Define your generation here. Generation What
انقذوا الإسكندرية.. وأفرجوا عن شريف فرج
 
 

شريف فرج واحد من “أعظم الأشخاص الذين يمكنك أن تقابلهم”، هكذا غرّدت الناشطة السكندرية البارزة ماهينور المصري. شريف معيد وطالب ماجستير بكلية الفنون الجميلة بجامعة الإسكندرية، كما إنه واحد من أقل النشطاء شهرة في المدينة الساحلية. بعد أن أعلن معارضته الصريحة لقانون التظاهر، أخذت حياته منحى مختلف، للأسوأ، تحديدا عندما غزا زوار الفجر من الشرطة منزله.

ففي الثانية ونصف من فجر الأحد، ٢٤ نوفمبر، اقتحمت قوة أمنية كبيرة مكونة من ٢٠ رجلا مسلحًا شقة عائلة شريف في سيدي بشر بالإسكندرية، واحتل رجال قوات الأمن الملثمين سلالم المبنى، وأغلقت مواكب الأمن الشارع، كل ذلك كان من أجل القبض على أكاديمي واعد ومدافع عن حقوق المدرسين المساعدين وداعي للحفاظ على التراث والقيم المعمارية.

لم تنته المسرحية الساخرة هنا، بل امتدت حتى اقتيد شريف فرج إلى مديرية الأمن في سموحة، في حضور محاميه، ووصلت الاتهامات الموجهة له إلى “الانتماء لجماعة محظورة”، يفترض أنها الإخوان المسلمين، التي لا ينتمي لها شريف ولا يرتبط بها بأي حال من الأحوال.

ولأنهم يعرفون أن تلك التهمة يصعب إثباتها على شريف، فقد وجهوا إليه اتهامات أكثر، ففي العاشرة مساء من نفس الليلة، اتهم شريف بإثارة الفوضى، وتعبئة الحشود للتظاهر واستخدام العنف.

في اليوم التالي، وجهت اتهامات أخرى لشريف بتخطيط وقتل المتظاهرين السلميين، وتكسير السيارات، و للتأكد فقط من أن القضية بالكامل أصبحت مغلفة بالسخافة، اتهموه أيضًا بسرقة بنك.

شريف محبوس على ذمة التحقيقات في سجن الحضرة منذ ٢٨ نوفمبر، وتم تجديد حبسه لمدة ١٥ يومًا آخرين في ٨ ديسمبر، على الرغم من عدم وجود أي دليل أو شهود لإدانته، وخلال هذه الفترة، كانت هناك احتجاجات يومية والتماسات مطالبة بإطلاق سراحه.

كان نشاط شريف الأكاديمي يمثل قصة نجاح لثورة ٢٥ يناير من عدة أوجه، فكما يقول صديقه أحمد حسن “إن سلوك شريف الإيجابي وتأثيره الملهم على الناس ضمن له مكانًا مميزًا في الجماعات الأكاديمية والثقافية بالإسكندرية، وتكاملت حملته لحقوق المدرسين المساعدين مع الجهد الجماعي الذي ناصر قضية المدرسين المساعدين في أنحاء الجامعات المصرية. تبع ذلك صعوده ليصبح في اللجنة الاستشارية لوزارة التعليم العالي لتوصيل مطالبنا إلى صناع القرار”.

لكن وجود شريف في الشارع هو الذي جعله مألوفًا للعامة، وللسكندريين بصفة خاصة. فقد قاد مظاهرات سلمية احتجاجًا على مافيا العقارات بالإسكندرية وتدميرهم لتراث المدينة، كما هاجم التكاثر الخطير لعشرات الآلاف من المباني التي تنتهك معايير السلامة الأساسية وبالتالي تؤدي إلى المأساة المعتادة لانهيارات المباني في المدينة.

كان شريف جزءًا من الرابطة المتنامية لنشطاء الإسكندرية الذين تشاركوا في وجهة النظر التي تقول إن مركزية صناعة القرار في القاهرة هي المصدر الرئيسي لمشاكل الإسكندرية، وهو الموقف الذي ينبغي تصحيحه.

كان من المفهوم ضمنيًا بين المجتمع المدني السكندري أن التراث ومشاكل المباني يعد من الاهتمامات المشتركة بين كل الجماعات. واتحدت مجموعات الفيسبوك والصفحات مثل Alexandria Scholars و Alex Agenda وراديو ترام خلف مبادرة “أنقذوا الإسكندرية“، وهي المبادرة التي شارك في تأسيسها شريف وكانت تهدف بالأساس إلى حماية تراث الإسكندرية المعماري، إلا إنها أصبحت منصة للنشاط السياسي.

تقدم المبادرة نفسها باعتبارها جماعة ضغط تعمل على ضمان “حق السكندريين في مدينتهم”، وعادة يحدث ذلك من خلال تنظيم الاحتجاجات. واستخدمت صفحة “أنقذوا الإسكندرية” على فيسبوك للإعلان عن الاحتجاجات وحشد الناس للمشاركة. وبطبيعة الحال، أدت شهرة المبادرة، جنبًا إلى جنب مع نشاط شريف في الجامعة، إلى وضعه على رادار أمن الدولة.

كان منحى نشاط شريف متطورًا ومتعدد الأوجه، تراوح بين الوقفات الاحتجاجية المقابلات الإعلامية ولقاء المسؤولين لمحاولة إصلاح الوضع وحل مشاكل المدينة. عندما تحدث شريف عن مشاكل الإسكندرية، كان حديثه من البلاغة والإيجاز بحيث أزعج من في السلطة.

أتذكر مشهدًا حدث العام الماضي، عندما كنا شريف وصديقه أحمد وأنا مدعوين للتحدث مع المحافظ في اجتماع المائدة المستديرة بنادي المهندسين المطل على البحر المتوسط. كنا الأصغر سنًا في الغرفة المليئة بالمسؤولين المتملقين والأكاديميين العجائز المهووسين بأنفسهم الذين يرفضون محادثتهم إلا بوضع لقب “دكتور” قبل اسمائهم. بدا أن لديهم مشكلة في قبول وجودنا في هذا الاجتماع رفيع المستوى، ومع ذلك، تحدث شريف بصوت عال وبلاغة عن المدينة ومشاكل الناس.

“أنت واقف في شارع فؤاد، أحد أقدم الشوارع في التاريخ (المستخدمة الى اليوم)”، هكذا أخبرني شريف ذات مرة في أحد الاحتجاجات. ولشغفه بإنقاذ تراث الإسكندرية، كان يتحسر على ثقافة البناء الحالية، وكيف أن أحدًا لم يعد يتعلم أو يدرّس المعمار بشكل صحيح. قال لي “كل مبنى يرتفع الآن أصبح يشبه الآخر”.

أخبرتني نهى منصور، خطيبة شريف، أن “شريف من نوعية الأشخاص الذين يقدرون حرية التعبير والعمل للغاية. لا يشعر أبدًا بالحرج من التعبير عن أفكاره وآرائه. وأشعر أن معارضته الواضحة الصريحة لقانون التظاهر الجديد هي التي جعلت السلطات تعتقله أخيرًا”.

من المفترض أن يسلم شريف أطروحة رسالة الماجستير هذا الشهر، وقد أرسل هذه الرسالة الموجزة من السجن لكي تضاف إلى الصفحة الافتتاحية لرسالته:

توصيات ونتائج هذه الرسالة كتبت فى حجز مديرية الأمن بسموحة وسط هذا الظلم والعدوان تكتب هذه النقاط على أمل أن يكون التعليم العالى فى مصر وضع أفضل – ولن يكون – إلا اذا تحررت الجامعات من قبضات الأمن وسطوته.

لقد عملت على مدار سنتين ونصف فى محاولات لتحسين أوضاع الجامعات المصرية بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير العظيمة .. ساهمت فيها بزيادة مرتبات اعضاء هيئة التدريس كخطوة أولى وكنت فى تلك الفترة عضو باللجنة الاستشارية لوزارة التعليم العالى والتى اهتمت بإعادة قانون تنظيم الجامعات إلا أن المعوقين كانو لكل نجاح بالمرصاد. إذا كان سجنى هذا فى سبيل ما عانيته لتعليم أفضل فلا بأس. وحسبى الله ونعم الوكيل

الباحث 

شريف المحبوس في زنزانة بالسجن تعكس”مصرَيْن” متصارعتين، واحدة تافهة، عديمة الخيال، همجية وعفا عليها الزمن، والأخرى يمثلها شريف فرج ومعه الكثيرين من المعتقلين الآن الذين يعبرون عن الشغف، الشجاعة والأمل في بناء غد أفضل.

إن سجن شريف فرج يعني سجن الحلم بمصر أفضل، وحريته حتمية.

اعلان