Define your generation here. Generation What
المراقب الإعلامي: دليل الصحافة المصرية للكتابة عن تسليح الداخلية
 
 
لافتة خلال تظاهرات ثورة 25 يناير تطالب بتطهير وزارة الداخلية التي كانت ممارسة عناصرها للقتل تحت التعذيب السبب الرئيس في اندلاع الثورة- أرشيفية
 

كلما سقط قتلى أو مصابون في اشتباكات بين وزارة الداخلية والمتظاهرين أو غيرهم من المواطنين تجد وسائل الإعلام نفسها وسط ملعب من التصريحات المتضاربة حول استخدام الشرطة للقوة المميتة بين المسئوليين الأمنيين والحكوميين من جهة، والمتظاهرين وشهود العيان والضحايا بل وأحياناً رواية الإعلاميين المتواجدين في موقع ووقت الحدث من ناحية أخرى.

وفي الغالبية العظمى من تلك المواقف تكتفي معظم وسائل الإعلام بنقل التصريحات الصادرة عن وزير الداخلية أو مساعديه أو غيرهم من المسئولين الحكوميين والتي تنفي استعمال الشرطة للأسلحة النارية، دون التدقيق في هذه التصريحات ومحاولة كشف حقيقتها أو كذبها للمتلقي.

كان آخر الأمثلة على ذلك واقعة مقتل محمد رضا، طالب الهندسة بجامعة القاهرة، في ٢٨ نوفمبر الماضي، متأثراً بعدة إصابات بالخرطوش أثناء قيام قوات الأمن المركزي المتواجدة خارج بوابة جامعة القاهرة بإطلاق عبوات الغاز والخرطوش باتجاه الطلاب المتظاهرين داخل الجامعة. وإزاء هذه الواقعة نقلت أغلب الصحف المصرية البيان الصادر عن النيابة العامة في يوم ٢ ديسمبر تحت عناوين تبرئ قوات الأمن المركزي من مقتل رضا، وتلقي بلائمة مصرعه على الطلاب المتظاهرين بجواره، مثل “النيابة فى بيان رسمى: «رضا» طالب الهندسة قُتل بخرطوش زملاء له يحملون شعارات رابعة وصور مرسي“.

ثم زاد من الارتباك البيان الصادر عن جامعة القاهرة والذي حمل قوات الشرطة المسئولية عن مقتل رضا، وكذلك البيان الصادر عن مجلس عمداء جامعة القاهرة بجلسته الطارئة لمناقشة أحداث كلية الهندسة، وأخيراً تقرير اللجنة القانونية المشكلة من رئيس جامعة القاهرة للتحقيق في نفس الأحداث، والذي وصل إلى نفس النتيجة: أن قوات الأمن أطلقت الغاز والخرطوش على الطلاب أثناء تظاهرهم سلمياً داخل بوابة جامعتهم.

على الجانب الآخر نقلت الصحف في الوقت ذاته تصريحات وزير الداخلية حول براءة قواته من إطلاق النيران، ومن دماء كل من رضا طالب الهندسة. بل وكذلك من واقعة مقتل طالب بالأزهر مساء يوم ٢٠ نوفمبر نتيجة إصابته بخرطوش بالرأس أثناء اقتحام قوات الشرطة للمدينة الجامعية لطلاب الأزهر. بينما تركز أغلب الجدل حول تصريح وزير التعليم العالي حسام عيسى بأن “أقصى تسليح للشرطة المرابطة بمحيط جامعة القاهرة، هو الرصاص المطاطي (اللي بيلسع) يعني لا يوجد خرطوش بالمرة، فإذا كان طالب أصيب بالخرطوش فهذا ليس من الشرطة، حسب كلام وزير الداخلية ليا، لأن الشرطة ليس لديها خرطوش”، وهو التصريح الذي أعاد إلى الأذهان فوراً التصريح الشهير لرئيس مجلس الشعب السابق محمد سعد الكتاتني في فبراير ٢٠١٢ بأن وزير الداخلية أخبره بأن قواته لا تستخدم الخرطوش، رغم تساقط الضحايا بخرطوش الشرطة من المتظاهرين أمام وزارة الداخلية على بعد خطوات من البرلمان.

في ضوء هذا الجدل المستمر والمتكرر، من الأهمية بمكان أن تأخذ وسائل الإعلام بعين الاعتبار الحقائق التالية:

١- لا يخضع تسليح قوات الشرطة عموما، وقوات الأمن المركزي على وجه التحديد، لتعليمات أو رغبة وزير الداخلية أو أي من مسئولي الوزارة، ولا تتغير نوعية التسليح من مهمة لأخرى. بل تنظم نوعية التسليح نصوص قانونية وقرارات وزارية صادرة عن وزارة الداخلية، فضلًا عن قرارات إدارية وكتب دورية صادرة عن إدارات تابعة للوزارة. وفيما يلي قائمة بأهم هذه المصادر التي يعد من المفيد للصحفيين الاطلاع عليها:

• قرار وزير الداخلية رقم ١٥٦ لسنة ١٩٦٤ بشأن تنظيم استعمال الأسلحة النارية (يسمح لرجل الشرطة باستخدام الرصاص الحي لفض التظاهر).

• القرار الإداري رقم ٣ لسنة ٢٠٠٧ (ينظم تسليح قوات الأمن المركزي والحراسات الخاصة).

• الكتاب الدوري رقم ٣ لسنة ٢٠٠٠ (ينظم تسليح قوات الأمن العام).

٢- النصوص القانونية المنظمة لتسليح قوات الأمن، ومن بينها قوات الأمن المركزي، منشورة ومتاحة على الإنترنت وتناولتها الصحافة بالتغطية في السابق. ومن المفيد العودة إلى هذه النصوص عند تغطية تصريحات رسمية تنفي حيازة قوات الأمن أو استعمالها للسلاح الناري. فقد قامت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية في فبراير ٢٠١٣ بنشر نصوص القرارات والقواعد التي تنظم تسليح قوات الأمن لفض التظاهرات، مصحوبة بجدول توضيحي لتسليح قوات فض الشغب المختلفة على وجه التحديد، بما فيها الخرطوش. وانتهى تحليل المنظمة لتلك النصوص إلى النتيجة التالية:

“جميع تشكيلات قوات الأمن العام وقوات الأمن المركزي تتضمن أفراد مُسلحين بالرصاص الحي، وجميع السيارات التي تستخدمها هذه القوات تحوي ذخيرة من الرصاص الحي، فضلًا عن أن جميع الضباط مسلحون بالسلاح الشخصي (طبنجة ٩ مللي) كعهدة شخصية.”

٣- يخضع رجال الشرطة في استعمالهم للأسلحة النارية لقانون هيئة الشرطة (رقم ١٠٩ لسنة ١٩٧١)، وتحديداً لنص المادة ١٠٢ منه والتي تنص على ما يلي:

“لرجال الشرطة استعمال القوة بالقدر اللازم لأداء واجبهم، إذا كانت هي الوسيلة الوحيدة لأداء هذا الواجب. 
ويقتصر استعمال السلاح على الأحوال الآتية:

…
ثالثاً: لفض التجمهر أو التظاهر الذي يحدث من خمسة أشخاص على الأقل، إذا عرض الأمن العام للخطر وذلك بعد إنذار المتجمهرين بالتفرق ويصدر أمر استعمال السلاح في هذه الحالة من رئيس تجب طاعته.”

٤- قامت وسائل الإعلام في السابق بتغطية قرار محكمة القضاء الإداري في ٢٦ مارس ٢٠١٣ بإحالة نص المادة ١٠٢ من قانون الشرطة (الواردة أعلاه) إلى المحكمة الدستورية العليا للنظر في عدم دستوريتها، والذي شمل أيضا الأمر نفسه بالنسبة لبعض نصوص القرار الوزاري الصادر عام ١٩٦٤ “فيما تضمنته تلك المواد من السماح للشرطة بفض المظاهرات باستعمال الأسلحة النارية وبإطلاق النار علي المتظاهرين.” ومن المفيد للقراء أن تستعلم وسائل الإعلام عن مصير هذه الدعوى في المحكمة الدستورية.

٥- تصريح وزير التعليم العالي عن الرصاص الذي “يلسع” هي تأكيد على وجود الخرطوش بل واستعماله. فالرصاص المطاطي هو أحد أنواع الخرطوش. بل إن قانون تنظيم التظاهر الصادر حديثاً ينص بالتحديد على حق الشرطة في استعمال “الخرطوش المطاطي” أو “الخرطوش غير المطاطي” في مواجهة التظاهرات (المادة الثالثة عشرة).

٦- منذ ٢٥ يناير ٢٠١١ شهدت أغلب التجمعات والمظاهرات التي قام بها المصريون استخدام قوات الأمن للقوة المميتة، ومن بينها الأمثلة التالية: ماسبيرو في أكتوبر ٢٠١١، وأحداث شارع محمد محمود في نوفمبر ٢٠١١، وأمام مجلس الوزراء في ديسمبر ٢٠١١، وأمام قصر الاتحادية في ديسمبر ٢٠١٢، وفي السويس وبورسعيد يناير ٢٠١٣، وخلال فض اعتصامي رابعة العدوية وميدان النهضة في أغسطس ٢٠١٣، ومظاهرات ٦ أكتوبر ٢٠١٣.

إن المسئولية الأولى للصحفي هي حيال القارئ أو المتلقي وليس أمام السلطات. وتحتم هذه المسئولية البحث عن الحقيقة دائما ونقلها للمتلقي، ويتفرع عن ذلك واجب إخضاع كافة تصريحات المسئولين الحكوميين للتدقيق والتحقق من صدقها بمقارنتها بالقانون أو الواقع أو كليهما. وتتخذ تلك المسألة أهمية خاصة حينما تصدر تلك التصريحات عن جهة أمنية ويكون القصد الظاهر منها التنصل من المسئولية عن تهمة موجهة إليها أثناء خضوعها للتحقيق القضائي.

المراقب الإعلامي: سلسلة مقالات تنتجها “مدى مصر” لتوضيح الحقائق غير الدقيقة والتي تتناولها وسائل الإعلام المختلفة.

اعلان