Define your generation here. Generation What
وزارة الداخلية ومبدأ عدم التأكد
 
 

قد يصعب على المرء فهم “مبدأ عدم التأكد”، أحد أهم أساسيات نظرية ميكانيكا الكم في علم الفيزياء، والذي يفترض أن الإلكترون يمكن أن يتم رصده في مكانين مختلفين حول الذرة في وقت واحد. وهو مبدأ صعب إلا أن نظرة سريعة على حال وزارة الداخلية قبل وبعد ٣٠ يونيو، قد تجعل استيعاب هذا المبدأ أمراً سهلا.

فعلى سبيل المثال، محمد إبراهيم وزير الداخلية الذي عينه محمد مرسي المطاح به من الرئاسة حديثًا، في الأسبوع الأول من هذا العام، لتقوم وزارته بقمع معارضي جماعة الإخوان المسلمين وسط استحسان مؤيدي الجماعة، هو نفسه محمد إبراهيم الذي أبقت عليه حكومة ما بعد ٣٠ يونيو لتكون وزارته أداة لقمع معارضيها، وخصوصاً من مؤيدي الإخوان ومرسي، وهو مبدأ معقد بحق، فالوزير الذي عُين أساسًا لحماية الإخوان المسلمين أصبح الآن يحمي هؤلاء المعارضين لمرسي وجماعته.

على الرغم من أن تفسير ذلك لدى ضباط الداخلية على أنه تعديل من الوزير لسياساته المتبعة في الوزارة نتيجة لضغطهم المستمر عليه، إلا أن بعض المحللين السياسيين يرون أن ذلك تجسيد لحال الدولة المصرية، التي تحولت مؤسساتها إلى طوائف وعشائر تتحالف أحياناً وتتصادم أحياناً، وفقاً لمصالحها.

يقول الرائد محمد بدوي، الضابط بالأمن المركزي، أنه على الرغم من معارضته الشديدة، بالإضافة إلى أغلبية ضباط الوزارة، لأداء محمد إبراهيم خلال فترة رئاسة مرسي، إلا أن الوزير يلقى استحساناً وسمعة حسنة بين الضباط اليوم، حسبما يقول بدوي.

واتسمت فترة حكم مرسي بالحراك الواسع على يد معارضيه الشرسين، وقد تحالفت عدة قوى سياسية وسلطات ضده، خاصة بعدما قام بتمرير الإعلان الدستوري المثير للجدل في نوفمبر 2012، مانحًا نفسه سلطات كاسحة ومحصنًا قرارته من المراجعة القضائية.

وفي تلك الفترة، واجه احتجاجات المعارضة غضب أجهزة الدولة الأمنية والاعتداء العنيف من قبل جماعة الرئيس، الإخوان المسلمين. ووجهت انتقادات لوزارة الداخلية لوقوفها إلى جانب الإخوان، وهوجم الوزير بسبب الطريقة التي تعامل بها مع الاحتجاجات، وطبقًا لما قاله بدوي، فإن وزير الداخلية واجه أيضًا غضبًا متصاعدًا من داخل الوزارة.

يتذكر بدوي “لقد اجتمعنا في النادي العام لضباط الشرطة قبل ٣٠ يونيو، وكنا أكثر من ٣٠٠٠ ضابط، وأخبرنا الوزير في مذكرة أن الشارع إذا تحرك ضد الإخوان فلن نكرر خطأ يناير ٢٠١١، وسنقف في صف الشارع“.

كان اندلاع ثورة 25 يناير 2011 مفاجئًا للجميع، ولم تكن قوات الأمن التي اضطرت لمواجهة الجحافل المفاجئة للمحتجين على الأرض أقل تعرضًا للمفاجأة. وقد اختار المحتجون يوم عيد الشرطة بالتحديد للاحتجاج على وحشية الشرطة، علاوة على مع مطالبهم بالـ”عيش، حرية، عدالة اجتماعية”. تم استهداف أقسام الشرطة في أنحاء مصر، مما أدى إلى انسحاب واسع ومطول لقوات الأمن من الشوارع.

ومع اقتراب الاحتجاجات المخطط لها 30 يونيو ضد مرسي، أصبح واضحًا أن الأعداد في الشوارع ستكون كبيرة، وأراد الضباط أن يكونوا على استعداد هذه المرة.

واستنتج بدوي من ذلك أن وزير الداخلية “فهم الضباط، وأدرك أن اتجاه الوزارة لن يكون في مسار حماية مقرات حزب الحرية والعدالة، بل سيكون مع الشعب“.

ولم تكن تلك هي المرأة الأولى التي تتهم فيها قوات الأمن بعقد تحالفات مع الإخوان، فقد اعتبر فوز مرسي في الانتخابات الرئاسية من قبل كثيرين نتيجة لمفاوضات تكتيكية ومساومات وصفقات في الكواليس مع الجيش. وعندما تحركت وزارة إبراهيم ضد معارضي مرسي في الشهور السابقة لـ30 يونيو، ازدادت هذه الشكوك.

أما المنظر من خارج وزارة الداخلية فيختلف قليلا. يفسر كريم عنارة، الباحث في الشئون الجنائية والأمنية بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، ما حدث على أنه انهيار لتحالف سابق بين المؤسسات الأمنية والإخوان المسلمين، قررت المؤسسات الأمنية هجره عندما شعرت أن مصالحها مهددة.

ولكن يبدو أن ما يعرف بـ”تحالف ٣٠ يونيو” والذي تمثل الأجهزة الأمنية والجيش أهم أعمدته، والذي أطاح بمرسي، يبدو هو الآخر مهدداً بسبب سياسات الداخلية الجديدة.

في عدد الأربعاء الموافق ٢٧ من نوفمبر السابق، نشرت جريدة الشروق الخاصة خبراً عن رفض وزير الداخلية الاستجابة لضغوط من أعضاء لجنة صياغة الدستور ومن الحكومة، للإفراج عن المعتقلين في وقفة “لا للمحاكمات العسكرية” أمام مجلس الشورى في اليوم السابق، عندما ألقت قوات الأمن القبض على مجموعة من نشطاء الحركة بعد التعدي عليهم بالضرب.

جاءت الوقفة بعد وقت قليل من تبني قانون التظاهر الجديد المثير للجدل والذي أثار انتقادات جماعات حقوقية محلية ودولية بسبب كثرة قيوده. واعتبرت وسائل الإعلام الحكومية، والخاصة أن الاعتقالات أمام مجلس الشورى هي أول تطبيق عملي لقانون تنظيم التظاهر الذي أقرته الحكومه في يوم الأحد من ذلك الأسبوع. وأثار اعتقال النشطاء البارزين انتباه وسائل الإعلام بشكل كبير وكانت هناك مطالب بإطلاق سراح المعتقلين، وخاصة النساء.

أثار تعنت وزير الداخلية، ورفضه لأي ضغوطات للإفراج عن المعتقلين، حفيظة العديد من الرموز السياسية المحسوبة على “تحالف ٣٠ يونيو”، كما أثار تساؤلات عما يدفع الوزير لتحدي الجميع.

في الوقت الذي يرى فيه بدوي ما حدث هو احترام للقانون بتطبيقه على الجميع، إخوان وغير إخوان، يرى أشرف الشريف، أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، أن ما حدث هو تجسيد لما يسميه “دولة الطوائف أو العشائر”، حيث تتصرف مؤسسات الدولة كما يحلو لها وفقاً لوضعها بين باقي المؤسسات، وبما يخدم مصالحها.

يقول الشريف “يبدو الصراع بين طوائف الدولة المختلفة، وأهمها الجيش والشرطة والقضاء، على حصص الدولة والموارد والنفوذ”. ثم يضيف “هذه هي اللحظة المثالية لأن تتصرف كل مؤسسة كما تشاء“.

ويشرح الشريف في ضوء ذلك سياسات وزارة الداخلية الحالية، على أنها متعلقة بنمط أداء العمل، بمعنى “أن الحكومة تنتظر من الداخلية أداء مهمة محددة وهي الضبط الأمني.. ولأن وزارة الداخلية لن تستطيع تحقيق ذلك إلا باتباع نمط أداء عملها المعتادة عليه، فإنها سترفض أي محاولة لتغيير هذا النمط، لأن تغييره يستتبع تغيير الممؤسسة نفسها“.

