Define your generation here. Generation What
نهاية ٢٠١٣ – كشف حساب
 
 

بين الحين والآخر،نجتمع للحديث عن عملنا وعلاقتنا المتغيرة والمتطورة به، نميل إلى تحويل هذه المحادثات إلى لحظة عامة على أمل الانفتاح على ممارسة النقد أو مواصلة تلك المحادثات بشكل أوسع.

وبنهاية العام، ومع مرور ٦ أشهر على مدى مصر، شعرنا أنه الوقت المناسب لنقوم بما يشبه كشف حساب، وبدأنا في انتقاء اقتباسات من المقالات التي كتبناها في مدى مصر، وأثارت تفكيرنا.

الاقتباسات:

نريد أن نعيش في سلام، نحن مضطرون للقول إننا بخير، إذا قلت لك أننا نعاني من مشاكل، فستذهبين وتكتبين تقريرك وتحظين بمقالة جيدة، وبعدها نحن من سيعاني من العواقب”.

الأب يوحنا، المنيا، سبتمبر ٢٠١٣.

بعد كل هذا الظلم، مازلنا نحن من يقال عليهم خونة”.

بسمة أبو زيد، زوجة جهاد الحداد، القاهرة، نوفمبر ٢٠١٣.

حتى لو دمروا الكنائس، ما المشكلة؟ لو كان هذا هو الثمن الذي يجب علينا أن ندفعه لبناء بلد جديد، فسنكون سعداء لدفعه”.

الشماس سامر فرج، بني سويف، أغسطس ٢٠١٣.

البحث أيضًا استكشاف للنفس

حليم الضبع، رائد الموسيقى الإلكترونية، القاهرة، ديسمبر ٢٠١٣.

السيسي أو مرسي أو مبارك، لا يهم فعلاً من الرئيس. نحن نعي المجريات السياسية وتؤثر علينا، لكن من بعيد”.

بدوي، المرشد الواحاتي البدوي، الواحات البحرية، نوفمبر ٢٠١٣.

لم نستنفد كل خياراتنا وهذا يعني أن الساحة مفتوحة أمام التغيير. يجب أن ننظم ونتبنى استراتجياتنا على المدى البعيد والقريب بطريقة تتفهم احتياجات وآمال كل المصريين”.

شهير جورج، وكيل مؤسسي حزب مصر الحرية، القاهرة، نوفمبر ٢٠١٣.

***

لينا عطالله: لنبدأ بالسؤال عن حقيقة ما نفعله أكثر من مجرد الطفو على السطح، إلى أي مدى نشعر أن هناك عمقًا فيما نفعله؟

نايرة أنطون: بدلا من أن تكون لدينا مقالة كبيرة واحدة طويلة، نحاول فيها أن نقول كل شيء، يمكن أن يكون لدينا كثير من المقالات المختلفة، هذا الكم يخلق شيئًا في النهاية. لكن عمومًا أظن أننا متكاملين أو بآخر. ورغم ذلك، يمكن أن تؤخذ المقالة نفسها لينشرها الناس وتنتشر على صفحاتهم على فيسبوك لتقول شيئًا مختلف جدًا عن سردنا نحن لها.

أرسولا ليندزي: لكن الجميل بشأن العمل في موقع إخباري هو وجود هذه العملية المستمرة التي من خلالها تحظى بفرصة دائمة للتطوير وتحسين الأداء، ليصبح سجلك وسمعتك شيئًا تراكميًا. وأعتقد أن معظم الصحفيين يكون إحساسهم في مثل جودة المقالة الأخيرة التي أنتجوها، لكن في الواقع أنت تخلق كيانًا من العمل وكل العناصر تجتمع معًا لتصنع شيئًا جديدًا لا يمكن الحكم عليه بمفرده.

لينا: حسنًا، أريد أن أذهب إلى شيء قالته نايرة، تحديدًا عن مصير المقالة الذي لا يتطابق بالضرورة مع ما نتصوره، أردت أن أتحدث عما لا نكتبه في النهاية. لذا إلى أي حد نفكر فعلا في الكيفية التي سيستقبل بها محتوى ننتجه قبل أن نكتب أو نبحث فيه؟

هبة عفيفي: أتذكر المرة الأولى التي فكرت فيها بشأن هذا، عندما كتبت مقالة لقائي بزوجة جهاد الحداد. فكرت في حواري معها وفي المناقشات التي تلت ذلك، كانت تلك المرة الأولى التي أشعر فيها بنفسي وأنا أمارس الرقابة الذاتية وأتساءل عن كيفية استقبالها وعن الكيفية التي سينظر بها إلينا، كمدى مصر. كانت المرة الأولى منذ دخلت مجال الصحافة التي أشعر فيها بالقلق بسبب محتوى أعمل عليه. ورغم أني رأيت أنها قصة مهمة، إلا أنها كانت أول مرة أشعر فيها بأني أحتاج إلى التأكيد على ألا ينظر إلينا الناس بشكل سلبي.

