Define your generation here. Generation What
عبرة لمن يعتبر
 
 

كل يوم، تغادر لبنى يوسف محمد منزلها، آملة في أن تحظى بفرصة التلويح من بعيد لابنتها من نافذة صغيرة. حتى عندما تنجح في لمح ابنتها ذات الخمسة عشر عامًا، تصبح فرصة تمييزها صعبة للغاية. يُسمح للبنى بزيارة ابنتها المسجونة في مركز الاحتجاز أسبوع بعد أسبوع لمدة ٣٠ دقيقة فقط.

مودة مصطفى، واحدة من ٢١ فتاة وامرأة ألقي القبض عليهن في ٣١ أكتوبر الماضي بالأسكندرية، في قضية تحركت بسرعة غير عادية، حتى أصبح الاستئناف فيها مقررًا يوم ٧ ديسمبر الجاري. حُكم على المقبوض عليهن، واللاتي تجاوزن الثمانية عشر عامًا، بالسجن ١١ عامًا. أما القاصرات منهن، فحكم عليهن بالاحتجاز في مركز للأحداث حتى بلوغهن السن القانوني.

في محاكمة أثارت غضب جماعات حقوق الإنسان والسياسيين والناشطين من مختلف الأطياف السياسية، أدينت المحتجات باتهامات وجنح متعلقة بالعنف والتخريب كمشاركات في مسيرة يوم ٣١ أكتوبر. قالت بعض الفتيات إنهن كن من المارة، ولم يشاركن في المسيرة التي كانت تنظمها حركة “سبعة الصبح”، قليلات قلن إنهن كن مشاركات بفعالية، بينما قالت أخريات إنهن مررن جوار المسيرة بالصدفة وانضموا إليها بالوقوف مع المحتجين.

طبقًا لمنظمي المسيرة، فقد تجمع ما يقرب من ٧٠٠ محتج ومحتجة في حي رشدي بالأسكندرية في ذلك الصباح، في أولى الفعاليات العامة لحركة “سبعة الصبح”.

تصف أسماء محمد علي، متحدثة باسم “سبعة الصبح”، الحركة بأنها حركة شباب وطلاب غير مرتبطة بأي فصيل سياسي، على الرغم من أن الكثيرين يعتبرون الحركة مرتبطة بالإخوان المسلمين. ومطالب الحركة الرئيسية هي إنهاء الحكم العسكري، والحرية للمعتقلين السياسيين الذين يتضمنون الكثير من الطلاب.

يقول أيمن الدابي، محامي وعم خديجة بهاء الدين محمد (١٥ عامًا) المدانة في القضية، إن المحتجين كانوا في مسيرة بشارع سوريا حيث ظهر مهاجمون غير معروفين بالقرب من التقاطع مع الكورنيش وبدأوا في إلقاء الزجاجات على المسيرة من أحد المباني، وهو ما دفع المحتجين إلى الرد بالحجارة، مؤكدًا أن شهادة الشهود أوضحت أن الرجال هم الذين تبادلوا المقذوفات وليس النساء. بعدها بقليل، فضت الشرطة الاحتجاج وألقت القبض على ٢١ أنثى ورجلًا واحدًا، أطلق سراحه فيما بعد في نفس اليوم.

جدير بالذكر أن المسيرة حدثت قبل ٣ أسابيع من موافقة مجلس الوزراء على قانون التظاهر الجديد المثير للجدل، الذي بموجبه تصبح مسيرة ٣١ أكتوبر الاحتجاجية غير قانونية من الأساس.

يرى علي، أحد أعضاء حركة “سبعة الصبح”، أن الفتيات والنساء المعتقلات متعاطفات مع الحركة حتى لو لم يكن مشاركات بشكل فعال فيها. ورغم أن بعض، وليس كل، عائلات المتهمات تصنف نفسها باعتبارها من الإخوان المسلمين، إلا أن كل الفتيات والنساء المعتقلات تواجهن تهمة “الانتماء لجماعة محظورة”

تقول لبنى إن ابنتها ألقي القبض عليها وكان معها بسكويت وكتب، لم يكن معها أسلحة.

“على ماذا يعاقبونها؟ على أي أساس؟ لم يكن معها حجارة بل كان معها حقيبتها المدرسية.. فعلى أي أساس يأخذونها؟”

في قضيتين على الأقل، حاول الأقارب الاستشهاد بالظروف الصحية كدليل كان يمنع أحبائهم من المشاركة في المسيرة، أما محامو المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، التي تقدم الدعم القانوني والإعلامي للمتهمات، فيقولون إنهم أثبتوا ووثّقوا بعض شهادات المارة من المعتقلات، ومنهن أم تعاني من مشاكل بالقلب كانت تمشي مع ابنتها بالقرب من المسيرة وتم اعتقالهما معًا.

وقد تسببت الإجراءات التي اتسمت بقلة الأدلة المادية وضعفها والشهادات المتناقضة والحكم القاصم السريع في حيرة العائلات والدفاع معًا. فمحامو الدفاع وحقوق الإنسان يقولون إن لديهم شك في الدوافع السياسية خلف الإجراءات، والتي تأتي وسط حملة قمع من كل أنحاء البلاد على الناشطين المعارضين وأنصار الرئيس المخلوع محمد مرسي.

يقول الدابي “من أول يوم، كان كل شيء غير عادي. لا شيء كان يشير إلى أنها قضية عادية، كانت قضية سياسية وهذه مشكلة كبيرة”.

شهادات متناقضة، حكم غير متوقع

تقول أسر المعتقلات إنهن في حالة من عدم التصديق.

تروي لبنى “لم أكن أتصور أن يحدث شيء كهذا في مصر، أن يقوم عسكري أو ضابط شرطة بضرب فتاة، هذا آخر ما كنا نصدق أنه سيحدث”. وتوضح هدى عبد الرحمن ولبنى إن بناتهن (١٥ عامًا) وصديقة ثالثة كن في طريقهن إلى درس خاص في المنطقة عندما رأين المسيرة، حاولت الفتيات الجري عندما تدخلت الشرطة، لكن سلمى رضا، ابنة هدى، أصيبت بأزمة الربو، وهاجمتهم الشرطة عندما حاولت الفتاتان الأخرتان مساعدة صديقتهن.

في منزل لبنى، تطمئن الأمهات بعضهن على أن الفتيات بخير، يقرأن القرآن من الذاكرة وكيف أن المحتجزات الأخريات بدأن بالصلاة معهن، وعلى الرغم من أن الحراس في مركز الأحداث يعاملون الفتيات جيدًا، إلا أن القلق يأتي من الأذى الذي تمارسه بقية المعتقلات عليهن.

يقول معاذ رضا (١٠ سنوات)، شقيق سلمى الأصغر، إنه ضحك معها عندما زارها، لكن في المنزل، يبكي عندما يفكر في شقيقته وهي محبوسة في زنزانة.

أما يوسف (١٠ سنوات) شقيق مودة، فيسأل كل يوم عن موعد عودتها للبيت، ويرفض أن يقص شعره إلى أن تتحرر شقيقته. وعند سؤاله عن سبب غياب شقيقته، قال “لأنها تدافع عن البلد، يأخذون أي شخص يحاول الدفاع عن البلد. أي شخص يقابلونه، يقبضون عليه”.

خلال المحاكمة، كان المحامون والعائلات واثقين من إطلاق سراح الفتيات. استندت النيابة على شهادات مكتوبة من العاملين بشارع سوريا الذين قالوا إن بعض المباني حدث فيها بعض الضرر من إلقاء الحجارة، طبقا لمحاميّ الدفاع، وكان من ضمن الأدلة المقدمة في المحكمة ملقصات ولافتات.

ويقول فريق الدفاع الذي يتضمن ٢٠ محاميًا من خلفيات مختلفة يعمل معظمهم على القضية مجانًا، إن الضحايا المزعومين للاعتداء قدموا شهادات مختلفة للشرطة وللنيابة.

في قسم الشرطة، قال بواب إنهم “هاجموني وضربوني لأنني أدعم خارطة الطريق”، [وهي خطة حكومة ما بعد مرسي للفترة الانتقالية]، لكن النيابة كان لها طرق مختلفة في التحقيق، وسألوه كيف عرف المتظاهرون أنه يدعم خارطة الطريق”، هكذا أوضحت المحامية شيماء إبراهيم التي تعمل مع مركز شهاب لحقوق الإنسان، الذي كان يديره زوجها المعتقل منذ ٣ يوليو في بداية حملة القمع على الإخوان.

توضح لبنى إنها تركت قاعة المحكمة متوقعة أنها ستستدعى بعدها بساعة أو اثنتين لتأخذ ابنتها وتذهب إلى المنزل. واستطردت “حتى في المحكمة، كل شيء كان يحدث، الطريقة التي كانوا يعاملونهن بها، كنا نظن أنه سيثبت أن الفتيات بريئات، لكن الحكم كان قاسيًا، والآن، لا أصدق أي أحد”.

الرأي العام والمحاكمة العاجلة

لم يكن مفاجئًا نشر المعلومات المضللة والتخبط في الإعلام والأطراف المختلفة المرتبطة بالقضية، على ضوء الظروف والسرعة التي تمت بها المحاكمة، ورغم أن فريق الدفاع يستعد للاستئناف المقرر السبت ٧ ديسمبر، إلا أنهم لم يحصلوا على حكم المحكمة يوم ٢٧ نوفمبر مكتوبًا إلا قبل ثلاثة أيام.

حكمت محكمة جنح سيدي جابر على المتهمات البالغات الأربعة عشر بالسجن ١١ سنة وشهر، على أن يتبع ذلك إطلاق سراح مشروط بأربعة سنوات من المراقبة، وفيه يجب أن تقضي المتهمات لياليهن في الحجز. أما السبعة القاصرات فتمت محاكمتهن بشكل منفصل في محكمة الأحداث على نفس الاتهامات، وعلى أساس نفس الأدلة وحكم عليهن بالسجن في مركز الأحداث حتى بلوغهن السن القانوني، إلا أن المحامين أجلوا تأكيد ما إذا كان هذا السن هو ١٨ أو ٢١ عامًا، حتى يطّلعوا على حكم المحكمة.

تمت الإدانة على أساس اتهامات وجنح منها التخريب، التجمهر، حيازة أدوات تستخدم في الاعتداء على المواطنين، وفي هذه الحالة زعم أنها الحجارة. واتهامات يقول حمدي خلف، المحامي بالمبادرة المصرية وأحد محامين فريق الدفاع، إنها تقريبًا نفس تهمة البلطجة التي كان حكم قد صدر بعدم دستوريتها إبان حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك وأعادها المجلس الأعلى للقوات المسلحة إلى الحياة مرة أخرى بعد فترة قصيرة من عزل مبارك.

وبالإضافة إلى أكثر من عقد في سجن، فإن المتهمات يواجهن محاكمة أخرى في محكمة الجنايات عن تهمة الانضمام لجماعة محظورة، حسبما أوضح أحمد شاذلي، مدير مكتب المبادرة بالأسكندرية.

وإذا كان هناك شيء واحد يتفق عليه معظم المحامون والعائلات فهو أن القضية تعتبر رسالة متعمدة، ليس فقط للإخوان أو للإسلاميين أو المحتجات من النساء، وإنما لأي شخص يفكر في معارضة الحكومة الحالية.

أوضح الكثير من أقارب المتهمات أنه في ذلك اليوم حاول الكثير من الشباب إقناع الشرطة بالقبض عليهم بدلا من الفتيات، إلا أن السلطات أوضحت أنها تريد القبض على النساء وقتها.

وأشار الدابي إلى زيادة حضور النساء في احتجاجات الإخوان المسلمين، موضحًا فكرة استهدافهن التي “ستخيف المعارضين للانقلاب ولن يفكر أحد في النزول إلى الشوارع”.

ويصف الدابي من توصل إلى هذه الخطة بأنه “عبقري” كان يريد أن يجعل من الفتيات “عبرة”، لكن الخطة جاءت بنتائج عكسية، فالنساء مازلن في الشوارع، ومعهن هؤلاء الذين كانوا يصدقون الحكومة.

تقول لبنى “لم يعد هناك عدل. فالمتهمون بارتكاب جرائم أو قتل المتظاهرين يحكم عليهم بالسجن سبع سنوات على الأكثر، أو يتم تبرأتهم غالبًا، أما الفتيات اللاتي لم تتعد أعمارهن 19 سنة يحكم عليهن بالسجن ١١ سنة، رغم أنهن لم يفعلن شيئًا”. وتضيف “حتى الموالون للانقلاب يرون أن هذا ليس عدلا”.

وقد وجه الكثيرون في الداخل والخارج الكثير من الانتقادات للاعتقالات وقسوة ذلك الحكم، ومنهم جماعات حقوق الإنسان والنشطاء والمعلقين من كافة الأطياف السياسية.

وكما يوضح شاذلي من المبادرة المصرية فقد “كان من الممكن أن يستمر الإخوان المسلمون في تنظيم المظاهرات لعشر سنوات أخرى، لكنهم لم يكونوا ليحظوا بالتعاطف الذي تسببت فيه هذه القضية.”

 ويرى محامون في القضية أن الانتقادات الواسعة والقاسية هي السبب في الإجراءات القانونية السريعة، لكن العجيب هو أن هذا بالتحديد ما تسبب في الظلم والتخبط. يشرح خلف أن القاضي لديه ٣٠ يومًا للتصديق على الحكم، بعدها يمكن للمحامين أن يطلعوا عليه، وحتى الأربعاء الذين تسلموا فيه الحكم، كان فريق الدفاع يبني الاستئناف على مفاهيم مختلفة للحكم.

ومع بقاء يوم واحد على الاستئناف ٧ ديسمبر، أصبحت لبنى أكثر تشاؤمًا، قائلة “بدأت أتوقع السيناريو الأسوأ وليس الأفضل”.

وقد ظهرت أنباء عن عفو رئاسي بعد صدور حكم الأسبوع الماضي بقليل، وهو ما اعتبره عدد من أقارب المتهمات مجرد “شائعات”. يوضح خلف “إنه من النادر كثيرًا أن يظهر حديث عن عفو رئاسي في هذه المرحلة، ولا حتى يمكن حدوثه إلا بعد انتهاء كافة الآليات القضائية، ومنها الاستئناف”. هي خطوة يمكن فهمها في سياق الرد على انتقادات الرأي العام.

ويتفق شاذلي مع ذلك، فهو يرى أن مدى اتساع رد الفعل لم يكن متوقعًا، مما يجعل السلطات الآن تسعى إلى تهدئة الغضب العام. وبالإضافة إلى ذلك، هناك المظاهرات الطلابية، فقد تزامن مقتل طالبين بجامعتي القاهرة والأزهر مؤخرًا، مع قضية نساء الأسكندرية المعتقلات مما أشعل نشاط الحركة الجامعية، وهو ما يصفه شاذلي باعتباره “أزمة للدولة”.

وكدليل على أن التسرع في القضية مرتبط بمخاوف سياسية، أشار شاذلي وخلف من المبادرة المصرية إلى قضايا أخرى، منها قضية الأولاد الذين ألقي القبض عليهم يوم ٣ يوليو، اليوم الذي أطيح بمرسي فيه، وهم مازالوا ينتظرون الوقوف أمام المحكمة لأن النيابة مازالت تمدد حبسهم ١٥ يومًا بشكل متكرر.

ويرى شاذلي أنه في قضية المحتجات النساء، لم يكن هناك خيارًا أمام السلطات للانتظار، فالرأي العام كان يتصاعد بالغضب. هناك من يرون العفو الرئاسي المحتمل محاولة لتهدئة التوترات دون منح الفتيات والنساء المحاكمة العادلة.

تقول لبنى “إذا عفو عنهن، فذلك يعني أن الفتيات مذنبات. إنهن لم يفعلن شيئًا، لكن ذلك الحكم سيظل معلقًا في رقابهن طوال العمر”.

وأوضح الدابي أن بعض المعتقلات سيرفضن العفو احتجاجًا، لكن التوقعات تشير إلى أنه سيتم إطلاق سراحهن على أية حال، وقبول العفو يعني “أنهن مذنبات عفا عنهن الرئيس، وهذا مهين وغير مقبول”، مستطردًا “ستظل كل منهن مذنبة سابقة، وهو ما لن يقبلنه مطلقًا”.

تصحيح: في نسخة سابقة من هذا المقال ورد أن تهمة البلطجة جرى حذفها من القوانين بعد عزل الرئيس الأسبق حسني مبارك. تم تصويب المقال ليعكس أن التهمة كان قد صدر حكم بعدم دستوريتها قبل عام 2011 ثم تمت إعادتها للقانون مرة أخرى بعد فترة قصيرة من عزل مبارك. 

اعلان