العصور.

اعلان
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن