Define your generation here. Generation What

جمهور جديد ليسار جديد

حين الحديث عن اليسار فنحن نتحدث بالأساس عن الثورة. الثورة لحظة بداية لخلق مسار جديد لمستقبل لم يكن مُتصورا في ضوء الحاضر والماضي. كما أنها لحظة لإعادة قراءة التاريخ في ضوء المستقبل وليس العكس. وتوصف القوى اليسارية بالتقدمية حيث أنها تتطلع إلى ذلك المستقبل الذي يقع بالأساس خارج ما يطرحه الواقع من احتمالات، وهي بذلك ليست قوى مثالية تسعى للهروب من واقع حقيقي بل تسعى للقطيعة مع واقع مُتوهّم تفرضه الطبقات الحاكمة بأدوات الهيمنة المختلفة. تحاول القوى اليسارية في سعيها للمستقبل تجاوز محاولات السلطة للسطوعلى إمكانات الحاضر وإفقاره بحيث تظهر استحالة احتمالات تغييره. لذلك الثورة هي بوابة ذلك المستقبل و هي تلك القفزة الاضطرارية للمستقبل المجهول التي يفشل الحاضر والماضي في منعها أو حصارها. هي في حدوثها تملك الجميع ولا يملكها أحد وإلا تحولت إلى إعادة إنتاج لمشروع سلطوي جديد.

بالقياس على الحالة المصرية، فنجد أن لحظة الخامس والعشرين من يناير – وتجليها الأعظم في الثامن والعشرين من يناير – مثالا للحظة الثورية. فقد أتت على غير موعد، في اللحظة التي فقدت الدولة كل قدرة لديها على استشراف علاماتها. أتت ليس فقط لتربك حسابات السلطة وإنما لتسبب إرباكا لقوى المعارضة بطرحها سيل من الاحتمالات لم تكن مستعدة للتفاعل معه. فلقد ألقت الثورة بحسني مبارك في قفص الاتهام في الوقت الذي كانت طموحات أغلب قوى المعارضة في مصر تنحصر في استبدال مشروع التوريث باستمرار ميراث يوليو في الحكم و ذلك بصعود عمر سليمان أو أحمد شفيق إلى كرسي الرئاسة، فبحسب رؤى المثقفين ذوي النزعة القومية المنتمين لحركة كفاية كانت غاية الأمال هي استكمال مشروع التحرر الوطني المبتور منذ لحظة إعلان موت الأب بصعود السادات للحكم أو بالأحرى منذ هزيمة الخامس من يونيو ١٩٦٧. في تلك اللحظة أتت الثورة لتهدم كل ذلك وتطرح آفاقا جديدة لاحتمالات لم تُستكشف بعد وذوات تركوا ذاتيتهم لتشكلها رياح اللحظة الثورية.  

رحلة تعثر الثورة

بعد لحظة الخامس والعشرين من يناير أتت لحظة استفتاء ١٩ مارس لتبدأ رحلة تعثر مسار الثورة حيث تم فرض سناريوهات التحول الديمقراطي على المسار الثوري. ذلك التعثر الذي حوّل مسار الثورة من ما كان يفترض أن يقود إليه من تغيير جذري في تراتيبة الثروة والسلطة إلى تبادل إجرائي للسلطة استطاع المجلس العسكري – بالإشتراك مع القوى المضادة للثورة – في إطاره حصر كل إمكانيات الثورة في صيغ قانونية واختزال أفق الثورة في متاهة آليات الديمقراطية الإجرائية التي هدفها في النهاية شرعنة موقع المؤسسة العسكرية المركزي في الدولة (كما تبيّن لاحقا). أصابت متاهة الديمقراطية الإجرائية الثورة بالدوار وأفقدتها حيويتها لتسحب منها أهم خصائصها المتمثلة في القدرة على الحشد واحتلال الفضاء العام. 

مع الأسف، لم يستجب الثوار لذلك التعثر بالتفاعل معه، بل بتجنبه ومحاولة تثبيت الزمن عند اللحظة الثورية، ليكرروا ما فعله الثوار الفرنسيون، حيث حاول الثوار – حينها – إطلاق النيران على الساعات في الميادين العامة في محاولة منهم لإيقاف الزمن كأنما أرادوا القبض علي اللحظة الثورية و إطالة أمدها إلى ما لا نهاية. ربما نستطيع القول أن ذلك الفعل يظهر كل التناقضات المرتبطة بفكرة الثورة حين يتبين مدى استحالة تكرار أو إعادة إنتاج اللحظة الثورية بصورة طوعية، تلك الاستحالة نابعه من اعتبار أن الثورة دوماً حدث غير متوقع و غيرموات لأي مشروع سياسي يحاول توظيفه من أجل اهدافه مثلما حاول الإخوان المسلمين توظيف حدث الثورة من أجل مشروع أستاذية العالم وكانت نهايته كما نشهد الآن. 

