Define your generation here. Generation What

حرية الحركة.. لمواجهة العنف ضد النساء

أسعدني الحظ مؤخرا بخوض تجربة طالما حلمنا بها كجموعة من النسويات من مختلف الأجيال، وهي تنظيم أول مدرسة نسوية متخصصة في مصر بهدف التعليم والتوعية بقضايا المرأة و النوع الاجتماعي، والتي عقدت في مؤسسة نظرة للدراسات النسوية. تتلخص فكرة المدرسة في اختيار ٣٠ شابة وشاب من مختلف محافظات مصر عبر عملية انتقائية تنافسية، وعقد محاضرات و ندوات متخصصة لمدة عشر أيام يتم فيها مناقشة عدد من القضايا الهامة، مثل التمييز في مجال العمل و الأسرة وتنميط النساء و تداعياته، وأيضا العنف الأسري والمجتمعي والمشاركة السياسية للنساء وإشكاليتها في الواقع المصري.

ومنذ اليوم الأول، بات واضحا لنا كمنظمين أن التحدي الرئيسي الذي يواجه مثل تلك الأنشطة هو عدم قدرة الفتيات على الحضور أصلاً. فمن بين نحو عشرين فتاة تم اختيارهن من مختلف محافظات القاهرة، لم يتمكن سوي نصفهن من الحضور رغم رغبتهن الشديدة في ذلك. وكان على رأس أسباب عدم حضور الفتيات اعتراض الأهل ورفضهم التام لفكرة حضور الفتيات إلى القاهرة لعشرة أيام كاملة، خاصة مع معرفتهم بأن النشاط سيكون فيه حضور من الشباب الذكور. وقد اضطرت الكثير من الفتيات إما لإصطحاب أشقائهن لكي يتمكن من الحضور، أو الدخول في مفاوضات مع الأهل، أو مع الخطيب أحيانا، تضمنت وعودا صريحة منهن بعدم التحرك في إلا في أضيق الحدود، والالتزام بتعليمات الأهل حرفيا طوال فترة تواجدهن في القاهرة.

كان حضور هذا النشاط، بالنسبة لمعظم هؤلاء الفتيات، هو المرة الأولي التي يسمح لهن بالسفر وحدهن علما بأن بعضهن قد تجاوز الخامسة والعشرين وأنهين دراستهن وبعضهن يعمل بالفعل. ولم يكن وضع القاهريات منهن أفضل بالضرورة، حيث كان معظمهن يسرعن بالانصراف فور انتهاء المحاضرات يومياً، و إلا تعرضن للحرمان من المجيئ في اليوم التالي. طبعا لست في حاجة للأشارة بأن المشاركين من الذكور لم يواجهوا أي مشاكل تذكر في الحضور يوميا.

تمثل القصة السابقة جزءاً بسيطاً من واقع التضييق على حركة النساء والفتيات في مصر، بحيث يصبح مجرد حضورهن لأي نشاط أو فاعلية ما مسألة تتضمن قدر من المفاوضات المعقدة، والتي تنتهي عادة بتقديم تنازلات في أمور أخرى حيوية، كل ذلك بهدف ممارسة حقهن الطبيعي في الحركة والتعلم والتطور.

إن حرية الحركة والتنقل حق إنساني مبدئي، لا يمكن الحديث عن أي حقوق أخري في ظل غيابه. ربما كان من المهم التساؤل حول الأسباب التي تجعل حركة النساء الحرة بمثابة كابوسا حقيقيا للنظام الأجتماعي بأكمله، بدءاً من الأسرة ، ومرورا بالمجتمع الصغير المباشر، ووصولا للمجال العام الواسع سواء الشارع أو الجامعة أو مجال العمل.

رغم كون المجتمع المصري قطع شوطا لا بأس به في التصالح مع فكرة خروج النساء من المنزل تارة كجزء من مشروع قومي حداثي في زمن عبد الناصر، وتارة كنتيجة حتمية لمتغيرات اجتماعية واقتصادية فرضت على كافة طبقات المجتمع تقبل فكرة عمل النساء “كشر لابد منه”، و تارة كجزء من حراك اجتماعي وسياسي مرافق لثورة يناير ٢٠١١، فقد استمر النظر للنساء بوصفهن حارسات للنظام الأجتماعي، وحاملات لقيمه الأصيلة القادمة من المجال الخاص، حتى ولو كانت تلك القيم نفسها تشهد انهيارا موسعا ومستمرا .

