الرئيس القادم لن يكون عبد الناصر

الشتاء القادم لا يحتمل التأجيل.. كنت أرددها في نهاية ٢٠١٢، وأعني بها أنه صار لزاما على الرئيس الجديد أن يواجه حقيقة أن الاقتصاد في أزمة وأن هناك إصلاحات هيكلية يجب أن تطبق، لأن الوضع لا يحتمل المسكنات المعتادة، ولم يدر في خيالي أن أحوال السياسة ستزداد اضطرابا بعد انتخابات الرئاسة، وأن الاقتصاد سيتدهور معها إلى أوضاع أسوأ.

وجاء صيف ٢٠١٣ أيضا علي غير المتوقع، إذ استمرت الاضطرابات ولم ترتفع حرارة الأزمة الاقتصادية إلى الدرجة التي تدفع الناس إلى الغليان والانفجار، بفضل رياح المساعدات التي هبت من دول الخليج فلطفت من مناطق الاحتقان، خاصة في مجال أزمتي الطاقة وسعر العملة المحلية أمام الدولار. ولكنها في الوقت ذاته أعطت انطباعا زائفا عن أن سلطة ٣ يوليو استطاعت أن تحل المشكلة، والواقع أنها القت كرة ملتهبة بين يدي سعيد الحظ، أو التعيس، الذي سيفوز في سباق الرئاسة.

لم تكن يناير فقط إعلانا بانتهاء زمن السلطوية علي طريقة مبارك، ولكنها كانت أيضا لحظة تفاقم أزمة اقتصادية بدأت منذ نهاية ستينات القرن الماضي، تلك الأزمة التي واجهت دولة يوليو في مشاهد عدة من تاريخها السلطوي، من عجزها عن المضي قدما في سياسات الرفاه الناصرية، وتجلى ذلك في مشهد يناير ١٩٧٧، وإشرافها على الإفلاس في نهاية الثمانينات، ثم القبول بشكل متدرج بالتخفيف من التزاماتها الاجتماعية، فتتجه إلى تحرير القطاع الزراعي بل وبيع أصولها حتى في قطاع استراتيجي كالبنوك.

إلا أن كل تلك التنازلات لم تحقق التوازن للنموذج الناصري ( المعدل )، فسلطوية دولة يوليو كانت كفيلة بخلق أجواء من الفساد والترهل الإداري تعوق الدولة عن تنفيذ أي نموذج للتنمية. كما أن أزمات الدولة الشائخة كانت تتطور بوتيرة متسارعة، فلم تعد معضلة الخبز هي الباعث الوحيد للغضب الشعبي ولكن ظهرت أيضا أزمة دعم الطاقة الذي وصل في موازنة العام المالي الجاري إلى نحو ١٠٠ مليار جنيه.

وتركت دولة يوليو مواطنيها يواجهون تبعات الخصخصة وأزمات التضخم والعجز عن توفير الطاقة، وهم تحت غطاء نظام تأمينات قديم لا يغطي سوى نصف قوة العمل، ويقدم مبالغ متدنية للعديد منهم، ونظام صحي يصل فيه نسبة يتحمل فيه المواطنون أكثر من ثلث الأنفاق علي الصحة، بنسبة ٧٢٪.

وأمام كل تلك المعضلات كان صندوق النقد الدولي يحاول أن يصل مع حكومات ما بعد مبارك ثم حكومة الإخوان المسلمين إلى اتفاق لعلاج مشاكل الاقتصاد المزمنة، أو ما يسمى بالإصلاح الهيكلي، يقوم على تطوير منظومة سياسات الدعم والسياسات الاجتماعية والضريبية بأكملها، بشكل يسيطر على عجز الموازنة المتفاقم .

وربما كان الصندوق أكثر ذكاء من ذي قبل في عدم تبنيه بشكل صريح لسياسات محددة تثير الغضب الشعبي ضده، لكنه ترك تحديد طريقة علاج أزمة الاقتصاد للحوار الاجتماعي، وهو كان أمرا شبه مستحيلا في ظل حالة الاحتقان السياسي المتصاعدة آنذاك.

وبعيداً عن هذا الماضي، غير البعيد، فإن الخطاب الاقتصادي لسلطة ٣ يوليو انتقل بنا إلى مساحة نقاش مختلفة كلية، فالسلطة الجديدة لم تقدم تصورا واضحة عن الرؤية المستقبلية للاقتصاد، وتكتفي بقولها أنها تهيء الأرض لعملية إعادة هيكلة الدعم في السنوات القادمة، وفي الوقت ذاته أغلقت الباب أمام مفاوضات قرض الصندوق، معتمدة على مليارات السعودية والإمارات التي لا تستلزم أي تعهدات بإعادة هيكلة الاقتصاد مثل ما يفرضه قرض الصندوق. وهي التطورات التي ساعدت على إعطاء صورة خادعة لدى بعض المواطنين بأن دولة الرفاه الناصرية قادرة على الاستمرار، بل وربما تعود إلى عهدها القديم.

ربما أتفهم أن يكون هذا الخطاب مناسباً لسلطة انتقالية ستترك الأمر برمته في يد الرئيس الجديد ولن تتحمل مسئولية الأيام القادمة، لكن لو تناسى صاحب المنصب الرفيع أيضا أنه سيرث دولة يوليو في الوقت الضائع، وأن حل معضلات الاقتصاد يكمن في نظام ديمقراطي غير فاسد وغير مركزي وأكثر انحيازا لغالبية الشعب، ستستمر معنا الأزمات الاقتصادية التي تولد الغضب الشعبي، وربما نضيع عقودا جديدة في نموذج التنمية غير الكفء الذي ثار ضده المصريون في يناير ٢٠١١.

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن