Define your generation here. Generation What
الرجل الذي وراء الفن المعاصر
 
 

اكتب “فن معاصر” على محرك البحث “جوجل”، ستجد الاقتراحات الثلاث الأولى هي “هراء”، “مزحة”، “غبي”. يبدو أن الناس تصدق أن هذا الفن صعب المنال أو حتى تافه، لكن مدير صفحة “فن معاصر” على فيسبوك يثبت أن الكثيرين على خطأ.

مدير الصفحة هو فنان تشكيلي مصري يود أن يبقى مجهولًا، وقد استطاع بمفرده اجتذاب ما يزيد عن ٢٤٠ ألف متابع لصفحته خلال سنة واحدة، وهم من مختلف الأطياف المتنوعة. أصبح زوجي، الذي عادة ما أتوسل إليه ليرافقني لحضور عرض فني، يتفاخر بنفسه كونه واحدًا من أوائل متابعي الصفحة، ويزخر نشاطه على فيسبوك بالرسومات الساخرة لمستخدمي الانترنت المصريين والصور اللافتة للأعمال الفنية من كل مكان بالعالم، وكلهم مصدرهم صفحة “فن معاصر”.

إذن ما الذي يمنح هذه الصفحة كل هذه الشعبية؟ إنها صفحة ذكية، مضحكة ومثابرة، تتحدى المفهوم العام عن ماهية الفن المعاصر والشكل الذي يجب أن يكون عليه، وتفتح أبوابها لكافة أشكال التعبير الإبداعي الموجودة على الانترنت. يقول مديرها “تسعى هذه الصفحة إلى توثيق ما يتم إنتاجه ونشره في الإعلام الاجتماعي، وتحاول تشجيع الناس على تفعيل رؤاهم الخاصة والتعبير عنها بشكل مبدع دون حدود”.

تنشر الصفحة دوريًا صورًا لأعمال فنية أيضًا مستوحاة من التطورات السياسية في مصر، من سلسلة تركيب الصور الساخرة للرجل الواقف خلف عمر سليمان إلى الصورالمصممة خصيصًا ردًا على لافتات التضامن الصفراء مع رابعة. فبمجرد نشر مدير الصفحة عددًا من الصور في ألبوم ردًا على لافتات رابعة، انهمرت عشرات الصور من المتابعين، حتى وصل عدد المرات التي تمت مشاركة الألبوم فيها إلى ١٢ ألف مرة.

إنها ليست صفحة سياسية بأي حال، لكن مديرها يرى أن معظم الفن المنتج مرتبط حتميًا بالثورة المستمرة، قائلا “إنه وقت مهم (العامين الماضيين) للمشاركة والتوثيق، كفنان لم أكن أستطيع انتاج أعمال في هذا الوقت، فتحولت الصفحة إلى ملجأي”.

اجتذبت مثل هذه الصور آلاف المتابعين من شتى مناحي الحياة، فالصفحة تنشر أعمالًا لها رؤى معارضة للمواقف الاجتماعية والسياسية والثقافية، بلا تمييز ضد أحد. لكن ذلك أوقع مدير الصفحة أحيانًا في ورطة، فقد أغلقت إدارة فيسبوك صفحتين سابقتين كان قد بدأهما من قبل بسبب تقديم المتابعين للفيسبوك بلاغات عن وجود إساءات بهما. ومع زيادة الانقسام في البلاد، كان من المثير للسخرية أن اتهمت الصفحة بانتمائها للاثنين، الإخوان المسلمين، والمتعاطفين مع الجيش في أقل من شهرين.

أما أقسى ردود الأفعال العنيفة على الصفحة فبدأت في سبتمبر، عقب المحاولة الفاشلة لاغتيال وزير الداخلية محمد إبراهيم. فمن بين ٣٠ صورة نشرها مدير الصفحة قبل يوم من الحادث، كان هناك تصميم لستة من بيادق الشطرنج مصطفين إلى جوار ملكتهم، ويحيط بالرأس دائرة استهداف لإطلاق النار عليها.

ولأن ملكة الشطرنج معروفة في العربية بالـ”وزير”، فقد فسر بعض المتابعين الصورة على إنها إشارة إلى عملية الاغتيال. وبدأت نظريات المؤامرة والشائعات في الانتشار مع تركيز بعض وسائل الإعلام المحلية عليها.

يقول مدير الصفحة “تصميم الشطرنج يعود تاريخه في الحقيقة إلى عام مضى، ولم يكن توقيت نشره إلا صدفة، لكن التواصل مع الناس يزداد صعوبة”.

منذ عام وحتى الآن، يتحدى مدير الصفحة المفاهيم التقليدية المعروفة عن الفن المعاصر وكينونته، متنقلًا بين آلاف الصور المنشورة على الانترنت سواء من المستخدمين المصريين أو الأجانب لينشر منها ٤٠ صورة يوميًا. وهناك صور غريبة، وتجريبية، وكرتونية ومركبّة ومن فن الانترنت وأعمال التصميم القديمة والمعاصرة، ومقاطع الأفلام وصور منها وأكثر. ويعتبر الحس الساخر والجودة الجمالية هما الشرطان اللذان يتم الاختيار على أساسهما، لكن كثيرًا من الصور يتم اختيارها أيضا بناء على متابعي الصفحة.