داليا ربيع: برز الأمر في دائرة اهتمامي عندما كنت أكتب شيئًا عن التحرش بالإسلاميين في الشارع، وظهر ذلك عندما قلنا إننا نحتاج لوضع تلك الفكرة في سياق أكبر، وهو أن التحرش لا يطال الإسلاميين فقط في شوارع مصر. لذا عندما قرأت مقالة هبة، فكرت في أن قصتي ربما سيتم استقبالها بنفس الطريقة.

أميرة أحمد: الصحافة في مصر كانت دائمًا شكل من أشكال العمل المثير أو النشاط السياسي، لكنها الآن أصبح لها شكل أخطر، حيث من السهل أن يُنظر إلينا باعتبارنا متحيزين لاتجاه بعينه، وهذا يمكن أن يضعك في مكان خطر للغاية فيما يتعلق بالطريقة التي يُنظر بها إليك والطريقة التي يصنفك الناس على أساسها مما قد ينتقص من مصداقيتك. لا أراها شكلا من أشكال الرقابة الذاتية، بل هو بالأحرى مستوى من الوعي لم يكن لدينا من قبل ومستوى من النضج لم يكن موجودًا أيضًا من قبل، من خلاله تعرف ما إذا كنت ستتسبب في ضرر للناس الذين تجري مقابلة معهم أو لنفسك أو للمكان الذي تعمل به، بما لا يخدم الغاية النهائية في الحقيقة. أعتقد أن ذلك يكون مقيِّدًا في بعض الأحيان.

ويعود هذا إلى الوقت الذي نشعر فيه أننا منفصلون عما يحدث في مصر وعن أشياء كثيرة. وفي الحقيقة شعرت بهذا مع الصحافة. شعرت فجأة بعدم الاتصال مع فعل الصحافة نفسه، فقط لأنني لم أعد أشعر أنني أستطيع ملاحقة الأشياء، على العكس مما كنت أعتاد عليه من قبل، حتى لو كان ذلك في الماضي مدفوعًا بالحس الساذج لوجهة نظرك في الأحداث “والحقيقة”. الآن فجأة أصبح كل ذلك قيد التشكيك، لأن مصر الآن فيها نسخ كثيرة من الحقيقة، تعتمد على الزاوية التي تنقل الأحداث منها أو الناس الذين تنقل الأحداث من خلالهم. أشعر كما لو أنني لا أعرف ما أفعله، لا أعرف الحقيقة أو الصواب.

المعلومات مختلفة جدًا من كافة الجوانب، والجميع يكذب. إنها آلة إعلامية من كافة الأطراف، والآن أصبحت مخاوفي من أننا واقعين في أياد تتلاعب بنا أكثر من أي وقت مضى، سواء عمدًا أو دون قصد، سواء رضينا بذلك أو كرهناه. أشعر أن هناك الآن مخاطرة وأنني قلقة دائمًا علينا كأفراد وعلينا كمدى.

هبة: الأمر أشبه بالتراجع، هذا هو ما حدث حقيقة. فلا تستطيع الآن أن تترك الأحداث تسير وأن تكون استراتيجيًا في التعامل معها.

نايرة: لكن في كل الأحوال، مع أي قصة تكتبها، لن تستطيع وضع كل شيء فيها، فمخاوفك تحدد ما تختار لتكتبه داخلها، لذا أعتقد أن أحد الأشياء الجيدة لوجودك في هذه الحالة الخطرة المنقسمة بشدة هو أنك تصبح أكثر وعيًا.

لينا: أريد أن أفتح موضوع تمسك الكاتب بقناعته الشخصية بصحة رأيه دائمًا، باعتبارها الجانب الآخر المضاد للانفصال عن المحتوى. هناك تساؤلات حول الاقتناع بصحة الموقف الشخصي وصلت إلى مستوى أولي، مثل اختيار الكاتب أي موضوع يريد تغطيته وأي موضوع سيتجاهله. وقد عبر البعض عن مخاوفهم بشأن صعود نبرة النظر للأحداث بعين النشاط السياسي أكثر من الصحافة هنا، ومن المثير وجود هذا القلق حتى بالرغم من حديث الناس عن عدم اتصالهم بالقصة وانفصالهم عما يحدث، كيف ترون هذا؟

أميرة: أعتقد أنه في اللحظة التي قررنا فيها جميعًا ألا نتخذ موقفًا، وأننا يمكن أن نكون نحن “التيار الثالث”، كان هذا هو الصواب، لكن بعدها، أصبح “التيار الثالث” فصيل سياسي، وأصبح عدم اتخاذ موقف، موقفًا بحد ذاته، بارتباطاته وتضميناته سواء الأخلاقية أو الصحفية.

محمد آدم: أعتقد أنه من الأفضل التعامل مع كل فترة بشكل منفصل. لم يكن من الممكن القول يوم ١ يوليو مثلاً إنه انقلاب، أو في اليوم الذي رحل فيه محمد مرسي عن الحكم. كان الناس لا يزالون في الشوارع وكان هناك ضغط كبير، لكن بعدها بشهر، كان كثيرون يقولون بوضوح إنه كان انقلابًا. يجب أن نستمر في محادثاتنا لكن ليس بمعزل عن طريقة تطور الأحداث.

مها النبوي: ربما لا يتعلق الأمر بتبسيط ما نكتبه شخصيًا، وإنما باستكتاب كتاب رأي لهم أصوات مختلفة فعلا، لأنني عادة ما أجد أنهم جميعًا متشابهون، ولو كنا جميعًا بنفس الأراء، فسيتم النظر إلينا باعتبارنا مشروع ناشط في اتجاه بعينه.

سارة كار: كأصحاب هذا المشروع [مدى مصر]، لو نشرنا ما كتبه أحدهم على سبيل المثال عن ضرورة إحياء الدولة الأمنية، فسنخاطر بأنفسنا. سيكون هذا مثيرًا للجدل كثيرًا، وسيجلب الكثير من الزيارات للموقع لكنه سيؤثر على مصداقيتنا.

أرسولا: لكن يمكنك أن تجلب خبراء يتحدثون بشكل محدد أكثر، بدلًا من الناس الذين يتحدثون فقط من منطلق موقفهم السياسي، أولئك يمكنهم الكتابة عن أشياء كالاقتصاد أو القانون، هكذا لا ننشر فقط كلامهم الذي نتفق معه.

سارة: من منهم؟ لا أستطيع التفكير في شخص واحد مفترض أنه محسوب على الخبراء وليس أحمق.

لينا: لكنني أعتقد أننا قررنا بالإجماع أيضًا أن نضع كلمة “متحرره” ضمن اسم موقعنا. في الحقيقة، عادة ما تلوح أميرة بسكينة عندما تذكر كلمة “متحررة” [في الفيديو الدعائي لمدى مصر على موقع يوتيوب]، وفي هذا السياق أعتقد أنها تعني أن هناك أشياء لن نكون مهتمين بنشرها لأسباب تتعلق بالموضوعية، لكن في الوقت نفسه، أن تكون متحررًا معناها أشياء كثيرة مختلفة، لذا من الممكن أن أكون على سبيل المثال معارضة لمبدأ وجود كتاب رأي يتحدثون فقط عن سياسات الشارع. أريد إصلاحيين يكتبون لدينا، وثوريين، وناس مهتمين بالنظر داخل المؤسسات، لكنني أيضًا أريد أن ينظر الناس إلى الشارع، وهذا هو التنوع الذي يحولك من مشروع ناشط إلى مشروع يحاول أن يعرض كافة الافتراضات والاقتراحات.

أميرة: أعتقد أيضا أننا عندما نقول “متحرر”، نحتاج للتأكد أن هذا ينطبق على القضايا التي نتعامل معها. أعتقد أن بعض أقوى المقالات التي نشرناها مؤخرًا عن الدستور لم تكن تأخذ منه موقفًا، سواء معه أو ضده أو السياسات التي تحوم حوله، بل ركزت على القضايا الموجودة، فمثلا كان المقال بشأن التعليم في الدستور قويًا للغاية وكان الناس مهتمين بقراءته، كذلك المقال الذي تحدث عن النوبيين في الدستور.

مها: كل ذلك مازال يعتبر نشاطًا.

أميرة: إنه نشاط، فيما يتعلق بتعميق فهمنا، وبالتالي يصبح الناس ضالعين بشكل أفضل في مثل هذه القضايا التي لا يكتب عنها أحد، والتي تعتبر مهمة بالنسبة للتضمينات السياسية. أعتقد أننا نحتاج فعلا للخروج من هذه الزوبعة لأنها موقف لا يمكن أن يفوز أحد به، فلا أحد على صواب فيه، وكل شيء يمكن اعتباره الحقيقة، وكل شيء يمكن أن يكون خطأ في نفس الوقت.

لينا: أتعرفون، إن الطرف الآخر لكوننا على قناعة بصحة موقفنا أو أيديولوجيين فيما نكتب هو أن يتم تحفيزنا فعلا وأن نعتبر الصحافة فعلا فضوليًا محفزًا للاستطلاع والتحقيق. كم مرة تعلمنا ونحن ننتج تقريرًا؟ كم مرة سمعنا أصواتًا ترسل إلينا بالأخبار وتجعلنا نفكر في الأشياء بطريقة مختلفة أو نتحدى أنفسنا؟

آدم: في مرحلة ما كنت مقتنعًا بشيء وأردت أن يؤكد الناس عليه، لكن هناك شيئًا طورته منذ بدأنا مدى، هو التحدث لكثير من الناس عندما أكتب مقالًا، وهذا ما يؤكد لي أن ما كنت أفكر به ربما لا يكون صحيحًا. ربما ينطبق ذلك على مقالي الأخير عن الإخوان المسلمين. توقعت أن يقول هذا العضو في الجماعة الذي كنت أحادثه شيئًا مثل “لا نحن لن نتفاوض، وسنستمر”، لكنه في الحقيقة قال شيئًا مغايرًا تمامًا. قال إنهم يجب أن يبدأوا التفاوض وأن عودة مرسي أصبحت جزء من الماضي، علمًا بأن هذا الشخص إسلامي راديكالي.

هبة: أتفق جدًا على أن هذه مشكلة. بالنسبة لي، أفضل طبعا أن تكون نسبة مقالاتي التي أعرف خط سيرها أقل مما هي عليه الآن. فمعظم المقالات التي أعمل عليها معروفة النهاية بالنسبة لي، أشعر أننا بشكل ما محاصرون في مكان ضيق وأننا لا نعبر عن أنفسنا بشكل كبير.

لينا: هل نحن فضوليون بما يكفي؟ هل هناك مجالات كافية لحب الاستطلاع هنا؟

أميرة: لإشباع فضولك، تبحث عن إجابات، والإجابات لم تعد في الشارع كما كانت من قبل، الأمر أصبح أكثر صعوبة. تبدو تلك الأجوبة محصنة في صناديق منفصلة تمتلكها مجموعات من الناس لا يسمحون لك بالدخول إليها. أشعر أحيانًا كما لو أنني أستيقظ وفي رأسي سؤال، لكن بعدها أفكر أنه من المستحيل تقريبًا الحصول على الحقيقة والإجابة عليه، وبالتالي أعيد فضولي إلى النوم. إنها فكرة تعجيزية.

أرسولا: إذن نحن نتحدث عن صعوبة إيجاد أجوبة. أنا لدي أطنان من الأسئلة، وأشعر أن القصص التي أتحمس إلى العمل عليها مع الصحفيين هي القصص التي تحمل الكثير من الأسئلة.

لينا: أشعر أنه من أحد مشكلات هذا النقص في المعلومات هو أننا في لحظة سياسات عليا، حيث تعيد الدولة بشكل ما تعريف نفسها وتقديم نفسها لنا من خلال الجهاز الأمني، والجيش والخطاب القومي وما إلى ذلك. والمشكلة أننا بشكل ما فقدنا مصدر الأحداث. فقد كنا في موقع صحفي أفضل عندما كانت تلك الأحداث في الشوارع، لأنه كان من الممكن وقتها بالنسبة لنا أن نصبح جزءًا من ذلك، لكننا لسنا جزءًا من الدولة.

لذا أعتقد أن جزءًا من كوننا صحفيين هو ألا نقف عند هذا الحد، فقد منحتنا الثورة سهولة التواجد والقدرة على نقل الأحداث لأننا كنا بشكل ما جزءًا منها، لكنني أشعر أنها ستكون لحظة خنوع وهزيمة لو أننا قررنا أننا لم نعد قادرين على القيام بذلك فقط لأننا لم نعد نشكل جزءًا منه. أعني أنني أشعر أننا لا نخترق الدولة كما كان ينبغي أن نفعل. نحن لا نسأل أسئلة كافية، حتى لو كان ذلك شكلًا من أشكال طرح الأسئلة في هذه اللحظة.

أرسولا: إنه الحصول على إجابات جزئية ثم التعرقل عند المحاولة للوصول للإجابة الكاملة. لكنني أعتقد أيضًا أننا ربما وقعنا في فخ الانطباع بأننا كنا هناك في وسط الأحداث والقصة في الشارع على مدار السنوات القليلة الماضية، لكن كان هناك الكثير الذي يجري دائمًا بشكل غير شفاف تمامًا، وطبعًا بمنتهى القوة، ولم نكن حتى ننظر إليه، أليس كذلك؟ لذا بطريقة ما، نحن الآن ندرك أكثر أين هي القصة تحديدًا.

ليلى دوس: أرى أيضًا مشكلة أخرى وصلنا فيها لطريق مسدود، هي أن هناك حديث آخر، بجانب السياسة، لكنه سياسي للغاية، بشأن الخدمات، الرعاية الصحية وكل هذه الأشياء التي تؤثر على حياة الناس يوميًا. لذلك إن قمت بتوسيع مجال الرؤية هنا، يمكن أن تكتب عن الكثير من الأشياء المختلفة. من الواضح أن الجيش والإخوان عناصر مهمة فعلا لأنهم يصنعون السياق، ومن الذي يصل إلى السلطة، لكن السياسة لا يجب أن تكون مقتصرة على هذا فقط، أعتقد أن هذا هو السبب في إحساسنا بأننا عالقين عند هذا الحد.

لينا: حسنًا، الآن ليس لدينا سوى الحديث عن عدم الاتصال والأمل، نتحدث عن عدم الاتصال أولا؟

ساره: أعتقد أن تغطية عنف ماسبيرو كانت مختلفة قليلا بسبب وحشية ما حدث وكل شيء، وربما كانت الصدمة في الحدث هي ما جعلت الكتابة شئ مهم بشكل ما. وبالنسبة إلى مقارنة ذلك بأحداث أخرى، لم أكن حاضرة مثلا فض اعتصام رابعة العدوية وكنت أود لو استطعت ذلك ربما كنت عرفت وقتها كيف سيكون شكل رد فعلي بالمقارنة به في أحداث ماسبيرو. كنت أشاهد فيلمًا سينيمائيًا منذ بضعة أيام حيث كانت هناك سيارة شرطة تتحرك بسرعة كبيرة وكان الناس يجرون فربطت ما أراه فورًا بماسبيرو.

أعني أن الأمر يظل في مخيلتي كثيرًا. لكن بالنسبة للكتابة عن ذلك، فلا أعتقد أنني إذا كتبت عنه الآن سيكون منهكًا نفسيًا لي. أفكر أن الأمر حدث منذ وقت طويل، لكنه استمر معي فترة طويلة بطريقة لم تحدث مع بقية الأحداث، فقط لأن ما حدث كان فظيعًا للغاية ولا أظن أنه يحوي قدرًا من الأهمية أكبر من ذلك. أظن أنني لو كنت قد رأيت ما حدث في رابعة، لربما كان له عليّ نفس التأثير.

أميرة: عندما أنظر إلى التغطية التي نكرسها لعلاء عبدالفتاح الآن على سبيل المثال، أجد أنها ليست بنفس القدر الذي كانت عادة ما تستحوذ عليه من قبل، أعتقد أنها نتيجة فرعية مباشرة لعدم الاتصال الجماعي والانفصال عن كل شيء، حتى عن الجانب الثوري. وهذا يغذي الشعور بتحجر العواطف حتى لو كان الأمر يتعلق بالقبض على أصدقائك المقربين، الذين هم نشطاء أيضًا، وبالمساحات التي يتم قمعها، تشعر أنه ليس هناك الكثير الذي يمكنك فعله وتعلم أن التغطية الإعلامية لن تؤدي إلى أي شيء عملي أو ملموس في النهاية.

هناك إذن هذا التأثير غير المعلن عنه بالتبلد الذي يؤدي بك إلى عدم تغطية القصة كما كنت تفعل من قبل. الأمر لا يتعلق فقط بمذابح الإخوان والاعتقالات، بل يؤثر أيضًا على مجتمعنا والأشخاص الذين نعرفهم.

لينا: إذن، انتهى الأمر، ونحن نسير الآن في طريق اليأس والانفصال…؟

أرسولا: بالنسبة إلي الشعور بالحنق يحفز لدي الرغبة في الكتابة… أتدركون هذا الشعور! التزامي المؤكد لأجد الحقيقة بالخارج، لأجد شيئاً يستحق الكتابة، فلا ينبغي على المرء أن يأمل أن يأتيه إلهام القلم دوماً.

نيرة: إن لم يكن الجمهور قرأها، فأرى أن الأمر سيكون مثير للاهتمام. عندما نظمت آنيا [أحد محرري النشر باللغة الإنجليزية في موقع مدى مصر] عرضاً بعنوان “مشاعر بغيضة” كتبت آنيا مقتطفات عن المشاعر التحفيزية في الثورة وعكس هذه المشاعر، والأمر هنا مرتبط بما قالته أورسولا من قبل عن “الحنق”. آنيا قالت أن الأمر مرتبط بالسبب المحفز، إذن الأمر ليس مرتبط بالأمل فحسب.

أرسولا: إن كنتم تعانون حالة من الإحباط النفسي، فلدينا مشكلة هنا.

مها: سؤال جيد، هل الجميع هنا بخير؟

آدم: في رأيي توثيق هذه اللحظة يعد أمراً هاماً. توثيق أن اليأس امتلكنا في لحظة ما.

نايرة: من خبرتي السابقة في التعامل مع مثل تلك المشاعر المختلجة، أرى أن هناك الكثير من الأشياء لنتعلمها من لحظة الانفصال التي تنتابنا الآن. لنقل مثلاً أنني أنكر شعوري بالانسحاق، وأواجهه بكثير من الشراب وأنفجر في البكاء؟ فإنكاري لشعوري بالانسحاق لن يؤدي بي لأي شيء إيجابي في حياتي الشخصية ولا أعتقد أن مواجهة حالة اليأس، في المجمل، سيأخذنا جميعاً لأي شيء. قبول شعورنا باليأس- حال وجوده- لأي مدى قد يصل بنا هذا الشعور، والتعايش مع الأمر إلى أن يمر وأيضاً الانخراط في أي شيء أخر، وهذا كل ما يمكن فعله.

هبة: وعن تأثير ذلك على العمل، بالنسبة إلي فالأمر يبعدني عن أخبار معينة، ولكنه من ناحية أخرى يحفزني للقيام بأشياء مختلفة ليس لها علاقة بالدائرة التقليدية التي تحجزنا داخلها. أشعر أنها تدفعني حقاً خارج تلك الدائرة.

لينا: حسناً، هل من حلول؟

(حالة صمت…)

هبة: الإكثار من الكتابة في قسم الثقافة.

أميرة: مواضيع أكثر. نكتب أكثر عن تجارب السفر الشخصية.

هبة: نكتب عن أنفسنا أكثر.

نايرة: البعد عن الكتابة عن القاهرة بصورة أكبر. نحن نصف أنفسنا أننا مستقلين متحررين رغم أننا مازلنا نعيد توليد نفس الطاقة الديناميكية عندما نتحدث عن القاهرة ونضع الأشياء الأخرى في الخلفية.

مها: وأرى أن هذا سيقلل لدينا الشعور باليأس والإحباط النفسي.

هبة: نقلل من الأخبار التقليدية.

نايرة: نقلل من الأخبار التي تنظر للأشياء نظرة شاملة… وكما كانت أميرة تقول عن الدستور، فقد انصب تركيزنا على زوايا جيدة. مثلاً أن نطرح أسئلة أكثر تحديداً وألا نحاول الإطناب في الحديث عن كل الأمور المتعلقة بشيء ما.    

هبة: أن نكثر من النقاش حول اختياراتنا التحريرية.

لينا: أن نكثر من الكتابة عن الطعام.

ليلى: حل إيجابي فعلاً! هل تريدين كتابة أكثر عن الطعام؟

لينا: نعم، أنا ألقي نظرة على صفحة المجتمع لدينا مثلاً حين أقرر أين سأتناول غدائي.

نايرة: البعض يتناول الطعام، ولكن لينا تستطعمه.

أميرة: نكثر من الحوارات!

اعلان