Define your generation here. Generation What

عن وطن نجم.. وغربتنا في الوطن

“يا مصر يا مدينة متزوقة وحزينة”

كنت ضمن جيل بدأ وعيه يتشكل في العقد الأول من الألفية، على واقع تلك المدينة الـ”متزوقة وحزينة”. آباؤنا كانوا جيل السبعينيات المهزوم الذي آثر غالبيته السلامة لنا –نحن الأبناء- من كسرة الهزيمة، فركز محاولاته معنا على معارك لا تحمل الكثير من المخاطرة. يرسلوننا لنتعلم في جامعات “راقية” ويحدثوننا عن خططهم لتأمين مستقبل جيد لنا بالمفهوم “المتزوق” للمدينة. منهم من يتطرف في فرماناته لنا نحن الطلبة حديثي الالتحاق بالعالم الجامعي: لا جدوى من الانشغال بالعمل العام. “بلاش سياسة” لأن “مفيش فايدة”.

قد نجد منهم من يغلبه الحزن وهو يحدثنا عن أحلامه القديمة للوطن بصيغة الماضي التام “الكلام دا كان زمان”. نشأنا في مدينة مبارك/العادلي، الآمنة المستقرة المتزوقة الحزينة، التي كانت مساحة الأحلام فيها تتقلص يوما تلو الآخر في وطن اعتاد أن يلفظ الحالمين.

نحصي ممنوعات الوطن وتتكاثر علينا الغربات، ونحن نقرأ في كتب العلوم السياسية عن عالم –غير الوطن- بممنوعات أقل وعدل أكثر.

ثم يحدث ذات يوم في أواخر التسعينيات أن يسعد أحدنا القدر بالتعرف إلى مجموعة تسجيلات نادرة لأشعار أحمد فؤاد نجم، يغنيها مع الشيخ إمام وبعض أصدقائه من طلبة الجامعة وقتها. حين كنا نسمع أشعار نجم بصوت إمام للمرة الأولى –أواخر التسعينيات أو أوائل الألفينيات أو منتصفها- لم تكن اختراعات مثل اليوتيوب والساوندكلاود موجودة ضمن مفردات حياتنا اليومية. كانت شرائط الكاسيت -مثل تلك الموجودة في مكتبة صديقنا أكثر منه أستاذنا عبدالعزيز عز العرب- هي النافذة على ذلك العالم الساحر للكثيرين من أبناء جيلي. 

كان عبدالعزيز عز العرب يحدثنا بمزيج من الشغف والفخر عن صوته الذي يظهر في بعض من تلك التسجيلات، ضمن الكورس المصاحب لغناء إمام ونجم من رفقائهم طلبة جامعة السبعينيات الذين أسعدهم القدر برفقة الثنائي في الليالي الأسطورية بمنزلهم الفقير في حوش قدم، ثم جمعهم منزل عز العرب بعدها في ثلاثة ليال أوائل التسعينيات استعادوا فيها ذكريات السبيعنيات والغناء، وكانت تلك التسجيلات.

ثم بدأنا نفتش أكثر في كلمات هذ الرجل الأسطوري الذي سجنه النظام ١٨ عاما -هي متوسط أعمارنا- ولم يكسره. بل صار هو من يأخذ بأيدينا لنرسم حلم وطن آخر- برغم القلعة والزنازين.

“يا ساير يا داير يا أبو المفهومية مافيش لك دليل غير عيون الكلام”

رأيت أحمد فؤاد نجم للمرة الأولى وجها لوجه وهو يلقي أشعاره في أمسية خريفية في مبنى الجامعة الأمريكية بميدان التحرير عام ١٩٩٩. بدا لي الرجل بجلبابه البسيط وعينيه اللامعتين وكلماته العامية التي تجمع بين البساطة والعبقرية، والتي عزفت على أوتار أوجاعنا وأحلامنا بالسخرية حينا وبالشاعرية حينا، مصدر الالهام لهذا الوطن الآخر الذي نتعلم عشقه.

يومها فهمت من “شاعر تكدير الأمن العام” أن “التكدير” ليس التهمة التي يفزع منها آبائنا، بل هو الواجب الذي يجب أن نلتمس له أي طريق. نحن جيل وجد ملاذه في الأنشطة الطلابية والأمسيات الثقافية بين جامعة القاهرة والجامعة الأمريكية وبضعة مراكز ثقافية، نشطت في أوائل ومنتصف الألفينات. نحن الجيل الذي وقف على حافة العمل السياسي دون أن يستطيع له سبيلا، وعلى حافة الثورة دون أن يوقن أن حدوثها ممكنا، وعلى حافة “الإصلاح من داخل النظام” دون أن تُحدث محاولاته الإصلاحية فارقا حقيقيا، وعلى حافة الاستسلام لولا خيط رفيع نسجناه من “عيون الكلام”، ظل يربطنا بهذا الوطن الحلم. وطن يعرف “مين سبب جراحنا”، ويلتقي أبنائه “عمال وفلاحين وطلبة” ليسلكوا طريق “مالُهش راجع”…ونشهد سوياً النصر.

خلال العقد الأول من الألفية أتممنا الدراسة الجامعية وتفرقت بنا السبل. التحق معظمنا بالوظائف المرموقة، وانتقل بعضنا لمزيد من الدراسة أو لوظائف أرفع خارج مصر. كانت عيون الكلام من أشعار نجم هي طاقة النور التي تخفف عنا الغربة داخل الوطن أو خارجه. تُذكرنا كلمات نجم أن تلك الـ”بوتيكات” من حولنا في “غابة كلابها ديابة”..فيها “تعيش كل طايفة من التانية خايفة”، ولا أحد “ضامن يمشي آمن أو مآمن يمشي فين” ليست هي كل شيء. تُفصل لنا كلماته “احنا مين وهما مين” وتذكرنا بمصر الأخرى البهية المبتسمة رغم أنه فات عليها “ليل ومية”، تُصبرنا بأن ربما شيء آخر سوف يحدث.

كان نجم –وهو يكتب مزيد من القصائد ضد جمال مبارك “عريس الدولة” في عز جبروت الدولة- أكثر يقينا منا بأن أمر جلل سوف يحدث، وأن الحال لا يمكن أن يبقى على ما هو عليه.

يحكي صديق من أبناء جيلي عن لقائه بنجم قبل عشر سنوات، وسؤال نجم له إذا ما كان “الناس في سنه” يعرفون أشعار نجم، ودهشته لرد الصديق بأن “ناس في سننا وأصغر” يعرفونه ويحبونه ويحفظون كلماته ويعشقون أغاني الشيخ إمام. وبعد حديث قصير ونقاش حول الناصرية والاشتراكية والشيوعية، قال نجم “البلد دى هتتغير فيها حاجات كتير قوى فى السنين اللى جاية”، فيرد الصديق “مستحيل، ولو بعد ١٠٠ سنة.. مافيش حاجة هتتغير”، ولكن نجم كان رده موقنا “يا أولاد انتوا لسه صغيرين وما تعرفوش مصر زى ما أنا أعرفها. افتكروا كلامى دا..مصر هتتغير وقريب قوي”.

“صباح الخير على الورد اللي فتح في جناين مصر”

وحين هلت بشاير يناير وجدنا “النصر قرّب من عينينا” بالفعل. رأينا رأي العين نبؤات نجم تتحقق من حولنا، وكانت عيون كلامه التي حفظناها وحفظتنا هي ذلك المحرك الخفي الذي ساق أبناء جيلنا إلى النزول فوراً -ودون كثير من حسابات المكسب والخسارة بمعايير المدينة المتزوقة- للالتحاق بصفوف رفقائنا أبناء الوطن الحلم في الميدان. كان ميزان من خاطروا بوظائفهم المرموقة، أو هرعوا يحجزون أول تذكرة عودة للقاهرة مخاطرين باستقرارهم خارج مصر هو أن “الجدع جدع والجبان جبان”.

كلمات نجم هي ما حفظت في أبناء جيلنا جذوة ثورة لم نكن موقنين أنها يمكن أن تشتعل سوى في صدورنا. “عايزين اللي راح؟ قدامكو الميدان”. هناك في الميدان “هزمنا الهزمية” ولحقنا بقطار العمال والفلاحين والطلبة، بعد أن كنا هجرنا الشارع ومحاولات العمل العام عقداً من الزمن. هناك رأينا أخيراً مصر البهية التي تغنينا بها طوال تلك السنوات. اجتمعنا بعد طول فراق- نحن رفاق المسيرة العسيرة- في صورة حشد ومواكب. رأينا –أخيراً- ثمرة “تقاوي الغناوي.. تبوس الأرض تتحنى تفرح وتطرح وتسرح وترجع تاني تتغنى”.

كان نجم موجوداً بعيون كلامه وبذاته في الميدان الذي حكى لنا عنه تفصيلاً قبل أن نراه سوياً. حين أُعلن عن رحيل مبارك صرخ نجم مخاطباً رفيق دربه “يا إمام يا حمار..حد يمشي قبل ما الحكاية دي تحصل؟! عموما لما آجي هبقى أقولك”.

ولكن نجم بدا لنا أقوى من الموت. وحين رحل في لحظة صعبة نحتاج فيها لمن لا يزال يصدق فينا وفي يناير، ويوقن أن النصر ينتظرنا، يشعر أبناء جيلي بمرارة أن شيء ما يهزم كل شيء.

حتى نجم الذي هزم نكسة يونيو وسنوات السجن وثلاثة رؤساء، وحكى لنا حكايات الثورة قبل أن تحدث، يموت ويتركنا هنا.

اعلان
 
 
حنان البدوي