Define your generation here. Generation What

الثورة المصرية في انتظار بيرندلو

كتب لويجي بيرندلو مسرحيته الأشهر ” ست شخصيات تبحث عن مؤلف” عام ١٩٢١،  ليحكي في قالب مسرحي طليعي حجم الألم والمعاناة على مستوى الأشخاص والأسر والمدن، والتي توارت خلف سرديات الحرب العالمية الأولى ورجوع أوهام العظمة السياسية على مستوى الأوطان والسياسيين.

ولإبراز فكرة الإسكات والتجاهل، اعتمد الكاتب المسرحي فكرة اقتحام الجموع لخشبة المسرح مطالبةٍ بسماع صوتها وبسرد معاناتها. و لمع بيرندلو وذاع صيته، لأنه تجرأ وقتها وصوّر عجز مخرج المسرحية عن احتواء تنوع الأصوات، وتعدد المآسي في صيغه درامية محبكة، واستسلامه للنزول من مكانة رب العمل الفني المحتكر لحق “حكي الحكاية”، إلى موقع الطرف الذي يخاطبه الجميع لكنه يعجز عن تضفير هذا الزخم، ويكتفي بتسجيل رؤيته هنا وهناك.

هز القالب الفني أوروبا وقتها وتحدى فكرة السرد وفكرة مخاطبة الجمهور وفكرة التلقي كعلاقة تعاقدية بين الفنان ومتلقي عمله، أظهر الفوضى وثمنها واعتبرها المفتاح الرئيسي لفهم “ثمن” الحرب وزلزالها.  

في المسرحية، مثل الاقتحام مفتاح العمل الفني، فكان تدافع ست شخصيات بعد بدء العرض تعبيراً مبتكراً عن أن النصر ما زال كلمة، وليس حقيقة معاشة بعد. كانت هناك الزوجة الفارة والمتألمة والابنة المغتصبة والابن المنفي ليصبح رجلاً والزوج الجبار والعاجز عن فرض رؤيته. كان هناك أيضا العشيق الضعيف و موته وفقر الأسرة واستسلامها للدعارة كمصدر رزق وكانت هناك الصورة الصادمة للأب الذي يضاجع ابنته التي هجرها مع أمها صغيرة، فأصبحت فتاة هوى حين كبرت.

كانت هذه المسرحية أبلغ تعبير فني عن استحالة الحياة في ظل كل تلك الكراهية والألم، التي نتجت عن الحرب العالمية الأولى بين الأطراف الأوربية، والتي جسدها حجم الأسى الذي حمله كل فرد من المسرحية تجاه الآخرين.

سقطت مسرحية بيرندلو سقوطاً مدوياً لمدة عام عند عرضها، وطالب الكثيرون بمقاطعة الكاتب بل وسجنه.  تطلب الأمر عاماً، لتُعرض المسرحية أولا في لندن ثم في نيويورك، و حتى  يتم إخراجها بعد ذلك في باريس لتصير أيقونه الفن المحرر للشعوب من حسابات القادة وأحلام الامبراطوريات، وليحصل بيرندلو بعدها على جائزة نوبل للأدب.

ما أحوجنا لبيرندلو في الثورة المصرية! إن الحشود العديدة التي تنادي سواءاً برجوع الشرعية، أو بضرورة استمرار الثورة ضد قطبي الثورة المضادة من أجهزة أمنية وتنظيم إخواني مساوم، أو حتى بأهمية توحد الشعب المصري خلف قيادته العسكرية، تكره كراهية التحريم الأصوات المناقضة لرؤيتها، وتحلم بتبني “المؤلف” لوجهة نظرها، وذلك بغض النظر عن إلى أي مؤلف تتجه بمطالبها.

الفرق الجوهري مع العمل المسرحي الخالد هو أن رب “حكي الحكاية” في مصر مازال مصمما علي قيادته لدفة الأمور، وعلى قدرته على طمس الأصوات الناشذة هنا وهناك، مرة بحشد مبايعيه، ومرة بتمرير قوانين مجحفة، ومرة بتقرير أي مسار وصيغة دستورية ستمكنه من البقاء في موقع الصدارة والتحكم والسَحق. إن التسليم بمحدودية دور المؤلف وبتعدد الأصوات قادم لا محالة، ولنتخذ من سيرة هذا العمل الفني عظة عن أن الانقضاض والاحتكار مآلهما النسيان آجلا أو عاجلا.


في انتظارك يا بيرندلو…

اعلان
 
 
دينا الخواجة