بعد إذاعة بيان التنحي في ١١ فبراير، حاولت القوى الثورية استدعاء لحظة التنحي بكل تفاصيلها من محاولات الحشد في ميدان التحرير إلى حالات الاعتصام الاحتجاجي المتكرر في نفس الميدان مثلما تبين في اعتصام يوليو و أحداث محمد محمود بكل براءتها المفرطة. ولكن كانت السلطة ورغم تهالكها قد استشرفت حدود ذلك الحشد العفوي المؤقت و المسالم أو المشاغب في مثاليته، ليدخل الثوار في علاقة عدمية مع الثورة لا تفضي إلى شيء. لذلك فبينما كانت تتوالى أخطاء المجلس العسكري طوال السنتيين الماضيتيين، لم تستطع القوي الثورية كسب أرضيات جديدة للمسارالثوري وعلى الأخص مع تجذرالثورة بضم أكثر من قطاع من الشعب المصري أهمهم الأقباط و النساء في أحداث مفصلية مثل مجزرة ماسبيرو أو حادث الإعتداء على الفتاة (المعروفة إعلامية بست البنات) إبان أحداث مجلس الوزراء.

لكن، ونحن الآن ندخل ربما في مرحلة مفصلية جديدة ببداية لحظة الثلاثين من يونيو فلابد أن نتوقف عن تكرار أخطاء الماضي. لذلك، فلابد لنا من طرح بعض الأسئلة حول مستقبل اليسار في ضوء التحولات الجذرية التي احدثتها الثورة. وحين نتحدث عن مهمة كتلك فنجد أن أصعب أجزائها على الإطلاق تكمن في محاولة إعادة تعريف مهام اليسار و التحديات التي تحول دون إنجاز تلك المهام.

آفاق الثورة وميراث دولة يوليو:

لقد استطاعت الثورة أن تخلحل كل المرويات المرتبطة بميراث دولة يوليو ونستطيع تلخيص أزمة الدولة المصرية الحديثة منذ صعود العسكر إلى الحكم في أنها تمثل مشروع تحديث غير مكتمل، دون خطة أو نية لإكماله. في هذا الصدد،  نحن لا نتحدث عن وجود نموذج حداثي مكتمل يمكن الاحتذاء به (أي أن نظل سجناء إمكانية أن نكون قطعة من أوروبا) ولكن نتحدث عن سردية كبرى مرتبطة بتجربة الحداثة المصرية اسبغت على الدولة لعب دور رعوي في توجيه وتقويم مستمر لحياة المصريين ومن أجل محاولاتها الدائمة [لإلحاقهم] بالعالم المتقدم.

فبقاء وضع الدولة المصرية وعلاقتها بالمجتمع في المنطقة الرمادية بين مرحلة الحداثة وما قبلها هو ما يعطي للدولة اليد الطولى على المجتمع حيث أنها تبقي العلاقات بين الدولة وبين الطبقات الاجتماعية المختلفة في نطاق الزبونية مما يضمن استمرار الطبيعة السلطوية لمشروع التحديث بأن تكون الدولة فيه هي الراعي والحامي والمسيطر أيضا. ذلك النمط الذي جعل حضور الدولة طاغيا في علاقات الطبقات ببعضها البعض أعاق نمط التفاعل المجتمعي الذي كان من الممكن أن ينتج مجتمعا أكثر إنفتاحاً تكون الدولة انعكاسا له، وأعاق أيضا أن تتطور الطبقات لتقوم بدورها في المجتمع من صراع على الموارد وما إلى ذلك.

بالتالي، نجد أنه لا توجد طبقة اجتماعية في مصر تستطيع أن تمثل الرافعة الاجتماعي للمشروع الثوري أو حتى المشروع الإصلاحي، وبقي داعمو المشروع الثوري هم مجموعة متفرقة من البشر لا يكاد يربطها رابط. وهو ما تجلى في لحظة الثلاثين من يونيو، حيث حينما أراد الناس “الثورة” على الإخوان لم يجدوا إلا الدولة ليلوذوا بها ويطلبوا منها الحماية. وهم في ذلك لم يطلبوا من الدولة أن تقوم بدورها الطبيعي في إنفاذ القانون بل فوّضوا الدولة لتقوم بحماية “هوية” المجتمع الذي كان يمثل له الإخوان التهديد الأكبر. يعيدنا الحديث عن الهوية ودور الجيش إلى لحظة الخامس والعشرين من يناير التي اختار فيها الجيش أن ينحاز للمطلب الإجرائي الأسهل للجماهير وهو إزاحة مبارك من السلطة.

نستطيع القول الآن أن مبررات انحياز الجيش لمطلب الجماهير في الخامس والعشرين من يناير لم يكن مختلفا كثيرا عن مبررات انحيازه في الثلاثين من يونيو، فكما كان الإخوان يهددون هوية الدولة كان مشروع التوريث يهدد هوية الدولة من حيث إحلاله مدرسة الإدارة العسكرية بمدرسة الإدارة النيوليبرالية المتمثلة في صعود جمال مبارك وأصدقائه من رجال الأعمال.

من هنا تأتي أهمية الآفاق الجديدة التي فتحتها اللحظة الثورية في الخامس والعشرين من ينايرلليسار، والتي يلزم فهمها حتى نستطيع فهم لحظة الثلاثين من يونيو. فلقد كشف لنا النمط المشترك بين اللحظتين – من حيث دخول الجيش على الخط ومبررات ذلك الدخول – عن عدونا المشروع التقدمي الحقيقي وهو ليس الرأسمالية بشكلها المجرد، وإنما هي تلك التراتيبة الزبونية للدولة. ذلك الإطار هو الإطار الذي يمكن فيه تجاوز السرديات الجاهزة وإنتاج السرديات الجديدة المرتكزة على الذوات الجديدة التي أنتجتها الثورة وما تطرحه من احتمالات لأشكال جديدة من التنظيم.

ذلك الفهم الذي يقينا شر الوقوع بين مطرقة عداء الجماهير (التي تفضي إلى تذيّل فلول الإسلاميين في اللحظة الأنية) وسندان تأليه الجماهير (الذي يفضي إلى عبادة الدولة و بقايا سردية الأب المتمثلة في محاولات تلميع الجنرال السيسي).   

١. من إنتاج السلع إلى إنتاج الحياة:

لا يجب أن ينسينا الحديث عن طبيعة المجتمع المصري أننا نحيا في سياق عالمي لابد من إدراك طبيعته أيضا. تجاوزت الرأسمالية الآن المصنع لتتدخل في أدق تفاصيل الحياة من خلال إنتاج الواقع المعاش بحيث يتم تشكيل أفق و حدود حياتنا اليومية في إطار حزمة من الاختيارات المعدّة سلفا. وبالتالي لم تعد الحريات الاقتصادية وقضايا العدالة الإجتماعية فقط هي ما على المحك وإنما ما على المحك هي الحياة ذاتها في أدق تفاصيلها. كي تستطيع الرأسمالية أن يكون لها ذلك النفوذ في حياتنا اليومية لابد لها من أن تكون ذات طبيعة سائلة.

تلك الطبيعة السائلة هي التي تجعل من عملية المقاومة عملا عسيرا فلم يعد النظام هو نظام هرمي يكفي قطع رأسه ليعم الخير على الجميع. من ناحية أخرى فإن تلك الطبيعة السائلة التي بموجبها تدخل النظام في تفاصيل الحياة اليومية للأفراد تعطي لمشروع المقاومة مساحات جديدة للدخول إلى السياسة، عن طريق تسييس ما لم يكن يُتصور تسييسه في تفاصيل الحياة اليومية للناس، لتصبح السياسة ليست ممارسة منفصلة عن الحياة أو جزء منها بل تصبح هي الحياة. ومن هنا نستطيع أن نتصور أن الإطار العام لتيار اليسار الجديد قوامه المقهورين بجميع أشكال القهر الاقتصادي والديني والاجتماعي والجنسي .. إلخ.

لذلك، يجب على أي حركة يسارية مستقبلية محاولة ضم قطاعات من الشعب الذين ظهروا في مدة السنتين الماضيتين، ولكن ينبغي التنبيه على أن عملية التسييس ليست أحادية أي انها لا تراهن بالأساس على إقناع تلك القطاعات ببرنامج معد سلفاً و كيان مؤسسي سابق التجهيز و لكنها تعمل على إبراز مقدرتهم على المشاركة في ترجمة أفكارهم و متطالباتهم. يمكننا القول أن مهمة اليسار الأساسية تكمن في التواصل مع رؤى تلك القطاعات و الإشتراك معهم في إعادة تعريف [السياسة] لإبراز محاولات السلطة في حصرها في قنواتها [الرسمية] أو تعريفها من خلال صيغ جاهزة تبدو [مقبولة] للمجتمع المصري أي بصيغة أخرى، اليسار يبحث دوماً عن أفاق جديدة لتسييس قطاعات من الحياة والسكان مستبعدة من المجال العام وتحيزاته المسبقة كما تحدده السلطة الحالية.               

٢. جمهور اليسار الأوسع:

كما أوردنا في الفقرات السابقة، فنحن نسدد فواتير مشروع التحديث الدولتي غير المكتمل منذ مائة عام بسرديته التراجيدية، في إطار سياق عالمي تتغلغل فيه الرأسمالية إلى تفاصيل حياتنا اليومية. ينبني على ذلك أن ينفتح اليسار على أفق النضال الجديد لتصبح معركة اليسار هي معركة استعادة احتمالات أفضل للحياة في وجه الرأسمالية، ولا تكتفي بكونها حركة مطلبية أو تحصر نفسها في حزب سياسي ينفق معظم طاقته في معارك انتخابية ضيقة لتدخل اليسار في علاقة مع الدولة مثل علاقة زكي بشّكها/استيفان روستي مع جميز/إسماعيل ياسين في فيلم المليونير (خد لك سيف .. كمان سيف) والتي ظن فيها زكي أنه يستطيع أن يفوز على جميز في لعب الورق فانتهى به الحال هو وأصدقائه إلى أن يعودوا إلى منازلهم بالملابس الداخلية.

حتى يحرر اليسار نفسه من تلك العلاقة الدائرية المفرغة مع السلطة لابد أن ينظر إلى جمهوره الأوسع، والذي يستطيع أن يستعين به في مواجهة ترتيبة الدولة الزبونية والرأسمالية السائلة. بالنظر إلى العلاقات بين مكونات الدولة وبعضها ينكشف لنا أن الحلقة الأضعف في تلك التراتيبة هو وضع الأقباط. فالكنيسة الأرثوذكسية المصرية هي عامود راسخ من أعمدة الهوية المصرية شأنها في ذلك شأن الأزهر – لذلك وجدنا البابا بجوار شيخ الأزهر في خلفية السيسي وهو يلقي بيان عزل مرسي.

غير أن دخول الكنيسة ومن ورائها الأقباط في تلك التراتيبة الزبونية مع الدولة يختلف عن دخول مؤسسة الأزهر وما تمثله من إسلام “وسطي” فبينما علاقة الكنيسة بالدولة قائمة على امتيازات تمنحها الدولة للكنيسة ولكنها أيضاً مبنية على تيئيس الكنيسة وجمهورها الواسع من الخروج خارج تلك التراتيبة. لذلك نجد الدولة تتقاعس عن حماية الأقباط من الهجمات المتكررة من قبل المتطرفين الإسلاميين والبلطجية وبعض اجهزتها الأمنية حتى يتأكد للأقباط أن الخروج من كنف الدولة يعني الخطر الذي يصل إلى حد الفناء. ل

ذلك، فإن الأقباط هم دائما الحلقة الأضعف في المجتمع المصري والذين دائما ما يكونون أول ضحايا القمع و الإستغلال من قبل الدولة. شهدنا ذلك في حادثة ماسبيرو والتي تُعتبر أول حادثة قمع عنيف تمارسها الدولة بعد الخامس والعشرين من يناير كما شهدنا ذلك في الاعتداء عن الكنائس من جمهور الإسلاميين و بلطجية الأمن يوم فض اعتصام رابعة العدوية، لذلك فهم في الحقيقة لابد أن يكونوا أول المستهدفين بمشروع يساري يستكشف إمكانية تحرر الأقباط وباقي الأقليات الدينية والإثنية بالذات من ربقة المجتمع دون طلب الحماية من الدولة التي لا تزيد الأمر إلا سوءا.

على صعيد آخر، فحين الحديث عن المقاومة كأسلوب حياة وليست فقط كمشروع سياسي اقتصادي مطلبي فنحن نتحدث عن القهر كأسلوب الحياة. أي أننا نتحدث عن القهر الجنسي، أي أننا نتحدث عن النساء والمثليين والمثليات وهي الفئات الأكثر عرضة للقهر بشكل يومي، خاصة إذا تحدثنا عن الفقراء منهم. لذلك، لا يمكن أن يُتصور خلق مشروع سياسي تحرري دون أن يكون النساء والمثليين والمثليات مرتكز رئيسي لجمهوره وهو أمر قد يدفع في سبيله القائمين على ذلك المشروع ثمنا غاليا من مجتمع قد يرى مثل ذلك الخطاب صادما ولكن في النهاية لا يمكن تصور تحرر دون ثمن.

ولذلك المطلوب من حركة يسارية جديدة هو الانفتاح على النقد النسوي فيما يتعلق بقضايا النساء في مصر و ذلك من بدأً من اسئلة التنظيم وحتى أشكال السلطة الأبوية (ليصبح السؤال الأكثر الحاحاً على اليسار هو: كيف يمكن خلق كيان تنظيمي يساري يكون أكثر وعياً و درايةً بتلك القضايا واثارها على حياة الجمهور الاوسع من النساء أو الفئات المهمشة الأخرى).

اعلان
 
 
باسم زكريا السمرجي 
فؤاد حلبوني