المفترون على مانديلا والمفتونون بغاندي

يبدو أن نيلسون مانديلا وتجربة التحرر الوطني الجنوب أفريقية محكومٌ عليها بأن تظل حبيسة المغالطات التاريخية. كنت قد كتبت مقالاً منذ عام أو أكثر قليلا عن التعاطي الخاطئ والمبتذل مع تجربة جنوب إفريقيا في المصالحة التي بدأت مع بداية التحول الديمقراطي في ١٩٩٣. كان هذا ردا على مقال واحد من ضمن عشرات المقالات، وأشكالا أخرى من التعبير عن مطلب ملح وهو تطبيق تجربة المصالحة الجنوب إفريقية.

يظن البعض أن خطوات المصالحة في جنوب إفريقيا كانت كالآتي: نيلسون مانديلا يخرج من محبسه بعد ٢٧ عاما من الصراع والإذلال، يتفاوض مع الحزب الوطني الحاكم، يخوض انتخابات ديمقراطية، يفوز بها، يعلن في خطاب التأبين الصفح عن كل من أذاه وأذى شعب جنوب إفريقيا فيما مضى (بالنظر إلى ما كتبت يبدو هذا أقرب في الحقيقة إلى خطاب تأبين محمد مرسي). بينما الحقيقة أن تجربة جنوب أفريقيا في العدالة الانتقالية، والتي لها ما لها وعليها ما عليها، كانت مختلفة تماما.

فقد تم تأسيس لجنة للحقيقة والمصالحة، واشترطت أن يتقدم طالب الصفح بطلب للجنة، وأن يعترف بما ارتكب من جرائم في جلسات علنية، ويطلب الصفح، إيماناً بأن الحقيقة والمكاشفة تحقق على الأقل شيئا من إعادة تأهيل المجتمع نفسيا، وتساعده، وأهالي الضحايا خاصة، في التغلب على آلام الصراع الذي انتهى بالتفاوض. لم يكن صفحا مجانيا ولا أتى من موقع ضعف أو تنازل، وفي نهاية الأمر تم رفض النسبة الأكبر من طلبات المصالحة، وتعثرت عملية المحاسبة كما تعثرت عملية الإصلاح المؤسسي.

نجح مانديلا في تأسيس نظام سياسي ديمقراطي وتعزيزه -إلى حد ما- وفشل في الكثير، وما زالت هناك إشكاليات كبرى تواجهها جنوب إفريقيا في مؤسسات الدولة، وخاصة الأمنية منها.

يبدو أن خلطا متعمدا، أو هكذا أظن، يحدث في دوائر الإعلام والسياسة الغربية، بين فلسفة مانديلا في المصالحة والصفح والتي طورها في السنوات ١٩٩٣-١٩٩٥ بعد انتهاء الصراع وأثناء عملية صياغة الدستور، وبين مفهوم المقاومة السلبية أو الالتزام بالتكتيكات غير العنيفة في المقاومة، والتي كان قد التزم بها في سنوات نشاطه الأولى، ما بين الأربعينات وحتى عام ١٩٦١، أثناء مقاومته لسياسيات الفصل العنصري.

لقد خرجت علينا افتتاحية النيويورك تايمز يوم الجمعة الذي تلى وفاة مانديلا بعنوان “عن وفاة أيقونة المقاومة السلمية”، وهو ادعاء فيه الكثير من الافتراء (ثم قامت بتغييره لاحقا بعد أن توالت تعليقات القراء الغاضبة). الحقيقة أن مانديلا سبب كثيرا من الحرج لبعض صانعي القرار في العالم الغربي، حيث أنهم كانوا يتعاملون معه على أنه إرهابي، وفقد تذكرت الولايات المتحدة الأمريكية فقط في عام ٢٠٠٨ أن ترفع اسمه من على قوائم الإرهابيين. على كل فإن الأسماء التي تضعها الولايات المتحدة و ترفعها من على قوائم الإرهابيين تتعلق بالمواءمات السياسية – فإرهابيو الأمس أحياناً يصيرون حكام الغد.

ومانديلا لم يدعي أبدا أن تاريخ نضاله لم يشوبه استخدام للعنف أو للسلاح، فقد كان من مؤسسي ومن قيادات الجناح المسلح للمؤتمر الوطني الأفريقي “أمخوتنو وي سيزوي”، والذي تأسس في عام ١٩٦١ بعد مذبحة شاربفيل الشهيرة. لم ينكر مانديلا يوما هذه الاتهامات، وهو الذي كان قد بدأ حياته محاميا، مثل نظيره غاندي، وقد كان الطالب الأفريقي الوحيد في كيلة قانون جامعة ويتواترسراند، حيث التقى برفيق النضال جو سلوفو، الشيوعي الأبيض ذو الأصول اليهودية، ثم انضم لاحقا، عام ١٩٤٣، مع رفقاء الدرب الآخرين والتر سيسولو وأوليفر تامبو، إلى اتحاد شباب المؤتمر الوطني الأفريقي.

كان مانديلا ملتزما في سنوات الحراك الأولى بالمقاومة السلمية، لأسباب تكتيكية أكثر منها مبدئية، وتأثر كحال الكثيرين في المؤتمر الوطني الأفريقي بأدبيات غاندي، وقطع مسافات شاسعة في جنوب أفريقيا للحشد من أجل حملة “التحدي” في العام ١٩٥٢، الداعية لمقاطعة التشريعات المقننة للعنصرية والتمييز، واعتقل من ضمن الآلاف، ولم يبدأ هو ورفاقه في حركة التحرر الوطني في الاتجاه للمقاومة العنيفة إلا بعد المذبحة سنة ١٩٦١.

بخلاف هذا الخلط الذي قد يبدو متعمدا من قبل البعض لمحاولة طمس تاريخ المقاومة الجنوب أفريقية، لا يبدو لي أن التعاطي الخاطئ مع ذكرى المهاتما هو أيضا متعمدا.

يدفع المتحمسين لمانديلا والمدافعين عنه بأن مانديلا “لم يدعي يوما أنه غاندي”. أشعر أن في هذه المقولة الكثير من التجني على تاريخ غاندي نفسه. كان إيمان غاندي بالمقاومة المسلحة إيمانا دينيا في المقام الأول، وهو الذي لم يفكر في مسألة التحرر الوطني بمعزل عن الديانة الهندوسية أبداً، بل ورأى في خطابه السياسي تجلياً للإرادة الالهية. كان غاندي ينظر “للساتيجراها” على أنها أكثر من مجرد تكتيك للمقاومة السلمية، فالغاية والوسيلة لا يتجزأن، بالنسبة له، أو هكذا قال في كتاباته.

ولكن غاندي كان متقلب المزاج، وتاريخه يحمل الكثير من المتناقضات. فقد كان غاندي من المتطوعين في فرق الإسعاف البريطانية أثناء حرب البوير، وتطوع كمسعف أيضاً في قوات الاستعمار البريطاني التي سحقت تمرد الزولو فيما عرف بانتفاضة البامباثا عام ١٩٠٦ في جنوب إفريقيا، حيث بدأ غاندي حياته النضالية (بدأها بالدفاع عن حقوق الهنود الجنوب أفارقة، والذي كان يرى أنهم يستحقون معاملة أكثر تمييزاً من المواطنين السود على الأقل).

فرض غاندي المقاومة السلمية على الهنود لإيمانه بالسيطرة على النفس كجزء من خطوات عدة للتطهر من أجل الوصول إلى الحالة الروحية الي تجعل من الشعب الهندي شعب مستحق للتحرر ولمكانة أسمى بين دول الكومونويلث. ولم يعبأ بما يفعله المستعمر الإنجليزي بأسلحته، فقد كان يحترم “الراج” أو سلطة التاج البريطاني في الهند (من المفارقات أيضاً أنه حاول تجنيد متطوعين هنود لمجهود الحرب البريطانية أثناء الحرب العالمية الأولى). أما الدافع الرئيسي عند المهاتما لنبذ العنف داخليا فكان هاجس خروج الحراك الشعبي الواسع في الهند عن سيطرته وتحول الحركة الوطنية إلى ثورة، وقد ردد دائما أن الراج البريطاني أفضل كثيرا من الثورة الاجتماعية التي قد تمزق نسيج المجتمع الهندوسي.

أهم ما كان يشغل بال غاندي هو أن تسير عملية التحرر الهندي على الإيقاع الذي يحدده هو، وقد نجح في القضاء على أي ظهور لحراك منفصل عن إرشاداته داخل أروقة المؤتمر الوطني الهندي أو خارجها.

فعلى سبيل المثال لجأ غاندي في عام ١٩٣٢ لواحدة من أقسى أدوات التصعيد في كتالوج المقاومة السلمية الخاص به ضد جزء من المجتمع الهندي: الصوم حتى الموت وهو في محبسه في بونيه (وكان المستعمر الإنجليزي والمجتمع الهندي كله يعرف مآلات تصعيد من هذا القبيل، فقد كان لغاندي وضعية شبيهة بوضعية الآلهة). قام بهذا من أجل إجبار الإنجليز على سحب التنازل الذي قدموه لأمبيدكار زعيم طائفة الداليت من المنبوذين ( في شكل تمثيل انتخابي منفصل لهذه الطبقة المسحوقة في التراتبية الاجتماعية الهندية)، تلك التراتبية التي حاول غاندي حمايتها من شر التقلبات المجتمعية، والتي لم تنفصل على الحراك ضد المستعمر البريطانيي – فكان له ما أراد .

لقد كان غاندي مفتونا بحلم القومية الهندية (ومتأثرا بنموذج الديمقراطية الانجليزية)، أما مانديلا فكانت قضيته الرئيسية، على اختلاف تكتيكات المقاومة التي استخدمها مضطرا في أغلب الأحيان، هي المساواة الاجتماعية، بغض النظر عن إخفاقاته وإنجازاته عمليا. يعرف الدستور الهندي وكذلك الجنوب إفريقي بأنهما من أفضل الدساتير في العالم من حيث الضمانات لحقوق المواطنين، خصوصا الحقوق الاجتماعية. ولكن يبدو لي أن هذا تحقق في الهند بالرغم من غاندي وليس بالضرورة بسببه، على عكس جنوب إفريقيا . ولذلك يستحق مانديلا مكانة أعلى بكثير من غاندي في تاريخ حركات التحرر الوطني.

اعلان
 
 
كريم مدحت عناره 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن