Define your generation here. Generation What
من داخل النفق المظلم
 
 

بينما يستمر عرض “الحرب على الإرهاب” على خشبة المسرح، تجري -وراء الستار- مفاوضات بين الحكومة الحالية وجماعة الإخوان المسلمين، وفقاً لمصدر مطلع، تتركز على كيفية إيجاد مخرج قانوني للقادة المحبوسين.

وفق مصدر مطلع أكد لـ”مدى مصر” أن قياديا في حزب مُمَثل في الحكومة المدعومة من الجيش يُجري حاليا، مع آخرين، مفاوضات مع قادة الإخوان، في محاولة لاستيعابهم مجددا.

ولا يزال من غير المعروف مدى التقدم الذي أحرزته جولة المفاوضات الجديدة، بين وسطاء مفوضين من السلطات، وقادة الإخوان. لكن حنا جريس نائب رئيس الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي قال لـ”مدى مصر” إن أكاديميا وثيق الصلة بالجماعة، أبلغه في لقاء غير رسمي، إن قادة الإخوان “باتوا يبحثون عن ضمانات جادة للانخراط في العملية السياسية”.

وأضاف جريس نقلا عن الرجل الذي عمل في وقت سابق كمستشار للرئيس المعزول محمد مرسي، أن تمسك الإخوان بعودة الرئيس السابق إلى منصبه، وإلغاء قرار حل البرلمان أصبح من الماضي، لافتا إلى أن الحديث الآن يدور عن الضمانات التي يمكن أن تتوفر لإيجاد مخرج قانوني لمعالجة ملف قادة الإخوان المحبوسين حالياً على ذمة قضايا جنائية.

ونفى جريس علمه بوجود مفاوضات جادة بين السلطات وقادة الإخوان في الوقت الراهن، لكنه رجح أن تكون الاتصالات قائمة، قائلا “لا أعتقد أنها انقطعت يوما”، مشددا على أن مقاربة ملف قيادات الإخوان المتهمين لابد أن يعالج في إطار قانون للعدالة الانتقالية.

وأطلق تحالف إسلامي تقوده جماعة الإخوان، الشهر الماضي، “استراتيجية عمل” تضمنت دعوة القوى السياسية “الوطنية” لبدء حوار سياسي، بهدف تحقيق مصالحة وطنية. وبدا أن وثيقة “تحالف دعم الشرعية وكسر الانقلاب” أقل حرصاً على إبراز تمسكه ببقاء الرئيس السابق مرسي كجزء من الحل.

وعما إذا كانت دعوة التحالف قد وجدت صدى لدى القوى السياسية، قال القيادي الإخواني محمد علي بشر لـ”مدى مصر” إنه لم تتوافر لديه معلومات بهذا الشأن، مشيراً إلى أن التحالف كلف عدد من شخصياته ببدء الاتصالات مع القوى السياسية، وأن نتائج هذه الاتصالات سيتم استعراضها خلال اجتماعات التحالف التي من المقرر أن تحسم أيضا الموقف من المشاركة في الاستفتاء على مشروع الدستور الجديد.

تعلن القوى السياسية المشاركة في صياغة “خارطة المستقبل”، بلا مواربة، أن مشروع الدستور الذي أقرته لجنة الخمسين مطلع الشهر الجاري، هو أفضل ما يمكن تحقيقه في ظل توازنات القوة في الوقت الراهن، وهي طريقة مخففة لتبرير ما عده البعض تعزيز موقع الجيش الذي يتقدم إلى صدارة المشهد على وقع طبول الحرب ضد “دولة الإخوان”.

خلف ركام من الأسئلة المعلقة؛ (نعم للدستور أم لا؟، الرئاسية أولا أم البرلمانية؟، القائمة أم الفردي)، تجري عملية شاملة لهندسة المستقبل السياسي، بحسب مصادر مطلعة تحدثت معها “مدى مصر”، في مسعى للوصول إلى حتمية “ممكن” من بين احتمالات تفترضها استحقاقات انتخابية مقبلة. لكن تلك الإجراءات تغامر باستبعاد علامات استفهام مشروعة، لتخلي الطريق أمام علامة تعجب، تعكس خيبة أمل، وقلقا بشأن جدية المسار الديمقراطي في البلاد.

