جدل دستوري
 
 

بينما ينتظر المصريون التوقيت النهائي للتصويت في الاستفتاء على مسودة الدستور، تأخذ الجماعات الحقوقية وقتها لتقييم المكاسب والخسائر التي حظيت بها خلال المعركة الدستورية الأخيرة. كان دستور 2012 المثير للانقسام بشكل كبير والذي هُرع في تمريره في عهد الرئيس المعزول محمد مرسي قد أوقف العمل به، عندما أطيح بمرسي من الرئاسة في يوليو، ثم شُكلت لجنة الخمسين التي طُلب منها وضع مسودة دستور جديد، تم الانتهاء منه في ديسمبر.

يتوقع أن تطرح آخر مسودة للدستور للاستفتاء عليها في يناير، إلا أن المواد المتعلقة بالحريات الأساسية والحقوق الممنوحة أو المسلوبة في المسودة أصبحت مثار جدل كبير.

من أكبر انجازات مسودة الدستور هي المادة المتعلقة بالنوبيين في مصر، الذين حصلوا على الحق في العودة إلى أراضيهم التي تم تهجيرهم منها منذ عقود، كما تم تجريم التعذيب والتمييز أخيرًا، والتعامل مع قضية السيادة الغذائية والتنوع الثقافي والحفاظ على التراث القومي.

وعلى الجانب الآخر، فالخسائر كبيرة وفادحة فيما يتعلق بالإحساس العام تجاه المسودة: فحرية الاعتقاد غير معترف بها بالكامل، ومازال المدنيون معرضين للمحاكمة العسكرية بالإضافة إلى تقييد حرية المعلومات بشدة.

وبينما حاولت جماعات الدفاع الضغط على اللجنة والفوز ببعض الانتصارات، فشلت مجموعات أخرى وخرجت من ساحة المعركة بخفي حنين. وفي هذا السياق، فإن مسودة الدستور لا تعكس إرادة عامة للحفاظ على الحريات المدنية والشخصية بقدر ما تشير إلى معارك القوة داخل لجنة الخمسين التي تعكس المشهد السياسي الأوسع.

تقول هدى الصدة مقررة لجنة الحريات إن المكاسب والخسائر يمكن أن ترتبط بتوازن القوة التي سادت على فريق عمل لجنة الخمسين. وتضيف أن أحد لاعبي القوة المركزيين في اللجنة كان الجيش، بينما لم يكن هناك أية مشاركة من الإخوان المسلمين في العملية، بعد أن أصبحوا الآن جماعة محظورة، وكان حزب النور السلفي المتشدد لاعبًا مؤثرًا وفاعلًا في اللجنة، فهو وحده كان يمثل التيار الإسلامي.

وقال الصدة لـ مدى مصر “كان هناك أيضًا مجموعة من المدافعين عن الحقوق ممثلين لصوت الثورة”، وقد خاضوا معركة شرسة، “فاز البعض منهم وخسر آخرون”، في إشارة تحديدًا إلى مادة المحاكمة العسكرية للمدنيين.

وشرحت أنه عند التفكير الآن فيما حدث، يبدو أن توقع منع محاكمة المدنيين عسكريًا كان هدفًا بعيد المنال، “فكل الظروف كانت ضدنا، ومنها الرأي العام والتأثير والنفوذ الواسع والدعم الذي يتمتع به الجيش الآن”. وعلى الجانب الآخر، رأت الصدة أنه تمت مناقشة القضية كثيرًا بشكل عام وواسع، وهو ما يعتبر “نصرًا في حد ذاته يمكن استخدامه في المعارك المستقبلية”.

الفرق الفائزة

نص الدستور على حماية التنوع الثقافي وتجريم التمييز بكافة أشكاله ومنه التمييز العنصري، مما يعتبر مكسبًا واضحًا.

وطبقًا للمادة 236 ، فإن الدولة “تكفل وضع وتنفيذ خطة للتنمية الاقتصادية، والعمرانية الشاملة للمناطق الحدودية والمحرومة، ومنها الصعيد وسيناء ومطروح ومناطق النوبة، وذلك بمشاركة أهلها فى مشروعات التنمية وفى أولوية الاستفادة منها، مع مراعاة الأنماط الثقافية والبيئية للمجتمع المحلى، خلال عشر سنوات من تاريخ العمل بهذا الدستور”، وتضيف أنه “تعمل الدولة علي وضع وتنفيذ مشروعات تعيد سكان النوبة إلي مناطقهم الأصلية وتنميتها خلال عشر سنوات”.