يضيف الشريف “سيكون شعار الداخلية دائماً: هذا هو أسلوبي، ومن لا يعجبه ذلك فليأخذ مكاني“.

من ناحية أخرى، يرى أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، حسن نافعة، أن وزارة الداخلية تؤدي دوراً هاماً في الشارع لتحقيق الأمن، ومكافحة الإرهاب، والتصدي لمحاولات الإخوان المسلمين لزعزعة استقرار الوطن.

ومأخذ نافعة الوحيد على وزارة الداخلية هو أن “العديد من الضباط يغلب على أدائهم نزعة الانتقام ممن تسببوا فيما حدث لهم في يناير ٢٠١١“.

ويتفق عنارة مع الشريف في أن الداخلية لديها هاجس انهيارها، ويتضح ذلك من القلق العميق لدى قادتها الذي تحدثه أي نوع من الإضرابات أو المظاهرات التي ينظمها أفراد الجهاز وضباطه.

دولة فاشلة، فيها مؤسسة أمنية تتكون من عشرات اللواءات وآلاف الضباط ومئات الآلاف من المجندين، بالإضافة إلى شبكات المخبرين والبلطجية، كل ذلك لا يحكمه عقيدة واحدة أو مشروع واحد -مثل عقيدة حماية المواطنين مثلاً- على عكس الجيش الذي يملك عقيدة واضحة لأفراده”. يضيف عناره “إن سياسات الداخلية يمكن أن تهدف في جزء منها إلى منع الجهاز من الانهيار“.

يرى عنارة أن جزء من آداء محمد إبراهيم يهدف إلى الحفاظ على الوزارة من التحلل، كما يهدف أيضا للحفاظ على مصالح الجهاز المتمثلة في مصالح أفراده الشخصية على المستوى الصغير، والوضع الاجتماعي و حصص الجهاز في كعكة الدولة على المستوى الكبير.

في نفس السياق يقول الشريف أن وزير الداخلية لن يستطيع أن يقود الوزارة إلا إذا سمح للضباط أن يعملوا بالطريقة التي تناسبهم. “هذه هي الطريقة الوحيدة لأخذ الدعم و التأييد من الضباط، والحفاظ على الجهاز متماسكاً ومتحداً مع نفسه كطائفة من طوائف الدولة“.

يضيف الشريف “لم يكن الجهاز متماسكاً في عهد مرسي“.

يعلق على ذلك بدوي بأن الجهاز لم يكن متماسكاً لأن الحكومة أيام مرسي كانت تطالبهم بضبط النفس حتى وإن أطلق عليهم الخرطوش. “الآن لدينا تعليمات بشكل رسمي من الوزارة برد الاعتداء، وهذا أعاد لنا هيبتنا من جديد وجعلنا نشعر بأن الوزير يفهم أوضاعنا“.

ويعتقد عنارة أن الفارق بين الداخلية اليوم وأيام مرسي أنه على الرغم من المخاطر التي تلحق بالضباط من هجمات إرهابية أو مصادمات مع الإخوان، فإن كل ذلك ليس له نفس التكلفة الاجتماعية التي دفعها الضباط أثناء تصديهم للغضب الشعبي المعارض للإخوان، الذي انعكس على وضعهم الاجتماعي. إن النظرة العامة للشرطة تختلف حسب الهدف من تصرفاتهم: فمواجهة الغضب الشعبي ضد الإخوان المسلمين شيئ، وشن ما يعتبرها الكثيرون حربًا لحماية الدولة من الإرهاب شيئًا آخر تمامًا.

و يرى الشريف أنه حيث أن باقي مؤسسات الدولة، من الجيش والحكومة وغيرها، تحتاج إلى دور الداخلية في الضبط والتحكم السياسي، لذلك فعليهم الرضوخ لابتزازات وشروط الداخلية، ولكن في إطار معقول. “أهمية الجهاز ترجع إلى قدرته على أداء وظيفته، فلو لم تقم الداخلية بقمع المعارضين ستصبح عديمة الفائدة وبالتالي ستقل قدرتها التفاوضية في صراع طوائف الدولة“.

يشرح الشريف “لو كان الصراع القائم بين الداخلية ومؤسسة أخرى، واتضح خطأ الداخلية فيه فلن يمر دون أن تتراجع الداخلية عن خطئها. ولكن إذا كان خطأ الداخلية في حق متظاهرين ضد الحكومة أو حركات سياسية أو قوى المجتمع المدني، فهم عديمي الوزن بالنسبة لطوائف الدولة الكبيرة كالجيش والشرطة والقضاء، لذلك لن يصر أحداً على أن تتراجع الداخلية عن خطئها”. لهذا السبب لا يصر أحد على تراجع الداخلية عن أخطائها. وفي هذا السياق من المكابرة والعناد، كان رد فعل ضباط الشرطة غاضبًا أمام المطالب بإطلاق سراح المعتقلين من النشطاء أمام مجلس الشورى.

لذلك غضب العديد من ضباط الشرطة من نداءات التراجع عن اعتقال النشطاء أمام مجلس الشورى. يقول بدوي “الببلاوي رئيس وزراء ضعيف، وضعفه هذا سيضعف وزارة الداخلية”. وتسائل “كيف له أن يطلب الإفراج عن معتقلين اخترقوا القانون؟.. كل دول العالم لديها قانون تظاهر، ونحن سنطبق القانون على الجميع، هكذا يكون احترام القانون“.

ولكن في صراعات أخرى تراجعت الداخلية.

في يوم الجمعة الموافق ٢٩ من نوفمبر السابق، صدر أمر من نيابة طنطا بحبس النقيب محمد حماد والملازم أول مهاب السايس، ٤ أيام على ذمة التحقيقات، لاتهامهم بالاعتداء على مساعد النيابة بمركز قويسنا علي هيثم.

على الرغم من أن الرواية تقول إن الضباط أوقفوا سيارة الأجرة التي كان يركبها هيثم لاشتباههم في سائقها، وثبُت بالفعل أن لديه سوابق، إلا أن هيثم اعترض على الواقعة وادعى أن الضباط اعتدوا عليه بالضرب. ذكرت وسائل الإعلام أن الإتصالات جارية بين الأطراف المختلفة “لاحتواء الموقف“.

في السابع من نوفمبر السابق أيضاً تمكن مسئولون من وزارة الداخلية ونيابة ساقلته بمحافظة سوهاج، حل مشكلة أخرى بين مدير ووكلاء النيابة بالمركز من ناحية وضباط وأمناء المركز من ناحية أخرى.

على الرغم من أن الرواية تقول أيضاً أن مدير النيابة تورط في إصابة أربعة أشخاص في حادث سيارة، ثم نشأت مشاحنات بين الطرفين على خلفية الحادث اتهم فيها ممثلوا النيابة رجال الشرطة بالاعتداء عليهم.

في كلا الحادثين، رفض ممثلوا النيابة الانصياع لأوامر ضباط الداخلية، وفي كلتا الحالتين كانت المساعي للحل عن طريق الوسائل العرفية والتصالح وليس القانون.

يعلق عناره “صراع الطوائف يتجلى في صراع المزايا، فالقضاء قطعاً عنده الكثير من المزايا مقارنة بضابط المرور“.

ويرى الشريف أن الداخلية ستظل على نمط أدائها بقدر من الاستقلالية عن طوائف الدولة، ولكن سيحكمها في مواجهة الآخرين الأوزان النسبية للفئة التي تتصارع معها.

يقول عناره “التحالف الحاكم وإن يبدو متماسكاً، فإنه قد يلجأ في لحظة ما للتضحية بوزارة الداخلية إذا شعر أن أداءها يكلفه الكثير. المؤسسة الوحيدة القادرة على فعل ذلك هي الجيش“.

لكن ذلك يؤدي بنا مرة أخرى إلى مبدأ “عدم التأكد“.

اعلان
 
 
محمد سلامة آدم  @elsheikhadam