ما يبدو مزعجا بالنسبة لمراقبين، هو أن فرقاء المشهد السياسي وصلوا، كل بطريقته، إلى حقيقة مفادها أنه “ليس بالإمكان أبدع مما كان”، وسيكون على القوى الفاعلة على المسرح المصري أن تؤدي خلال الستة أشهر المقبلة هذا “اللحن الأساسي” بطرق مختلفة.

جماعة الإخوان المسلمين من جانبها، اختارت توزيعاً حماسياً مصحوب بإيقاعات طلقات الخرطوش والقنابل المسيلة للدموع، لتخفي بدأب خطوط اتصال جديدة مع سلطة “الأمر الواقع”، كعادتها مع كل سلطة سابقة.

وبينما فرضت مقتضيات القوة والمزاج السائد على قادة الإخوان منطق جديد للممارسة، جعلهم على ما يبدو أكثر تفهما للهزيمة التي منيت بها الجماعة في انتخابات التجديد النصفي لنقابة الأطباء التي خاضتها بلا حرج، لم تعدم القوى “المدنية” الوسيلة لأداء اللحن الأساسي نفسه؛ “ليس بالإمكان أبدع مما كان” بالحماس المطلوب.

ويبدو أن الجدل الدائر حول مشروعية التحالف مع ما بات يعرف بـ”الدولة العميقة”، لمواجهة خطر عودة الإسلاميين للسلطة مجددا، يعيد إنتاج طابعه الإشكالي، من دون أن يتخلص من نزوع أخلاقي، يسهل معه تبادل الاتهامات، وهو جدل يمكن التقاط أصداء له على امتداد العقدين الماضيين.

ويشير الباحث هشام عبد العزيز، الذي صدر له مؤخرا الجزء الأول من “موسوعة ثورة ٢٥ يناير”، إلى أن الدكتور سيف عبد الفتاح، أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة، هو أول من دشن استخدام مفهوم “الدولة العميقة” في مقال له يعود إلى شهر يوليو عام ٢٠١١.

ويقول عبد العزيز لـ”مدى مصر” إن مفهوم “الدولة العميقة” شهد رواجا خلال جولة الإعادة في انتخابات الرئاسة، وبات مستخدما على نطاق واسع في إطار الصراع الذي خاضته قوى مدنية لتبرير تفضيلها مرشح جماعة الإخوان، على حساب الفريق أحمد شفيق الذي بدا حينها ممثل “الدولة العميقة”.

ومن بين نحو ١٢ مليون صوتا حسم بها مرسي الانتخابات الرئاسية، كان هناك ٧ ملايين ناخب يعتقدون أن خطر الدولة العميقة يفرض التحالف مع الإخوان، وهو الاعتقاد الذي تبخر بعد عام من حكم الجماعة. وربما لحسن الحظ استخدم الدكتور نصر حامد أبو زيد قبل نحو ٨ سنوات مفردات باتت متداولة الآن على نطاق واسع، حيث أشار في مقال نشر في أخبار الأدب عام ٢٠٠٥ إلى “أن عددا لا يستهان به من مثقفينا يرى أن نار هذا النظام ]نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك[ أفضل ألف مرة من جنة الإسلاميين”.

لكن أبو زيد الذي رأى أن نظام مبارك “ليس مدنيا بل هو نظام عسكري ديكتاتوري لا يقل بشاعة عن أي نظام ثيوقراطي”، توفي قبل أن يجرب “جنة الإسلاميين”، كواقع حي وليس مجرد هاجس لدى نخبة أخطأت التشخيص.

في أدبيات أخرى، يبدو أن فزع النخبة من تجربة مرسي، هي طريقة لإخفاء تباين مصالحها الضيقة مع مصالح طبقات عريضة عبرت عنها “ثورة ٢٥ يناير”، التي يرى القيادي اليساري عبد الغفار شكر رئيس حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، أنها “تواجه مأزق خطير”.

يقول شكر لـ”مدى مصر” ينبغي أن يصمد تحالف ٣٠ يونيو في معركته ضد جماعة الإخوان، لكن ما لا يمكن قبوله هو أن يتحول هذا التحالف إلى تنسيق انتخابي من شأنه أن يفرغ ثورة ٢٥ يناير من مضمونها.. لكن مع الأسف يبدو أن هذا سوف يحدث”.

ويعتقد شكر أن كسر المأزق التاريخي لن يتحقق إلا بخطة تنمية اجتماعية كبرى وتطور اقتصادي حاسم لتصفية المصالح القديمة، التي تعطي الأفضلية للعائلات الكبرى المنتشرة على امتداد البلاد، لكنه يدرك أيضا أن قوى الثورة أضعف وأكثر هشاشة من أن تنجز هذا الدور، وهو ما دفعه إلى أن يعرب عن خشيته مما اسماه “عودة نظام مبارك”.

“عودة نظام مبارك” هو أيضاً توصيف قيادي بارز في حزب منضوي تحت مظلة جبهة الإنقاذ الوطني للمشهد الراهن، باعتباره “إعادة لانتخابات برلمان ٢٠١٠”، وهي الانتخابات التي كان يعتقد على نطاق واسع أن نظام مبارك يسعى خلالها لتوزيع نسبة الـ٢٠٪ من المقاعد التي حصدتها جماعة الإخوان في برلمان ٢٠٠٥ على أحزاب معارضة حينها، قبل أن يقرر مهندس حزب مبارك، أحمد عز، الأمين للعام للحزب الوطني الديمقراطي المنحل، تقديم عرض لاستعراض القوة.

ويضيف المصدر، الذي طلب عدم ذكر اسمه، أنه لا بديل أمام أطراف الجبهة الواسعة التي شاركت في ثورة ٣٠ يونيو، والتي تنقسم في تقديره إلى كتلتين هما “قوى ما قبل ٢٥ يناير”، و”كتلة التغيير” سوى التحالف في الانتخابات البرلمانية المقبلة، وهو ما يجد مقاومة من القيادات الشابة داخل “كتلة التغيير”.

وتتقاطع توجهات أحزاب في جبهة الإنقاذ للتحالف مع قوى ما قبل ٢٥ يناير، مع حرص أعضاء بالحزب الوطني الكشف عن تحركاتهم للعودة إلى المشهد السياسي، وهو مسعى باتت قوى رئيسية في الجبهة تنظر إليه باعتباره ضرورة، للحد من خطر الآلة الانتخابية لجماعة الإخوان.

ويعتقد المصدر أن قادة الجيش لن يدعموا كتلة على حساب الأخرى، مشيرا إلى أن الدولة “تعمل حاليا على ضمان تنوع مقبول، يتيح تمثيل الإسلاميين عبر حزب النور السلفي، وأعضاء الحزب الوطني و”قوى التغيير”، من دون أن يملك أي فصيل منهم أغلبية كاسحة داخل المشهد بما يرتب واقع جديد للقوة هم في غنى عنه في الوقت الراهن”.

وتبدو السلطات الحالية واعية بالخريطة الجديدة التي تتشكل معالمها على الأرض، وهي فوق ذلك تعمل على تهيئة المناخ اللازم لإنجاح تلك الجهود. فبحسب مصادر مطلعة، ربما يكون مصير الانتخابات المقبلة أن تجري بنظام الفردي، وأن تقسيماً جديداً للدوائر سيراعى الحد من التأثير المحتمل للكتلة التصويتية للإخوان.

اعلان
 
 
محمد شعبان