Define your generation here. Generation What
نساء جريئات
 
 

في ٢٤ نوفمبر، تم تمرير قانون التظاهر الذي وصفته جماعات حقوق الإنسان بأنه مقيِّد للغاية، أقيمت ضده وقفتان احتجاجيتان، وفُرقت كلتاهما بسرعة وبعنف.

الأسبوع السابق لذلك، ألقي القبض على ٢١ فتاة وامرأة في احتجاج لأنصار الإخوان المسلمين بالإسكندرية وحكم عليهن بأحكام سجن قاسية، لاقت انتقادات واسعة. وبعد يومين من تمرير قانون التظاهر، ألقي القبض على ٦٠ متظاهرًا كانوا يحتجون على المحاكمات العسكرية للمدنيين أمام مجلس الشورى.

في كلتا الحالتين، كان تركيز الجدال أقل على الحق في التظاهر، وأكبر على فكرة المتظاهرة الأنثى.

ففي قضية الإسكندرية، ركزت الانتقادات الموجهة للأحكام القضائية، التي خففت بعد الاستئناف، على فكرة أن المدعى عليهن من النساء، أما في الوقفة الاحتجاجية أمام مجلس الشورى في ٢٦ نوفمبر، فكان العامل المفجر للغضب هو إساءة التعامل مع المحتجات.

المعاملة الخاصة مرفوضة

فُضت الوقفة الاحتجاجية التي كانت تحتج على محاكمة المدنيين عسكريًا أمام مجلس الشورى بسرعة وبعنف. استخدمت الشرطة خراطيم المياه وقنابل الغاز والهراوات لتفريق الحشد المكون تقريبًا من ٢٠٠ محتج، وقامت بالاعتداء بالضرب على كثير من المحتجين واعتقالهم. وغرّدت الناشطة نازلي حسين، على موقع التواصل الاجتماعي تويتر، فورًا عقب اعتقالها عن قيام الشرطة بالتحرش جنسيًا بها وببقية المحتجات أثناء اعتقالهن.

تقول رشا عزب، الصحفية والناشطة وواحدة من المحتجات اللاتي اعتقلن وقتها، “لم يكن ليتأجج كل هذا الغضب لو كانت الصور المنتشرة لرجال فقط يتعرضون للضرب على أيدي الشرطة”.

عندما أمرت النيابة بإطلاق سراحهن، رفضت عزب ومعها الثلاثة عشر معتقلة مغادرة قسم شرطة القاهرة الجديدة حتى يتم إطلاق سراح الرجال. تعرضت المحتجات للضرب وأجبرن على ركوب عربة الترحيلات وفي النهاية تم تركهن على جانب من الطريق الصحراوي في وقت متأخر من تلك الليلة.

تشرح عزب “أرادوا اطلاق سراحنا، أرادوا فقط التخلص من مشكلتهم، لكننا رفضنا، رفضنا، رفضنا”. تقول عزب “كنا محتجات مع الرجال، نزلنا من أجل الأسباب نفسها، ألقي القبض علينا معهم من أجل الأسباب نفسها، نحن لا نريد معاملة خاصة فقط لأننا نساء”.

كان عشرة أعضاء من لجنة الدستور قد علقوا مشاركتهم احتجاجًا على هذه الأحداث، لكنهم قرروا استكمال عملهم بمحرد الإفراج عن المعتقلات الأربعة عشر في وقت متأخر من تلك الليلة. وظل ٢٤ من المتهمين في الحبس ١٥ يومًا ومازال واحدًا منهم محبوسًا حتى الآن، كما أن النشطاء أحمد ماهر وعلاء عبدالفتاح اتهموا فيما بعد بتنظيم الاحتجاج وهم الآن معتقلون.

“فتيات الإسكندرية”

في قضية الـ٢١ متهمة في الإسكندرية، المعروفة بـ”فتيات الإسكندرية”، كانت منهن سبعة قاصرات، وجدير بالذكر أن أعمارهن جميعًا، ماعدا واحدة، لم تتجاوز ٢٢ عامًا. ألقي القبض عليهن في أول مسيرة تنظمها حركة “٧ الصبح” المناهضة للحكومة، على كورنيش الإسكندرية يوم ١ أكتوبر.

حُكم على القاصرات بالحبس مدة غير محددة في مركز الأحداث، تتم مراجعتها دوريًا، وعلى البالغات بالسجن ١١ سنة وشهر وغرامة في الاتهامات الموجهة إليهن بالتجمهر غير المشروع، والبلطجة وتخريب الممتلكات الخاصة وحيازة أدوات تستخدم في الاعتداء على المواطنين.

وفي مشهد منقسم، علا صوت الرموز من كافة الأطياف السياسية بانتقاد قسوة الحكم.

يقول أحمد عوض الله، الناشط الجندري، إنه “بالإضافة إلى فكرة أن المعتقلات من النساء، فإن هناك عاملين آخرين في القضية، هما أعمارهن وقسوة الحكم الصادر من المحكمة عليهن”، مشيرًا إلى أن ما حدث “كشف عن درجة تسييس القضية”.

من جهة أخرى، لم تؤجج أحكامًا مماثلة صدرت على محتجين رجال مثل هذا الكم من الغضب أو التغطية الإعلامية. ففي قضية أخرى حديثة نسبيًا، حكم على طلاب جامعة الأزهر، الذين تزيد أعمارهم كثيرًا على أعمار “فتيات الإسكندرية”، بالسجن ١٧ سنة، ولم تشهد تلك القضية غضبًا عارمًا كالذي شهدته القضية الأخرى.

تشرح لبنى يوسف محمد، والدة المعتقلة آنذاك مودة مصطفى، وهي جالسة في غرفة معيشتها تحت صورة كبيرة لابنتها ذات الخمسة عشر عامًا، الإدانة الواسعة للحكم من خلال التذرع بمفاهيم معينة من الأنوثة.

تقول “الجميع يعرفون أن الأولاد يلقون الحجارة والبنات تجري من الشرطة، من الممكن للأولاد أن يبالغوا في رد فعلهم، لكن البنات لا يفعلن ذلك”.

من جانبهم، رجح معلقون آخرون منتقدين الإخوان المسلمين تلاعب الجماعة بالفتيات، وهي طريقة التفكير التي تتناسب مع سمت الإعلام السائد في تصوير أنصار الإخوان باعتبارهم “خرفان” علاوة على الهشاشة المعتادة التي عادة ما تلتصق بالفتيات.

وعلى كل حال، سببت قسوة الأحكام صدمة واسعة للجميع، مما أدى إلى سرعة غير مسبوقة في عملية الاستئناف والطعن على الأحكام. وفي ٧ ديسمبر، خففت الأحكام إلى سنة مع إيقاف التنفيذ بالنسبة للبالغات وثلاثة شهور مع إيقاف التنفيذ بالنسبة للقاصرات.

يقول أحمد شاذلي، مدير مكتب المبادرة المصرية للحقوق الشخصية بالإسكندرية، إن الأولوية كانت لتهدئة الرأي العام، أما صحيفة الوفد، فقد وصفت في خبر، كتبه عبدالوهاب شعبان وأماني زكي، العفو بأنه “انتصار للشهامة المصرية”.

أهداف للابتزاز السياسي

يصف المحتجون المعتقلون أمام مجلس الشورى كيف تم استهداف النساء بالعنف الجنسي. تتذكر عزب قائلة “ضربوا الرجال وشدوا الفتيات من صدورهن، وإذا كان هناك شاب شعره طويل، فإنهم كانوا يسحبونه من شعره، وكانوا يحاولون كسر النساء اللاتي بدت عليهن القوة”.

ويقول عدد من أقارب فتيات الإسكندرية إنه عندما حاول الشباب التدخل، قال لهم أفراد الشرطة “لا نريدكم اليوم، نريد الفتيات فقط”، وأضافوا أن الشرطة استهدفت الفتيات الشابات لأن مظاهرات الإخوان تضمنت عددًا متزايدًا من النساء بعد القبض على كل قادة الإخوان وعدد كبير من أعضائها الرجال.

يشرح حمدي خلف، عضو المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أيضًا وأحد المحامين في قضية فتيات الإسكندرية، أنه عادة ما يتم استهداف النساء لأن “كثيرين مازالوا يفكرون بالطريقة القديمة، أن قرار النزول من عدمه لا يرجع إلى النساء أنفسهن”.

يضيف خلف أن الفكرة هي أن تقوم العائلات بعدم إرسال أو على الأقل بمنع بناتهن من الاشتراك في المظاهرات خوفًا من العواقب الوخيمة.

وتقول محمد إن الدولة تطارد النساء لأنها تعلم “أن بناتنا غاليات لدينا”.

وقد كان الغاضبون بسبب قضية فتيات الإسكندرية عادة ما يشيرون إلى أن الشرطة “تجاوزت الخط الأحمر” من خلال استهداف الشابات.

من جانبها، ترى مزن حسن، مديرة مركز نظرة للدراسات النسوية، أن ما حدث “بالطبع ليس جديدًا، فهو مجرد حلقة في سلسلة طويلة”. وأشارت إلى حلقات كثيرة في تلك السلسلة تتضمن الاغتصابات الجماعية التي حدثت في محيط ميدان التحرير أثناء المظاهرات الضخمة، وسحل وتعرية وضرب “فتاة مشد الصدر الأزرق” كما توصف في الإعلام، في الميدان، تحت سمع وبصر المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وما أطلق عليه “كشوف العذرية” التي ارتكبها الجيش في مارس ٢٠١١.

وتقول “سواء كان ذلك في عهد المجلس العسكري، أو الإخوان أو ما بعد ٣٠ يونيو، فقد تم استخدام العنف القائم على النوع ضد النساء، ولم يقتصر ذلك على النساء من تيار سياسي واحد”.

وتتفق عزب معها قائلة إن “هناك تاريخ طويل للسلطات التي تستهدف النساء وأجسادهن، وهم يرون أن أجساد النساء أداة للابتزاز السياسي”.

وترى حسن أن الهجمات على النساء تزايدت عقب سقوط الرئيس الأسبق حسني مبارك، فقد أصبحت قضية المشاركة العامة تمثل عبئًا وتهديدًا كبيرًا للسلطات.

فتيات صالحات وفتيات طالحات

يقول شاذلي إن النتيجة الأكثر إيجابية لقضية فتيات الإسكندرية “هو أن أكثر الناس رفضًا لفكرة وجود النساء في الاحتجاجات كانوا يدافعون عنهن”. وأشار إلى استخدام مؤيدي الإخوان على فيسبوك صور المتهمات كصورهم الشخصية، موضحًا “لا أعتقد أنهم استخدموا صورًا للنساء من قبل”.

أما أهالي متهمات الإسكندرية وأنصارهم، فقد بذلوا الكثير للتأكيد على أن الفتيات مختلفات عن السجينات الأخريات.

وبينما شكت هدى عبدالرحمن، والدة سلمى رضا ١٥ سنة، من وجود الصراصير والحشرات الأخرى في مركز احتجاز ابنتها والفتيات الأخريات، إلا أن أكثر ما كانت مرعوبة منه هي وبقية الأمهات هو اختلاط بناتهن ببقية السجينات. تقول عبد الرحمن “إن السجينات يتلفظن بأقذع الألفاظ التي لم تسمعها بناتنا من قبل”، مضيفة أن بنتها وزملائها من فتيات الإسكندرية “تلقين تربية صالحة وهن مختلفات عن الأخريات، فسلمى خجولة جدًا حتى أنها لا تجلس مع أولاد أعمامها الذكور”.

وتقول هدى عبدالرحمن ولبنى محمد إن ابنتيهما لديهما تأثير إيجابي في مركز الاحتجاز، فالسجينات الأخريات بدأن في الصلاة مع الفتيات وقراءة القرآن.

وفي المحكمة، ارتدت كل المتهمات الأبيض إجباريًا، وظهرن بوجوه طفولية، وملابس بيضاء وأغطية رؤوس بيضاء، وخلال جلسة الاستئناف، حملت كل متهمة بالغة زهرة واحدة وردية اللون.

أما جريدة الحرية والعدالة الإخوانية، فقد نشرت صور المتهمات بهالات حول وجوههن، وأطلقت عليهن صفة “حرائر”.

تشرح عزب “الحرائر هن الفتيات الطاهرات، العفيفات اللاتي يعودن إلى بيوتهن مبكرًا، ولا يشربن الكحول”، واصفة إياه بأنه “مصطلح تمييزي، لا يتعلق بالرجال والنساء فقط، وإنما يقسم النساء أنفسهن إلى فئات”.

تقول حسن “تعتقد جماعة الإخوان أن هناك ما يسمى الفتاة الجديرة بالاحترم والفتاة غير الجديرة به”.

وتوضح عزب أن هذه الأفكار تمثل فقط شكل أكثر تطرفًا مما يؤمن به قطاع كبير من المجتمع.

من جانبهن، أكدت فتيات الإسكندرية أنفسهن في المحكمة، فقمن بغناء أناشيد الإخوان المسلمين ورفعن شعار “رابعة” وهتفن.

تقول شيماء إبراهيم، واحدة من فريق الدفاع عن الفتيات، “بالنسبة للإعلام، كانت الفتيات يغنين ما يفيد (أننا إرهابيات ونعترف بذلك)”.

ويرى عوض الله أن التحدي والقوة اللذين ظهرا من المتهمات خلال المحاكمة أثارا مشاعر الناس بطريقة لم يكن يمكن أن تحدث لو كانت المتهمات من الرجال.

ويضيف “إن مقاومة الفتيان والشباب ليست مفاجئة بالنسبة للقواعد المتوقعة لنوعهم، لذا لن يكون لهم عظيم التأثير في تلك الحالة، وعادة ما تعتبر الذكورة والمقاومة تهديدًا، خاصة في سياق الاحتجاجات والمظاهرات المناهضة للانقلاب”.

اعتبرت قضيتي احتجاج مجلس الشورى وفتيات الإسكندرية “فضائح”، وهو مصطلح عادة ما يكون له تضمينات جنسية، لكن رشا عزب تقول “إنها لم تكن فضائح بسبب ما حدث للنساء، وإنما كانت فضائح لأنه لا يمكنك أن تعامل المحتجين السلميين بهذه الطريقة”.

اعلان
 
 
نايرة أنطون