وقال مازن علاء، المتحدث باسم مجموعة باسم “دستور للنوبيين”، لـ مدى مصر، إن الدور الذي لعبه ممثل النوبيين حجاج أدول غير مسبوق، وأدول نفسه امتدح “تفهم لجنة الخمسين الكامل للقضية النوبية” على صفحته الشخصية على فيسبوك.

وفي الوقت نفسه، نجحت مجموعة من الباحثين الأكاديميين والنشطاء في أن يجعلوا مصر أول دولة عربية تمنح مواطنيها الحق في الغذاء من خلال حماية السيادة الغذائية بعد أن عملوا على هذه القضية ثلاث سنوات.

تقول ياسمين معتز، الباحثة الحاصلة على الدكتوراة في الأنثربولوجيا الاجتماعية، لـ مدى مصر: إن المصريين يمكنهم الآن مقاضاة الشركات متعددة الجنسيات التي تتحكم في توزيع الغذاء والحصول عليه، بالإضافة إلى وقف عملية بيع أراضي الدولة الزراعية إلى المستثمرين الأجانب.

و تنص المادة 79 من الدستور على أن “لكل مواطن الحق فى غذاء صحى وكاف، وماء نظيف، وتلتزم الدولة بتأمين الموارد الغذائية للمواطنين كافة. كما تكفل السيادة الغذائية بشكل مستدام، وتضمن الحفاظ على التنوع البيولوجي الزراعي وأصناف النباتات المحلية للحفاظ على حقوق الأجيال.”

وتعتقد معتز أن “اللجنة لم تكن واعية بالكامل بتداعيات تمرير هذه المادة”، مضيفة أنهم “فهموها أكثر في سياق أنها وسيلة لحماية الأمن القومي، شعروا أنه ليس في مصلحة الدولة أن تتحكم الشركات متعددة الجنسيات في الغذاء”. وفي تقييمها، فإن اللجنة كانت مهتمة بإثبات أنها “ليست إقصائية كالإخوان”، موضحة أنه كان هناك “حد لما يمكن أن يقدموه.. أعتقد أن الأمر كان متعلقًا بمن يمكنه أن يحصل على أفضل الصفقات من خلال المفاوضات”.

وبالطريقة ذاتها، نجح ممثلو حزب “مصر الحرية” في الضغط على اللجنة لتمرير مادة تحافظ على تراث القومي والثقافي لمصر. فالمادة 50، التي ليس لها مقابل في دستور 2012، تلزم الدولة بالحفاظ على التراث الحضاري والثقافي القومي لمصر، بجميع تنوعاته ومراحله الكبرى، المصرية القديمة، والقبطية، والإسلامية، وكذلك الرصيد الثقافي المعاصر المعماري والادبي والفني بمختلف تنوعاته. وطبقًا للمادة، فإن الاعتداء على التراث جريمة يعاقب عليها القانون، كما تلتزم الدولة بالحفاظ على مكونات التعددية الثقافية فى مصر.

يقول محمد منزه، عضو الحزب والأستاذ بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، إن الحزب نظر إلى تلك القضية من منظور “حضاري قومي” وليس من منظور سياسي. وحضروا واحدة من جلسات اللجنة وأرسلوا باقتراحاتهم التي أخذت في الاعتبار.

وأضاف “كانت مجموعتنا مهتمة أساسًا بالحفاظ على التراث المعماري لبلدنا، خاصة في هليوبوليس ووسط البلد بالقاهرة”.

حذف وإسقاط

لم تحظ جماعات أخرى بنفس الحظ.

ربما كان فشل اللجنة في منع محاكمة المدنيين عسكريًا بالكامل من أفدح الخسائر، على الرغم من الضغط المتصاعد خلال الثلاث سنوات الماضية والحملة النشطة للغاية ضد الممارسة التي أثارت انتباه الإعلام المحلي والدولي.

فالمادة 204 توافق على إحالة المدنيين إلى المحاكمة العسكرية في بعض الحالات ومنها الاعتداء المباشر على المنشآت العسكرية أو معسكرات القوات المسلحة أو ما فى حكمها، أو المناطق العسكرية أو الحدودية المقررة كذلك، أو معداتها أو مركباتها أو أسلحتها أو ذخائرها أو المصانع الحربية، أو الجرائم المتعلقة بالتجنيد، أو الجرائم التى تمثل إعتداءً مباشراً على ضباطها أو أفرادها بسبب تأدية أعمال وظائفهم”، كما تحدد المادة أيضًا جرائم أخرى يحال فيها المدنيون إلى المحاكم العسكرية منها الاعتداء على “وثائق القوات المسلحة أو أسرارها العسكرية أو أموالها العامة”.