فالنظام الأبوي التقليدي في مصر لم يعد قادرا علي العمل بنفس الكفاءة القديمة في القمع، بفعل الزمن وتغيير الظروف، ولكنه لم يقدم أي تنازلات تتلائم مع ضعف قدرته على القيام بمهامه التقليدية. وكنتيجة لذلك، صارت حرية الحركة أمرا غير محسوما، ويمكن الارتداد عنه في لحظة إذا ما تراءى للأب أو للأخ أو للزوج إن ذلك أكثر أمانا. واحترمت الدولة هذا الحق المقدس للأب ثم للزوج من بعده فسمحت للزوج بمنع زوجته من السفر إذا ما تراءى له ذلك. والحقيقة أن تقييد حركة النساء أمرا أكثر أمانا للذكور المهيمنين وليس للنساء اللاتي يفقدن، بعدم قدرتهن على التحرك، فرصا حقيقة للعمل والتعلم واختبار الحياة بشكل حقيقي يعزز ثقتهن بأنفسهن، وبقدرتهن على ممارسة خيارت حقيقية وتحمل مسؤليتها بشكل فردي.

إن تقييد حركة النساء يبدو للوهلة الأولي أمرا بديهيا تختبره النساء جميعا في مصر بدرجات مختلفة ـ لدرجة قد يستهجن معها البعض مناقشته أصلا- ولكنه يحمل رغم ذلك دلالات بالغة الأهمية فيما يتعلق بتواجد النساء في المجال العام، خاصة في ظل ارتفاع غير مسبوق في معدلات العنف المجتمعي ضد النساء. فمنطق الحماية والتقييد، الذي يسود بشكل بديهي مع ازدياد معدلات العنف ضد النساء، لا يساهم في القضاء علي ظاهرة العنف الجنسي في المجال العام. بل على العكس، يساهم في إعادة إنتاج مجالا عاما ذكوريا بإمتياز تسير فيه النساء متلفتات وخائفات، بينما يتسكع فيه الرجال كيفما شاءوا.

يمكننا القول أن إنتاج مجالا عاما ذكوريا -سواء على مستوى الحضور الفعلي أو على المستوي الرمزي- من شأنه جعل النساء أكثر عرضة للعنف وليس العكس. الأهم أن سيادة مثل هذا المنطق الحمائي، يضع المجتمع بأسره في حالة تطبيع كاملة مع العنف الجنسي، تتضمن اعترافا ضمنيا بمسؤولية الفتاة، ومن خلفها أسرتها التي فشلت في حمايتها بشكل كافي من شرور المجال العام. وبناء عليه، فإن القضاء على منطق الحماية الذكورية أمرا لابد منه إذا أردنا الحديث عن أي إمكانية للقضاء على العنف ضد النساء في المجال العام، فمعركة حرية الحركة إذن معركة محورية ولا يجوز الادعاء باطلا بإننا تجاوزنها لصالح معارك أكثر تقدما، إذا ما أردنا خلق حركة نساوية تخاطب واقع الأغلبية الساحقة من النساء المصريات.

ولكن يظل الأخطر في تقييد حركة النساء هو تحميلهن ذنب ما يحدث لهن من عنف في المجال العام. فمسؤلية الحفاظ على الجسد تظل مسؤلية النساء وحدهن، ويظل المنطق السائد هو أن خرقهن لقوانين تقييد الحركة في المجال العام هو سبب ما حدث لهن. ولا عجب إذن أن معظم من يتعرضن للعنف في الشارع لا يخبرن أقرب الناس إليهن، ولا يسعين للحصول على أي دعم نفسي أو طبي أو إنساني. فاعترافهن بتعرضهن للأنتهاك في المجال العام يعني ببساطة أن يودعن للأبد إمكانية الحركة مرة أخري في هذا المجال. فبسبب الخوف من هذه العاقبة تفضل الكثيرات أن لا يتحدثن عما يتعرضن له، الأمر الذي يساهم في استمرار ثقافة العنف وبالتالي منح الحصانة لمرتكبيه .

تخوض النساء في مصر حاليا معركة حقيقة للتواجد في المجال العام عبر توسيع رقعة المساحات المتاحة لهن في ظل عنف مجتمعي متصاعد ضد هذا الوجود في حد ذاته. إن منطق الحماية وتقييد حركة النساء لن يفلح في وضع حد لهذا العنف، بل سيساهم في زيادة معدلاته وجعله أمراً طبيعياً. إن مواجهة العنف لن تأتي سوى بمواجهة الخوف الذكوري الغريزي على النساء -ومنهن أيضاـ وإدماجهن في المجال العام على كافة مستوياته بحيث يصير حضورهن أمراً عادياً.

ومن هذا المنطلق، تصبح معركة الحصول على مساحات جديدة للحركة هي مدخل للكثير من الفتيات في مصر والأهم للوعي النسوي، لأنهن أدركن بالغريزة أن المحافظة على هذه المساحات، مهما بلغت بساطتها، هي الضمانة الوحيدة لأمنهن الشخصي واستمرار تواجدهن في المجال العام. إن حرب اكتساب المساحات التي تخوضها النساء الأن عبر الاستمرار في التواجد في الميادين والشوارع بشتى السبل، وبالرغم ما يتضمنه ذلك من خطر بالغ على أمنهن الشخصي، هو نضال نسوي أصيل والطريق الوحيد لكسر حاجز الخوف لدى النساء والرجال معا.

اعلان
 
 
هند أحمد زكي