Define your generation here. Generation What

الكُرة الحديدية الضخمة

كثير من المقارنات تجري بين المزاج العام والأحداث في مصر وبين ما كانت عليه البلاد قبل الثورة. وفي العموم، كل شيء الآن سيئ للغاية، فشراسة وزير الداخلية تتزايد، ومساحة المعارضة العامة تتقلص أمام أعيننا، وساحرة الغرب الشريرة تذوب في بركة من الماء.

هذه أيام غريبة ومثيرة للشفقة، لكن الفارق الأكبر بين الآن وما قبلها هو أن الجمهور العام أصبحت لديه فكرة أفضل عن كينونته، والأسطورة التي كانت تزرع فيهم في المدارس وعلى يد إعلام الدولة وأحيانًا على يد حملات تسويق الشركات، أنهم شعب متحد ومتآلف، ثقافيًا وسياسيًا أصبحت الآن مكشوفة. أصبحت المشاعر الآن مشابهة لجماعة من الأقارب متناغمين ظاهريًا لكنهم سُكارى وهم متجمعين على مائدة وجبة عائلية، واحد منهم يفلت ملاحظة عن العم المحترم فلان الفلاني الذي يتبين حقيقة أنه وغد يميني، متسببًا للأغلبية في الشعور بالحدة المريرة والإهانة المكبوتة . يغادر الجميع طاولة الطعام وهم يشعرون أولا أنهم يعرفون الآخرين بشكل أفضل، وثانيًا أنهم لم يكسبوا شيئًا بهذه المعرفة (أو لم يكونوا بحاجة إلى هذه المعرفة).

بدأت رحلة اكتشاف النفس فورًا، فالإخوان المسلمين وبقية الأحزاب الإسلامية هزموا معارضيهم العلمانيين الليبراليين في الانتخابات البرلمانية ٢٠١١، وللمرة الأولى كان محتملا الحصول على قياس دقيق لحجم التأييد الشعبي لتلك الجماعات، التي تم عزلها طويلًا بعيدًا عن السياسة في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك. هنا بدأ الاستقطاب.

تعاظم الاستقطاب مع الانتخابات الرئاسية، الجولة الأخيرة التي كانت عبارة عن سباق غير مرض بين سيء الحظ محمد مرسي، الذي يشبه شخصية العم الودود التي اختيرت لاستبدال خيرت الشاطر، رمانة ميزان الجماعة بعد استبعاده من السباق ومنعه من خوض الانتخابات، وبين المتلعثم أحمد شفيق، خادم مبارك المحب للساعات باهظة الثمن الذي وقف على صناديق صغيرة في المؤتمرات الصحفية ليبدو أطول مما هو عليه. كان محور تسويق حملة شفيق يتلخص في جملة واحدة: أنا لست من الإخوان المسلمين، صوتوا لي.

كانت معركة سباق متوسطة المستوى. غادر شفيق البلاد تقريبًا بعد خسارته للانتخابات، تاركًا ورائه اتهامات مختلفة بالفساد وأعضاء فرحين للإخوان المسلمين احتلوا الشوارع محتفلين بانتصار رجلهم.

بدأ مرسي الأيام الغريبة من حكمه بالذهاب إلى ميدان التحرير وفتح سترته لإثبات أنه “واحد مننا” وأنه ليس خائفًا من الموت بينما كان محاطًا بـ ٦٥٨ حارس شخصي. والتزم بالتقليد النبيل للرؤساء المصريين الذي يقومون فيه بإطلاق الوعود التي يفشلون في الوفاء بها فيما بعد. كانت وعوده على شكل مشروع “١٠٠ يوم” الطموح الذي قال لنا أنه سيحل مشاكل مصر الأكثر إلحاحًا، المزمنة، المتعددة. وكان الجميع ينظر للمشروع باعتباره عملا فانتازيًا.

باستثناء المعجزة، لم يكن من الممكن لأي رئيس، أيا كانت انتمائاته السياسية، أن ينجح في أي شيء، فاضطرابات الثورة كانت جديدة، والموت والعنف كانا وقتها مستحدثين. كان هناك ارتفاعًا ملحوظًا في جرائم الشارع وإحساسًا عامًا بأن البلاد كانت على حافة الانهيار. وعلى مدار عقود، وأجيال، اعتبرت وزارة الداخلية والجيش والقضاء الدعامات الأساسية، الأوتاد المدقوقة في الأرض التي تثّبت الخيمة أمام رياح عدم اليقين والتهديدات غير المحددة غير المعلن عنها.

طالبت الثورة بتغيير هذا التفكير رأسًا على عقب، أن ينظر إلى تلك المؤسسات باعتبارها عائق أمام التقدم، أن ينظر إلى هذا المسار الطويل من عدم اليقين باعتباره يؤدي إلى الخير في النهاية.

خاض مرسي ورجاله في كل هذا بسمتهم المميزة من البلاهة والشعبوية الروحية. ولم يبذل الإخوان المسلمين، الذين نُظر إليهم كشيء ما بين الجماعة المغلقة والطائفة الدينية، أية مجهودات حقيقية لنفي هذا. وبدلا من ذلك أمضوا وقتهم بين أزمات العلاقات العامة ومحاولاتهم القبض على السلطة، ومغازلة نفس المؤسسات التي كان يجب أن يتحدوها لضمان بقائهم.

بدأت النهاية حقًا بعد ٢٢ نوفمبر ٢٠١٢، عندما مرر مرسي إعلانًا دستوريًا مانحًا نفسه سلطات عبثية وفرعونية. احتج الناس بالاعتصام أمام قصر الرئاسة، وهوجم المعتصمون على يد رجال بالزي المدني، وتصاعد الموقف حتى تحول إلى اشتباكات في الشوارع بين معارضي مرسي ومجموعة أخرى عرفت نفسها باعتبارها مدافعة عن حكمه. وأصبحت كوابيس انقسام مصر لشقين حقيقة في تلك الليلة الطويلة، بعد الكر والفر بين المعسكرين الذي شاهدته الشرطة لساعات دون أن تتدخل لوقفه.

تراجع الجيش ووزارة الداخلية وجلسا يتفرجان على هذه الفترة وما يحدث بها في انتظار التطورات الناجمة عن زيادة الاستياء العام. تسلقت حركة المعارضة “تمرد” على ظهر هذا الغضب ونظمت حملة لجمع التوقيعات مطالبة مرسي بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، وازداد زخم تلك الحملة طرديًا مع الإحساس بالفوضى الذي ساد في تلك الأيام التي سبقت ٣٠ يونيو: طوابير غامضة تستمر لست ساعات أمام محطات البنزين، الإعدام المرعب الشعبي لأربعة من الشيعة، والشائعات المتزايدة بشأن سيطرة الإخوان المسلمين على الجيش والشرطة وتحويل مصر إلى إيران.

مصر عمومًا فوضوية، لكن كل ذلك كان في حدود مقبولة. تم تضخيم فكرة النهاية الوشيكة على يد طاحونة شائعات الفيسبوك الهيستيرية والإعلام المنقسم كبقية الدولة، الذي قدم نسخًا من الحقيقة بينما كانت الهمهمات تدور في الخفاء بشأن شيء على وشك الحدوث.

تجاهل مرسي هذه الهمهمات وألقى خطابًا استمر لساعتين قبل أن يتم الإطاحة به، وفيه هدد معارضيه وقلل من شأنهم. كانت تلك أفعال الحكام الديكتاتوريين المحنكين، وليس هاو تحلق فوق رأسه نسور الجيش والداخلية، لا يمكنه حتى أن يخيف أطفاله ليذهبوا إلى النوم في موعد محدد.

اليوم هناك حملة إعلانية في شوارع القاهرة تحض المواطنين على المشاركة في الاستفتاء المقبل على مسودة الدستور، لافتات عملاقة تقول إن المشاركة تعني “نعم” لثورتي ٢٥ يناير و٣٠ يونيو، بينما تقفز “نعم” بخط كبير على خلفية خضراء، مما يجعل تلك اللافتات تبدو وكأنها تقول “نعم نعم نعم”.

إن تجاور ثورتي ٢٥ يناير و٣٠ يونيو يعتبر خدعة تسويقية طموحة لجذب أكبر عدد من الزبائن، وهو استمرار لرسالة بح صوت الحكومة في نشرها وهي أن الإطاحة بمرسي على يد القوات المسلحة لم تكن انقلابًا، وأن ٣٠ يونيو إما كانت موجة جديدة للثورة أو تصحيح لمسار ثورة ٢٥ يناير، التي واجهت عثرة عندما وصل مرسي للحكم. وكلا التفسيرين خيالي لأنه إذا كان هناك رابط بين ٢٥ يناير ٢٠١١ و ٣٠ يونيو ٢٠١٣، فهو يشبه العلاقة بين المناشير والأشجار، أو الفك المفترس والأطراف السفلى.

تجاهلوا أيضًا حقيقة أن ٢٥ يناير لم تكن نتاج الوحدة والحب الأخوي الذي يتحدث عنه الرومانسيون، وأن الهمسات بشأن أنها مخططة من الخارج أو من الإخوان المسلمين، أو كليهما، للاستيلاء على الحكم بدأت قبل حتى انتهاء الـ ١٨ يومًا. اقتصرت تلك المزاعم في البداية على الإعلام المصري المجنون، وأنصار مبارك المتعصبين الذين، إن لم يقوموا بخطف النشطاء، يسجلون الأغاني لأجل “الجنرال” في أوقات فراغهم.

استخدموا العلامة التجارية للوطنية المكونة من فوبيا الأجانب والحب غير المشروط للقوات المسلحة والهجمات الشخصية الخسيسة على معارضيهم، وأصبح لهم صوتًا مسموعًا بعد ذلك بالفعل عند وصول مرسي إلى السلطة، إذ أصبحت كل التحذيرات السوداء بشأن خطة إسقاط مصر فجأة حقيقية. ومع استمرار تعنت الإخوان المسلمين ودفعهم الأحداث نحو الهاوية السياسية وتدهور الوضع الاقتصادي، بدأت الشقوق في الظهور وأصبحت التمتمات اتجاهًا عامًا، بشكل غير معقول.

بدأت تلك التمتمات في التعامل مع الإخوان المسلمين باعتبارهم في درجة أدنى من البشر (وقد كانوا بالفعل يدمرون صورتهم بأنفسهم بنجاح)، وصف أنصار مرسي الذين شاركوا في اعتصام رابعة العدوية بالخرفان وتم اتهامهم بأنهم أصيبوا بأمراض جلدية معدية. أطلقت عليهم حملة إعلامية شرسة، قامت بتأهيل الرأي العام لما سيحدث. مجزرة رابعة في ١٤ أغسطس، عندما قتل المئات في يوم واحد خلال فض الاعتصام على يد قوات الأمن. اعترض القليلون، لم يكن حتى من بين تلك القلة الكثير من الليبراليين ونشطاء حقوق الإنسان الذين كانوا ينتقدون الانتهاكات بشدة في حكم مبارك والإخوان.

تم قبول الرواية التي تقول إنه تم إنقاذ مصر من على حافة الهاوية وهي الآن منخرطة في حرب ضد الإرهاب، ولم يشكك الجمهور العام فيها بعد أن فقدوا صبرهم بالثورة، كما لم يعترض أحد من هؤلاء الذين ذهبوا يبحثون عن الملاذ من اضطرابات الثورة في الأحضان المألوفة لنفس الدولة التي انتفضوا ضدها منذ ثلاثة أعوام.

المشكلة مع رد فعل مثل ذلك الذي اتخذته الدولة ضد مرسي وأنصاره إنه يشبه تلك الكرة الحديدية الضخمة المتحركة -تلك الكرة الضخمة التي تثبت على آلات الرفع وتستخدم لهدم المباني بينما تتأرجح ذهاباً وإياباً على أنقاض المبنى- التي ما إن تحصل على الزخم، فمن المستحيل عليها أن تضرب مرة واحدة. وعندما وافق الناس على طلب معشوق النساء، وزير الدفاع الفريق عبد الفتاح السيسي، ونزلوا إلى الشوارع لمنح القوات المسلحة “التفويض” لمحاربة الإرهاب، كانت تلك الكرة قد حصلت على القوة والزخم بالفعل.

وبنهاية نوفمبر، مرر الرئيس المؤقت قانونًا يجرم الاحتجاجات. رد النشطاء بالقيام بوقفة احتجاجية أمام مجلس الشورى، تم اعتقال أكثر من ٦٠ شخصًا فيها، ومنهم منى سيف، واحدة من مؤسسي مجموعة الضغط ضد المحاكمات العسكرية للمدنيين. وفي وقت متأخر من تلك الليلة، وقف شقيق منى الناشط البارز علاء عبدالفتاح أمام أحد الأقسام في وسط القاهرة بعد أن سمع أنه سيتم ترحيل شقيقته والمعتقلين الآخرين إلى هذا القسم. ورأته مجموعة من النسوة في منتصف العمر، بدأت واحدة منهن في الصراخ في وجهه، متهمة إياه بأنه شاذ جنسيًا وملحد وعميل للغرب وممول من الولايات المتحدة.

بعدها بأسبوع، كان هناك تظاهرة فاشلة، تحتج على قانون التظاهرة. قام أفراد سريين من الشرطة بهش العشرة أشخاص الذين ظهروا وقتها في المظاهرة، ومعهم “المواطنين الشرفاء” الذي يدافعون عن مصر ويظهرون الآن بانتظام في مثل هذه المناسبات. وبينما كانوا ينسحبون، صاح رجل فيهم قائلا إن الناس اكتفوا من المظاهرات، يريدون لقمة العيش، صارخًا “خربوا البلد”.

قبلها بيوم، حدث مشهد مماثل في ميدان التحرير، حيث كان الطلاب يحتجون على الإطاحة بمرسي، واقترب منهم رجل حازم في أوائل الستينات وسار حولهم بحقيبة بلاستيكية في يد وصورة السيسي في الأخرى يرفعها فوق رأسه، حينها، حدث مشهد مؤسف، عندما سرق طالب الصورة من يد الرجل، وطارده الرجل لاستعادتها من بين السيارات والطريق.

اندلع شجار أكبر نسبيًا بين عدد من الطلاب ومجموعة صغيرة من الرجال الذين تجمهروا حول الرجل صاحب صورة السيسي، وفي لحظة عجيبة، ضرب عكاز رأس أحد الواقفين، وأنهت أصوات حافلات الشرطة المعتادة قادمة، ذلك العويل المألوف الذي ينبهنا إلى ضرورة النظر إلى الأعلى. وهناك، كانت الأقواس البيضاء لقنابل الغاز تشكل خطًا في السماء، وتضع خط النهاية للأحداث، لتتغول السحب كريهة الرائحة بوهن في المساحات الفارغة التي خلفها المحتجون المتقهقرون.

بعد أن قامت الكُرة الحديدية الضخمة بتدمير الإخوان المسلمين، هي الآن في مسارها التالي، مستهدفة أي شخص يجرؤ على التشكيك بها.

يعتبر أحد أهم انتصارات ثورة ٢٥ يناير التي يتم ذكرها عادة هو أنها أعادت المساحة العامة للاحتجاج. وقد انتهى كل ذلك الآن، وليس لأن الدولة منعت مؤخرًا الاحتجاجات غير المرخصة، فقد كانت الاحتجاجات غير قانونية في ٢٥ يناير أيضًا، وإنما لأن الأعداد ليست كبيرة بما يكفي، وتقتصر على الجامعات، وأنصار مرسي والنشطاء البارزين الذين كانوا ناشطين قبل الثورة، واحتجاجات العمال.

وباستثناء الاحتجاجات “المناهضة للانقلاب” (التي يحضرها عادة أعضاء الإخوان المسلمين مدفوعين بالإحساس المشروع بالظلم لكنهم أيضًا مدفوعين بمصالحهم الشخصية الضيقة)، فإن كل تلك الاحتجاجات، مرة أخرى باستثناء احتجاجات الإخوان المسلمين، مفيدة في أن ترهق الدولة، ولكنها تحدث مختفية في حرم الجامعات أو في المصانع تم إبعادها إلى هوامش المجتمع، كما كان يحدث في الأيام القديمة.

والأسوأ هو أن كل ذلك يحدث بالتوافق مع الرأي العام، المنقسم والمدفوع بكراهية نفسه، القلق من أن يتعرض للغش مرة أخرى، السعيد بتصديق أن العدو المشترك واحد منهم لا يحكمهم، المستعد للتغاضي عن آلاف المظالم اليومية المعتادة والاعتداءات أحيانًا لأن هناك راحة في المألوف، مهما كان بشعًا.

اعلان