في أكتوبر العام الماضي، بدأت صفحة فن معاصر حملتها الأولى تحت فكرة “الفيلم الذي ترجمته”، وهناك كنت تجد صورًا مركبة نفذها مصمم الجرافيك كريم جودة لأفيش فيلم (إنقاذ المجند ريان) مثلا مع استبدال وجه البطل توم هانكس بوجه الفنانة المصرية نادية الجندي، نجمة الشباك المشهورة بأفلامها عن الجاسوسية، أو صورة مأخوذة من فيلم “The Shining” لمشهد صعود جاك نيكلسون الدرج وعليها ترجمة عربية تقول “فريدة، من فضلك اهدي” وهو اقتباس من مسلسل إثارة عرض في رمضان ٢٠١٢ اسمه مع سبق الإصرار.

يقول مدير الصفحة “بمجرد نشري للصور القليلة الأولى، فهم الناس الفكرة وبدأوا في إرسال صورًا أكثر إليّ، سواء كانوا وجدوها أو صمموها بأنفسهم، كانت رؤية مثل هذا المستوى من المشاركة نوعًا من الفتح الجديد، شعرت أنني أقود ورشة فنية على الانترنت”.

الفكرة من الصفحة هي نشر الاختيارات اليومية من الصور وفي الوقت نفسه صنع مكتبة متاحة على الانترنت يمكن تقسيم الأعمال الفنية فيها بالفكرة الرئيسية. إن جمع الصور في ألبومات مقسمة حسب فكرة الصور، معظمها تعود لأصحابها، يسمح للجميع بالنظر عن قرب إلى ما أنتج خلال العامين والنصف السابقين، كما يوضح كم التفاعل العام معها من خلال التعليقات والمشاركات على فيسبوك. وبالتالي، تقدم صفحة فنًا معاصرًا تاريخًا غير رسميًا لحركة التعبير البصري الوليدة على الانترنت في مصر ولجمهورها.

يقول مدير الصفحة “أردت أن أكون من أوائل الناس لتوثيق ذلك، وإلا ستتفرق هذه الصور أو تضيع، ربما بعد ٢٠ عامًا يستطيع الناس النظر إلى الوراء ليروا كيف بدأ كل شيء”.

حتى في أثناء العام الأول للصفحة، كان الفنانون والباحثون يستخدمون الأرشيف المفتوح للصفحة، فالفنانون أرسلوا أعمالهم بعناوين واضحة وأسماء وتواريخ إنتاج لتضمينها في مكتبة الصفحة، وأشار عدد من خريجي الفنون الدارسين للتعبير البصري على الانترنت إلى المكتبة في أبحاثهم. وتواصلت باحثة سورية مع مدير الصفحة أثناء جمعها معلومات عن دراستها المقارنة للتعبير البصري على الانترنت في سوريا ومصر منذ بدأت ثورات الربيع العربي. وتقول باحثة في برلين إنها وجدت مصدرًا عظيمًا في ألبومات الصفحة لاستكمال عملها عن ثقافة الصورة السياسية على الانترنت.

ويتذكر مدير الصفحة أيضًا تجربة العودة إلى زيارة ألبوم حملة تمرد “في بداية الحملة، كانت معظم التعليقات تسخر من المجموعة الناشطة، لكن بمرور الوقت، بدأ الناس في مشاركة الصور وإنتاج صورًا أخرى بأنفسهم”.

وانخرط كثير من المتابعين أيضًا في مناقشة تطوير التصميم والأشكال الفنية. يقول مدير الصفحة “صنعت ألبوم صور بعنوان “كرسي” تضمن عددًا من الكراسي التي صممت على شكل دبابة عسكرية أو كلب، وكراسي خشبية وزجاجية. تساءل الناس في البداية عن كيف ولماذا اعتبر ذلك فنًا، ثم تحركت المناقشة نحو طبيعة فن التجهيز. وهي نقطة بداية، ومدخل يمكن للناس منه البحث والتجريب بأنفسهم”.

ومن الموضوعات التي ناقشها المتابعون أيضًا الحرية الفنية للتعبير. فقد نشر صاحب الصفحة عددًا من الأعمال الإبداعية الناقدة للرئيس الأمريكي باراك أوباما ليوضح أنه ما من سقف لحرية التعبير حتى عندما يتعلق الأمر برموز سياسيين كبار وبارزين، بعدها انتشرت الأعمال المتعلقة بمرسي حتى وصل عددها إلى آلاف الصور.

ويشرح مدير الصفحة “إذا استطعنا توصيل هذه القيم، فيمكن للناس أن يصمموا صورهم للتعبير عن أرائهم ومناقشتها بدلا من إلقاء الحجارة، على سبيل المثال، كانت هناك صورة ظننت أنها عبقرية، قام الفنان فيها بتغيير صورة لرجل يرتدي الجلابية وهو يلقي حجارة في مظاهرة ليصبح ممسكًا بشعلة الحرية بدلا من الحجارة”.

وبالرغم من أن معظم الأعمال الفنية المرتبطة بالسياسة هي التي تجتذب المتابعين، إلا إنه بمرور الوقت، يتعرض المستخدمون إلى الأعمال السياسية وغير السياسية، وتذهب المناقشات بالتدريج إلى أبعد من المجال السياسي لتركز على صناعة الصور باعتبارها من أشكال التعبير، على حد قول مدير الصفحة.

ومع وجود آلاف الصور في المكتبة وغيرها التي تضاف يوميًا، يأمل مدير وصاحب صفحة “فن معاصر” على المدى الطويل أن يستطيع حفظ الصور في شكل آخر يمكن الوصول إليه على الانترنت، لكن صفحة فيسبوك ستظل مفتوحة وموجودة “فهذا هو ما يبقي التفاعل مستمرًا”.

اعلان
 
 
مي الوكيل