Define your generation here. Generation What
حرب الفحم
 
 

منذ قرابة الأسبوعين، هبط جبل عملاق من الفحم فى ميناء الإسكندرية. فكان يخرج من كمية الفحم الهائلة، التى كانت غير مغطاة و مفصولة بالكاد عن المناطق المحيطة و المكتظ معظمها بالكثافات السكانية، رماد مبعثر و بعض الجسيمات الخطيرة، إلى الهواء الطلق.

و لم تنتظر شركة لافارج، التى تعد واحدة من أشهر الشركات متعددة الجنسيات فى السوق المصرى، موافقة الحكومة لتسمح بعبور تلك الكمية الضخمة من الفحم، في الوقت الذى إحتدم فيها النقاش حول موقف الحكومة من الموافقة على فكرة إستيراد الفحم من عدمه.

فقبل أسابيع قليلة من سقوط نظام الرئيس السابق محمد مرسي، أعلنت الحكومة عن نيتها إستيراد الفحم لتشغيل مصانع الأسمنت المصرية، نظرا للنقص المتكرر من إحتياجات الغاز الطبيعي.

و منذ تلك الواقعة، إهتمت أوساط المهتمين بشئون البيئة و العاملين بقطاع الصناعة، بالوصول لجدوى تلك الخطة. فأوفت، ليلى إسكندر ،وزيرة البيئة، مدى مصر، آخر التطورات بشأن قضية الفحم مؤكدة أن وزارتها قد اجتمعت مع القائمين على صناعة الأسمنت في سبع مناسبات مختلفة.

و أتبعت “لقد أتفقنا على أن تسلم كل مجموعة دراسة شاملة عن جدوى إستخدام الفحم كمصدر للطاقة في صناعة الأسمنت،

و بعدها يمكننا أن نعيد تقسيم و تبادل البيانات المطروحة و من ثم يتم مناقشتها”.

و فور علم إسكندر بأن شركة لافارج قد قامت بإستيراد الفحم بصورة غير قانونية و بدأت فى إستخدامه فى عملية الصناعة فى مصنعين تابعين لها، دون الحصول على موافقة من السلطات المصرية، قررت إتخاذ تدابير قانونية حيال ذلك.

و أضافت “تم تحرير بلاغ بتلك المخالفة و هو ما سيعقبه غرامة بالطبع، على الرغم من تلك الغرامة لن تاثر بها ميزانية الشركة الضخمة”.

و لم تتمكن مدى مصر من الحصول على تصريح رسمى من لافارج سواء كان من المكتب الإعلامى الخاص بها أو من مكتبها الرئيسى، حول هذة الواقعة.

و فى ضوء صلاحيتها المحدودة، قد تقوم وزارة البيئة فقط تغريم المصنع المخالف و ترفض إصدار تصاريح إستيراد الفحم لأى من المصانع لحين التأكد من موافتها لشروط السلامة، لكنها فى الوقت نفسه لا تمتلك القدرة على إتخاذ القرار النهائى فى تلك الشئون و التى يملكها رئيس الوزراء وحده.

و يرى مدحت إسطفانوس، رئيس شعبة الاسمنت بغرفة مواد البناء باتحاد الصناعات، أن صناعة الأسمنت فى حاجة لإستيراد الفحم ليس مثل أى وقت مضى.

و أدعى أيضاً أن “تسعين بالمائة من مصانع الفحم في العالم تستخدم الفحم كمادة خام و يعتبر استخدام الغاز الطبيعي لهذه الصناعة و الذى يستخدم فقط في صناعة البتروكيماويات و الأسمدة و التي تستخدمه كمادة خام”.

قد شهدت صناعة الأسمنت نقص كبير في معدلات الإنتاج على مدى العامين السابقين. فعانت شركة أسمنت السويس و التي تعد واحدة من أكبر المتحكمين في صناعة الأسمنت المصرية، من 20 بالمائة خسارة في كفاءة الإنتاج منذ العجز المتعارف عليه ، و خسارة في المشروعات بنسبة 30 في المائة في العام الحالي 2013.

و حينما سُئل إستفانوس عن النقاش الجاري بين القائمين على صناعة الأسمنت و وزارة البيئة المصرية ، أكد أن الأخيرة قد فشلت في تقديم أسباب بيئية و إقتصادية صحيحة و مقنعة لإيقاف إستيراد الفحم.

و قال ” و في نفس الوقت لم يتم الموافقة على استخدامه رغم محاولاتنا المستمرة لشرح أن الفحم لن يساهم في زيادة معدلات الإنبعاثات الحالية بل من الممكن أن يسهم في التقليل منها”.

و أضاف ” الذي يغفله الكثيرون أحيانا هو أن الفحم يستخدم كمصدر للطاقة و كإضافة في عملية صناعة الأسمنت و أن الرماد المتطاير يحجز في الأفران ليسهم في تحسين كفاءة الأسمنت لذلك من المحتمل أن يقلل من الإنبعاثات”.

و قد ذكرت إسكندر أنه قد تم بالفعل رصد عدة إنتهاكات متكررة بإستخدام الغاز الطبيعي مؤكدة أن التسريبات هي المسئولة عن وقوع أمراض، مطالبة الجميع بتخيل حجم العبء الصحي المتوقع مع الفحم.

و أعربت الوزيرة عن تفهمها قيام مصانع الأسمنت بإستيراد الفحم لأنه من مصدر طاقة رخيص مقارنة بأنواع الوقود الأخرى، و لكن بعد تقييم التكاليف الجانبية و إضافتها على تكلفة الفحم يتضح أنه “استثمار هائل” .

و قالت” إذا تم إضافة تكاليف البنية التحتية لتجديد المواني، نظام المواصلات، تحويل الأفران، تكنولوجيا التحكم في الإنبعاثات، معالجة المخلفات، و التكاليف الصحية، و فاتورة التغير المناخي، يتضح أن الأمر فى النهاية مشكوك فيه كخيار إقتصادي سليم”.

و أكد عمر على ،المدير التنفيذي لمنظمة الغردقة لحماية و الحفاظ على البيئة، إنه يشارك بفعالية في المناقشات الجارية حول قضية الفحم.

و قال على ” هل تعلمى أن قرابة الثمانية ملايين طن من الفحم قد تدخل البلد بالشاحنات.. هذا جنون مطبق، ليس لدينا أي طرق مجهزة لتحمل هذا أو حتى أسطول شاحنات يعمل بالديزل لنقل كل هذة الكميةالضخمة من الفحم”.

و أضاف ” أرى أن الأمل في إعتماد نطاق واسع من الطاقة المتجددة يختفى، و للأسف يبدو أن إستيراد الفحم أصبح أمر لامفر منه”.

و أوضح “الأسوأ أن إستخدام الفحم لن يكون في صناعة الأسمنت فقط، فستحول كل الصناعات لإستخدام الفحم عندما تؤهل البنية التحتية لذلك”.

وانتقد على موضوع استيراد الفحم واصفاً إياه بإنه “أكبر مخطط للفساد في التاريخ المصري” و قد ذكر أن وزارة الكهرباء قد أعلنت أنها ستستخدم جزء من استيرادات الفحم لتشغيل مولدات الكهرباء التابعة للحكومة، و بالتالي تحوّل المسؤلية من القطاع الخاص للقطاع العام.

من وجهة نظر بيئية بحتة، إستخدام الفحم على نطاق واسع يترتب عليه عدة أشياء، أولها أن احتراق الفحم يؤدي إلى رفع نسبة غاز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي لكل وحدة طاقة حرارية من أي وقود أحفوري آخر، و كذلك ملوثات الهواء السامة الناتجة من المصانع التي تعمل بالفحم يمكنها تدمير البيئة و الإضرار بالصحة العامة.

ثاني أكسيد الكبريت يعتبر من أكبر المشاكل المطروحة و ذلك لأن هذا النوع من الانبعاثات مرتبط مباشرة بالمطر الحمضي و الضباب الدخاني. أما عن أكاسيد النيتروجين و التي هي عبارة عن جزيئات صغيرة الحجم جدا تكون أيضا الضباب الدخاني و عديد من مشاكل التنفس، الزئبق و هو سم عصبي فتاك، ينتقل من خلال دم الأم إلى الجنين و يتسبب في إنخفاض النشاط العصبي للأطفال.

سيتم تجهيز المواني المصرية سواء في البحر المتوسط أو البحرالأحمر حتى تتحمل كمية الصرف الضخمة الناتجة عن الفحم، و هو ما سينتج عنه إحتمالية صرف كمية كبير من السخام على الشعاب المرجانية. و في مقابلة سابقة مع مدى أوضح علي أن التدمير الذي يحدث للشعاب المرجانية سببه غبار الفوسفات الذي يُصرف في مياة البحرالأحمر.

بقايا الفحم يمكنها أن تتسرب إلى التربة و الإضرار بالحصيلة الزراعية ، و كذلك تتسرب إلى المياه السطحية و الجوفية و تتسبب في إعتلال الثروة الحيوانية و الحياة البرية وأيضاً تتسبب في ضرر كبير بحياة الإنسان.

ووفقاً لبعض أصحاب المصالح و رجال الأعمال المشاركين في النقاشات الدائرة حول إستيراد الفحم، أن عملية استيراده تتسارع، و خلال الأسابيع القليلة المقبلة سيتم صدور قرار نهائي بشأن أستيراد الفحم على نطاق واسع و لكنهم أكدوا فى الوقت نفسه إنه قبل منح تفويض رسمي ، لابد من إجراء تقييم الأثر البيئي و دراسة التنمية الإقتصادية.

اعلان
 
 
لويز سارانت