وداعاً باسم
 
 

في نفس هذا الوقت -تقريبا- من العام ٢٠١١، التقينا باسم محسن. وقتها كانت المعركة مستعرة بين المحتجين وقوات الأمن بالقرب من مبنى مجلس الوزراء. وقف الناس لإظهار غضبهم من فض اعتصامهم بالعنف، عقب تولي حكومة مؤيدة للجيش.

كان باسم يضع رقعة على عينه اليسرى، فقد فقدها خلال اشتباكات محمد محمود في نوفمبر ٢٠١١، والتي كانت أحداث مجلس الوزراء امتدادًا لها، بين الشرطة والشباب. رصاصة قناص اقتنصت عين باسم.

في ذلك اليوم نهاية ٢٠١١، بالقرب من مجلس الوزراء، وسط الجري المسعور وقنابل الغاز ورصاص الخرطوش، تحرك باسم باتجاهنا ليلقي السلام. كان واثقًا مبتسمًا، في لحظة عابرة من لحظات الاستراحة خلال عرض العنف في مصر. حمل باسم حقيبة وردية وشرع في إخبارنا خطته لليوم.

لم يكن ينتوي العودة إلى مدينته، السويس، أحد مهاد الثورة المنسية. كان أحدنا على وشك توجيه نصيحة لباسم، أن ارجع إلى بيتك قبل أن تفقد عينك الأخرى، ولكن ابتسامة باسم المتعبة كان فيها من عزة النفس والمثابرة ما أسكتنا.

كانت خطة باسم أن يجد “صديقًا ثوريًا” ينام عنده، فعادة ما كان يأتي إلى القاهرة وينام في أي مكان يجده. كان باسم رحالة، يبحث عن ثورة في القاهرة، وفي كل مكان.

انتهت هدنة الاستراحة العابرة عندما حوصرنا بين موجة من الناس الذين يجرون هربًا من مجموعة من العساكر. بفطرته، حاول باسم حمايتنا، لكن عندما فرقتنا الفوضى، تحرك هو إلى الجبهة الأمامية، وتقهقر كلانا للخلف. 

اندثرت صدفة التقائنا بباسم في ذلك اليوم تحت ركام الأحداث والذكريات الأخرى، لكننا لم ننسه.

تذكرناه مرة أخرى عندما رحل عنا يوم الأحد، عندما لم تستطع رأسه النجاة من رصاصة حية أطلقت عليه خلال اشتباكات بين المحتجين والشرطة في السويس، يوم الجمعة.

ذكّرنا موت باسم بلقاءات أخرى معه، فأحدنا التقى به قبل تلك الأحداث، في يوليو ٢٠١١، عندما كان باسم مع مجموعة من السويس تحمل علم المدينة. كان باسم أصغرهم، عمره ١٩ أو ٢٠ سنة. حكى -متردداً- عن عمله في السابق في مصنع، تركه منذ بداية الثورة. شارك باسم في الاحتجاجات الأولى التي هزت السويس في ٢٦ يناير، وهي أحد الأحداث التي أتت من الهوامش لتمنح الثورة زخمًا أبعد من محيط القاهرة.

شهد باسم الموت للمرة الأولى، وبعد ذلك بفترة قصيرة، جاء مع مجموعة كانت قادمة إلى القاهرة، حيث شعروا أن التغيير سيحدث منها، حيث “سيجلسون على قلوب الجيش حتى يستمع إلى مطالب الثورة”.

في ذلك اليوم، كان باسم يرعى صديقه محمد، الذي فقد عينه خلال احتجاجات يناير. كان ينظر بإجلال إلى محمد بسبب الثمن الذي دفعه مقابل الحرية، فقط ليدفع نفس الثمن بعدها بأسابيع قليلة، وثمن أكبر بكثير بعدها بعامين.

حتى بعد أن فقد باسم عينه، ظلت روحه المعنوية عالية، بدا أقوى، بدا ويكأن قامته صارت أعظم، تلك القامة الثورية المستمدة من فخره بكونه جزء من كل شئ.

بعد شهور قليلة، فُقد باسم، تاركًا ورائه ورقة مكتوب عليها رقم هاتف أحد كاتبي هذا المقال (محمد المشد)، وعندما وجدت امرأة الحقيبة وبها قطعة الورق، اتصلت بالرقم لتسليم الحقيبة لأصحابها، ربما يستطيع أحد الاستدلال على مكانه. علمنا فيما بعد أنه كان في سجن عسكري، وأنه خرج بموجب عفو من الرئيس -آنذاك- محمد مرسي.

في غضون ذلك الوقت، كان رامي صديق باسم، هو الآخر من السويس، يهز رأسه مع ذكر باسم، يعبر بأسىً عن استحالة السيطرة على باسم.، ومثل الآخرين الذين عرفوا باسم، عبر رامي عن مزيج من حبه وتعاطفه وحيرته تجاه الثوري الشاب.

ومثل قليلين تُركوا على هوامش الصراع الذي قلّص نظام الحكم في مصر إلى جنرالات ضد إخوان، لم يكن باسم يريد أيًا منهما. وقد قال مرة “إننا لم نصنع ثورة لكي نظل تحت أقدام الجيش أو الشرطة أو أي أحد، ومما رأيت من الإخوان في السويس، فلا أظن أنهم مهتمين باستكمال الثورة، ولكني سأظل ماضٍ في طريقها”.

حتى موت باسم يوم الأحد تمت المتاجرة به في صراع القوة الذي كان يمقته، فبعد أن أُطلق عليه الرصاص أثناء احتجاج نظمه أنصار الإخوان ضد الشرطة، أصبح الجانبان يلقيان مسؤولية مقتله على بعضهما البعض.

وفي محاولة للتعبير عن رمزية وأهمية مقتل باسم، كتبت الناشطة رشا عزب كيف أن قصته أفضل تجريد للثورة عموماً: “إصابة في يناير، عين راحت في محمد محمود، محاكمة عسكرية في عهد مرسي، وسحل في جمعة الحساب.. وأخيرا رصاصة في المخ”.

بالنسبة لباسم، كانت الثورة في صورتها الأساسية للعدل والكرامة، شأنًا مستمرًا. كانت حلمًا عمل من أجله، شتته عن أي سؤال يخص عودته إلى عمله في المصنع، كان يقول “لا لا لما ربنا يريد وكل حاجة تهدى”.

اليوم، لا نستطيع أن ننساه، ولو بعد حين.

اعلان
 
 
لينا عطاالله 
محمد المشد 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن