Define your generation here. Generation What
إلى كل ما فُقد، ولم نعرف عنه
 
 

“الاختفاء هو خطأ في التسمية. كثير من السجناء الذين اختفوا ربما توقفوا عن الوجود. ولكن لم يُفقد أو يختفي أي منهم. سواءاً كانوا أحياءٌ أو أموات – كل منهم متواجد في مكان ما – مكان حقيقي”

منظمة العفو الدولية


في عام ٢٠١١ تقريباً هرب بطل لا نعرف اسمه من السجن في حادثة فتح السجون  على هامش اضطرابات سياسية كبيرة في مصر. وهو يعدو بعيداً عن السجن تصله رصاصات هذه الاضطرابات. يقفز على ظهر سيارة نقل مع آخرين، بينما تنطلق عليهم الرصاصات بشكل عشوائي من سيارة شرطة عابرة. يموت الرجل إلى جانبه في الحال، بينما يطلب سائقوا السيارة منهم تركها. يمشي ويعدو مجدداً. ثمة ثورة تحدث في الخلفية. يصل إلى بيته أخيراً.

لقد حمل معه شيئاً واحداً أخيراً من السجن. تصويرغير واضح لحادثة فتح السجون العنيفة، على شريحة هاتفٍ محمول. يبدأ التصوير بجملة يقولها المصور – جملة تحاول جاهدة أن تبقى معنا إلى النهاية – فتظهر مجدداً ظهوراً ملحاً. “أنا عملت الفيديو ده عشان الناس تعرف اللي حصل.”

في نهاية ٢٠١٣ كنت أسير في شارع مؤدي إلى شارع محمد محمود، والذي كان ساحة حرب ما بين المتظاهرين والشرطة منذ عامين. كنت أسير في الشارع بحثاً  عن ذاكرة مفقودة. ولكن كثرت الحواجز وأصبحت الذاكرة غير ممكِنة. فذهبت لأرى فيلم المخرج أحمد عبدالله الجديد “فرش وغطا”.

كان الفيلم بمثابة ذاكرة مفقودة – ذاكرة لم نكن نعرف أننا نمتلكها في الأساس. هدوء الفيلم العاصف وصوره التي تبرز في ضوضاء الصور، تؤذن بانبثاق مساحة جديدة للوعي. على مدار الـ ٨٥ دقيقة نسافر إلى “أماكن حقيقية” – بيوت لما فقدناه أو نسيناه أو لم نعرف عنه في الأساس. في هذه المساحة الواسعة تظهر قصص أخرى لهذه الثورة، ولثورات أخرى لم نعلم عنها كثيراً – قصص لم تحكى بعد.

واقعية بعض هذه القصص تأتي في بعض الأحيان في شكل مزج الوثائقي بالروائي. أشخاص يقابلهم بطلنا، الذي لا نعرف اسمه، يتحدثون عن قصصهم وقصص عشوائياتهم. في بعض الأحيان يمكن أن تحتسب هذه الإشارات للواقع كمحاولة لطرح مسئولية اجتماعية ما للفيلم بدلاً من الاعتماد على قدرة الرواية وحدها على الحكي. ولكن في “فرش وغطا” تعامُل أحمد عبدالله مع غير الفنانين ومقتطفات من الواقع – الأمر الذي اعتدنا عليه في أفلامه – يخدم الرواية بشكل ما. 

تهرب اللقطات المصورة بالهاتف المحمول من النسيان، عندما تصل إلى موقع جريدة تقوم بتجميع قصص وفيديوهات عن الثورة. تهرب هذه اللقطات لحظات، قبل أن يُفقد صاحبها الأصلي في معركة أخرى لا يعرف عنها الكثيرون على هوامش الاضطراب السياسي. بطلنا الذي لا نعرف اسمه يختفي في غضون حالة عنف هبّت على حي يعيش فيه مجتمع من جامعي القمامة المسيحيين. تنتهي قصته في مكان يتم فيه تدوير كل شيء قد أصبح قمامة في ضجة القاهرة، لتعاد الحياة له من جديد حاله كحال لقطات الهاتف عن فتح السجون، وجملتها الملحة “عشان الناس تعرف اللي حصل”.

هذه اللقطات – مثلها مثل “فرش وغطا”، هي بمثابة وثيقة للذاكرة والتاريخ غير الممكن. وفي أوقات عصيبة تقاوم فيها الذاكرة، تصبح هذه الوثيقة كالملجأ الذي لم نتوقعه.

يعرض “فرش وغطا” حالياً في دور العرض السينمائية ولمدة أسبوع.

اعلان
 
 
لينا عطاالله