وكانت قوات الشرطة قد فضت بعنف وقفة احتجاجية نظمتها حملة “لا لمحاكمة المدنيين عسكريًا” في أواخر نوفمبر أمام مجلس الشورى حيث تجتمع لجنة الخمسين، وتزامنت مع تمرير قانون التظاهر الجديد المثير للجدل وأسفرت عن اعتقال عشرات المحتجين.

وهذا الأسبوع، أحيل 25 محتجًا منهم الناشط البارز علاء عبدالفتاح، إلى محكمة الجنايات بتهمة الدعوة إلى احتجاج دون إخطار السلطات، حسبما ينص القانون الجديد.

وقال محمود سلماني، أحد ممثلي حملة لا لمحاكمة المدنيين عسكريًا، لـ مدى مصر “إنه على الرغم من موافقة معظم أعضاء لجنة الخمسين على منع المحاكمات العسكرية، إلا أن قليل منهم هم من صوتوا ضد المادة 204، في الحقيقة، حسب التقارير الإعلامية، فإن ستة أعضاء هم فقط من صوتوا ضد هذه المادة”.

وأضاف أن “هذه القضية أثيرت في النقاشات العامة كثيرًا لكن ما حدث خلال التصويت غير معروف، يبدو أن مؤسسة الجيش لها نفوذ واسع على هذه القضية”.

بالمثل وجد النشطاء المدافعون عن حرية المعلومات أنفسهم أمام مادة مقيدة للغاية. يقول أحمد خير، مدير مركز دعم تكنولوجيا المعلومات، إن اللجنة كانت خائفة من أن فتح فضاء حرية المعلومات يمكن أن يهدد الأمن القومي. ويشرح خير أن المادة 68 تمنح المواطنين الحق في المعرفة والحصول على المعلومات، ما يعني أن المواطنين الحاصلين على الجنسية المصرية فقط هم الذين يتاح لهم طلب معلومات أو بيانات رسمية من الحكومة.

ويضيف خير أن هذا “يحرم الشركات والباحثين وغير المصريين من الاطلاع على المعلومات والبيانات والوثائق الهامة، كما أن ذلك يتطلب من المواطنين تقديم أوراق إثبات شخصية مما يعد انتهاكًا للخصوصية، وسيتردد الباحثون عند منح معلوماتهم الشخصية للحكومة”.

وقد أصرت اللجنة على تقييد المعلومات عندما يتعلق الأمر بقضايا الأمن القومي، إلا أن المصطلح واسع ويمكن استخدامه لحجب أية معلومات لا تريد الدولة الإفصاح عنها.

تنص المادة 31 على أن “أمن الفضاء المعلوماتي جزء أساسي من منظومة الاقتصاد والأمن القومي، وتلتزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ عليه”. وأعرب خير عن قلقه من تهديد هذه المادة للحريات المعلوماتية وأنها تسمح للدولة التحكم في المحتوى الرقمي باستخدام حجة الأمن القومي.

وقد هدد ممثل المخابرات بالفعل بالانسحاب من جلسة اللجنة إذا تم حذف مصطلح “الأمن القومي”.

وعمومًا، يرى خير أن عملية كتابة الدستور حدثت بالتزامن مع محاولات الحكومة المدعومة من الجيش لإسكات المعارضة، مضيفًا أن هذه الحقوق اقتطعت بالعبارة التي تقول “على النحو الذي ينظمه القانون”.

وقال إن الحكومة الانتقالية تهرع لإصدار قوانين، مما يجعل أي انتصارات تم الحصول عليها في الدستور تبدو تجميلية، مشيرًا إلى مسودة قانون منتظرة من وزارة الاعلام تقيد حرية المعلومات.

وأضاف “لا يمكننا الآن اعتبار أن سيادة الغذاء، وتجريم التعذيب والتمييز وحصول النوبيين على حقوقهم أو أي شيء آخر انتصار بينما لا نستطيع الحصول بحرية على معلومات حكومية تتعلق بها، وبينما يمكن بسهولة أن تتم إحالة المدنيين إلى المحاكمات العسكرية”.

وأعربت الصدة من جهتها عن دهشتها من تمرير المادة المتعلقة بالأمن الإلكتروني والحريات الرقمية، قائلة “إنها وضعت قبل يوم واحد من إنهاء التصويت على مسودة الدستور”.

والنتيجة النهائية، كما يقول منزه، تعكس توازن القوة الأكبر.

“القوى السياسية ناورت للفوز ببعض مكاسب الحريات، بينما يظل الجيش هو اللاعب الأكبر.. الأمر كله يتعلق بما يستعد كل جانب للتخلي عنه”.

اعلان
 
 
مي شمس الدين 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن