Define your generation here. Generation What
هل نحن أصدقاء من جديد؟
 
 

في عام ٢٠٠٩، وقّع كل من الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك و الرئيس الروسي ديمتري ميدفيدف، اتفاقية شراكة استراتيجية بين البلدين مكونة من ٣٠٠ صفحة تسرد تفاصيل وأوجه التعاون بين البلدين، على ضوء شراكتهم الممتدة لعشر سنوات من تاريخ توقيع الاتفاقية.

لكن زيارة وزيري الدفاع و الخارجية الروسيين، سيرجو شيوجو و سيرجي لافاروف، الأسبوع قبل الماضي، تعاملت معها معظم وسائل الإعلام المحلية على إنها زيارة استثنائية في وقت حرج تمر به البلاد، من حيث علاقتها غير المستقرة مع بعض القوى الغربية، وتحديدا الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما ترك انطباع لدى الكثير من المصريين أن العلاقات المصرية الروسية عادت إلى سابق عهدها وقت تحالف الرئيس الراحل جمال عبد الناصر مع الإتحاد السوفيتي.

على الرغم من حالة الاحتقان الدبلوماسي التي عانت منها مصر في ضوء علاقتها مع الولايات المتحدة  ودول الاتحاد الأوروبي عقب تدخل الجيش للإطاحة بنظام الرئيس السابق محمد مرسي في يوليو الماضي والتي نتج عنها تعليق بعض المساعدات العسكرية الأمريكية لمصر شملت أربعة طائرات من طراز إف ١٦ فضلا عن قيام الكونجرس حاليا بمراجعة قوانين المعونة الأمريكية لمصر، يرى مراقبون أن القطع بصياغة تحالف مصري- روسي في المجالات العسكرية والدبلوماسية (ويكمن فى طياته إعطاء مصر ظهرها للولايات المتحدة)، لن يكون في مصلحة مصر في الوضع الحالي، حتى وإن كانت هناك نقاط تشابه وتوافق سياسية بين البلدين.

ويبدو أن هناك تفاصيل أخرى أكثر تعقيدا بخصوص هذا التقارب بعيدة كل البعد عن سياق الاحتفاء الإعلامي.

“لا أعلم سبب تلك الحفاوة الإعلامية المبالغ فيها في التعامل مع تلك الزيارة؛ فهي تأتي على ضوء ما تم الإتفاق عليه عام ٢٠٠٩.. ولماذا يردد البعض أن مصر قررت الخروج من التبعية الغربية والعودة للشرقية مرة أخرى؟ كان من الممكن أن نرى هذا وقت نشوب الحرب الباردة، لكن اليوم روسيا والولايات المتحدة بينهما علاقات استراتيجية.. وفي النهاية، تحاول الدبلوماسية المصرية البناء على ما قد بدأته من قبل، والأمر برمته ليس مستحدثا”، بحسب نورهان الشيخ، أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة والخبيرة في العلاقات المصرية الروسية.

علاوة على ذلك، سيكون من المستبعد أن يتم التعامل مع العلاقات المصرية الأمريكية على أن روسيا ستعلب دور البديل بهذه البساطة.

وقال إيسندر العمراني، خبير شئون الشرق الأوسط و مدير مشروع المجموعة الدولية للأزمات بشمال أفريقيا “قد يبدو أن مصر وروسيا تحاولان الإستفادة من مواقف الإدارة الأمريكية المضطربة من الشرق الأوسط، لكن فى حقيقة الأمر، سيكون من المستحيل أن نجزم بأن روسيا ستكون هى المورد الرئيسي للسلاح لمصر، لأن الكمية المزمع التفاوض عليها ضئيلة جدا مقارنة بما تحصل عليه مصر من معونة الولايات المتحدة”.

وكانت تقارير صحفية محلية قد تحدثت عن احتمالية توريد روسيا للجانب المصري طائرات من طراز ميج ٢٩ ( التى تقارن دائما بنظيرتها الـ إف ١٦ فى أسواق السلاح العالمية) بالإضافة إلى أنواع من الصواريخ الدفاعية، ووفقا لموقع “الجزيرة”، لم تقم روسيا بإمداد مصر بالسلاح منذ قرابة العقد. فمنذ توقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل عام ١٩٧٩، تحصل مصر على معونة أمريكية عسكرية واقتصادية تصل قيمتها إلى مليار و ٣٠٠ مليون دولار سنويا، والتى تتضمن حصول مصر على معدات تسليح وطائرات وقطع غيار وإرسال ضباط من الجيش المصري لبعثات عسكرية بالكليات الحربية الأمريكية.

وقد أصبح السلاح الأمريكي مهيمن بشكل كبير على معظم مفردات التسليح المصري الفاعلة، فقرابة ٧٥٪ من الطائرات المصرية تنتمي لطراز إف ١٦ الأمريكي، فضلا عن امتلاك مصر لقرابة ٢,٨٠٠ دبابة من طرازى إم ١ وإم ٦ الأمريكيين، وهو ما يمثل نسبة كبيرة من أسلحة الردع والدفاع الجوى المصري.

وأضاف العمراني “الوصف الدقيق يقول إننا أمام محاولة من الجانب المصري لإنذار حليفتها الأصلية الولايات المتحدة بأنها قد تلجأ لاستخدام كروت أخرى بهدف الضغط لاستئناف المساعدات العسكرية”.

ويبدو أن الولايات المتحدة قد استجابت لتلك الإشارة؛ ففي آخر تصريح له عن الأوضاع السياسية في مصر، أكد جون كيري، وزير الخارجية الأمريكي أن “القوات المسلحة المصرية تساهم في عودة الديموقراطية لمصر مجددا”، فضلا على تأكيده الواضح وقت زيارته للقاهرة مطلع الشهر الماضي أن استبعاد المعونة أمر مؤقت ومرهون بالمضي قدما نحو خطوات الديموقراطية، علاوة على إنه كان أول مسؤول أمريكي يمتنع عن الحديث عن مرسي أو وضع جماعة الإخوان المسلمين في مصر منذ شهور.

ويشرح العمراني أن العلاقات المصرية الأمريكية تقوم على ثلاثة محاور رئيسية: اهتمام مشترك بحل مشكلة الصراع العربي الإسرائيلي، أمن منطقة الخليج، والتعاون المخابراتي بين البلدين، مؤكدًا أنه إذا ظلت تلك الأمور محل تعاون واتفاق، فلن تتأثر العلاقات، وفي النهاية كل هذه عوامل تؤثر في صناعة القرار المصري ورسم تحالفاته.

وقال العمراني “مازال أمامنا الكثير من الوقت للحكم على مدى صلابة مستقبل واحتماليات تغيير مسار العلاقات المصرية الروسية خصوصًا بالنظر إلى كل تلك العوامل المحيطة بها”.

وعلى نطاق أوسع، تدور أسئلة حول رغبة روسيا في لعب دور أكثر تأثيرًا فى قضايا الشرق الأوسط، حيث تعد عنصرًا غاية في التأثير على الأزمة السورية والمحادثات النووية الإيرانية مع قوى الغرب المعروفة بـ ٥+١، ومن هذا المنطلق تصبح محاولة روسيا لعب دور أكبر تجاه الشأن المصري مفهومة.

وترى بسيمة موماني، الأستاذ المساعد بقسم العلاقات الدولية لدى جامعة ووترلو بالسيلى، أن التحركات الروسية تجاه مصر وتجاه الشرق الأوسط عموما تأتي من منطلق السعي الروسى للحصول على اعتراف دولي بفاعلية دورها.

“منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، تراجع دور روسيا في منظومة الأمن العالمي، واليوم تحاول استرجاع مكانتها كقوة عظمى لكن في حقيقة الأمر، ما تملكه روسيا اليوم يجعلها بعيدة جداً عما كانت عليه. وفي الواقع، لولا امتلاكها لحق (الفيتو) في مجلس الأمن، لأمكننا الجزم بأن روسيا قوة متوسطة”.

وتقول موماني إن روسيا تفضل التعامل مع الأنظمة الشمولية أو المدعومة من الجيش لأن ذلك يذكرها بحكومتها. وأوضحت “قلما يتعامل الروس بأريحية مع الأنظمة الديموقراطية، نظرا لاحتماليات تناوب التيارات السياسية المختلفة عليها”.

في المقابل، يرى العمراني أن روسيا بحاجة إلى دعم اقليمي إزاء موقفها من الأزمة السورية. وقال “تحاول روسيا البحث عن حلفاء في المنطقة على أن يكونوا من غير المعارضين لموقفها إزاء سوريا، كما إنها تعمل على زيادة حصة تأثيرها في الدبلوماسية الدولية”.

وكانت العلاقات المصرية الروسية سيئة بسبب تأييد نظام الرئيس السابق مرسي للمعارضة السورية وإعلانه عن قطع العلاقات الدبلوماسية مع نظام بشار الأسد، وهو ما قد تغير إلى حد كبير عقب رحيله، فقد أرسلت الإدارة المصرية إشارات واضحة تقول إنها تقف على الحياد في تلك الأزمة، وإنها تؤيد تسوية سياسية هدفها للخروج من تلك الأزمة.

وبعيدًا عن الأزمة السورية، يرى العمراني أن روسيا تحاول تحسين علاقتها مع العالم الإسلامي على خلفية محاربتها لمتمردين إسلاميين فى محيط أراضيها لمدة عقدين، علاوة على وجود أقلية مسلمة في المجتمع الروسي، بجانب تشاركها في حدود دولية مع كثير من الدول الإسلامية. ويؤكد العمراني أن كل تلك الخطوات تأتي في سياق محاولة روسيا منع انتشار الإسلام السياسي فى بلادها.

 يبقى أن نرى ما ستسفر عنه تداعيات عودة التقارب بين البلدين على المدى البعيد.

اعلان